عمي ..

عمي ..

عمرو سالم

نذره والده منذ صغره للعلم …

فحصل على شهادتي البكالوريا الشرعيّة والعلميّة، ثم درس القانون مع قامات القانون في سوريّة.

قضى شبابه في القراءة والبحث والعلم والتطوّع في تدريس الجيل المولود في النصف الأول من القرن العشرين …

فكان قائداً لعائلة شغفها العلم والقراءة والثّقافة والاطلاع على آخر العلوم وعلى ثقافة الآخرين، مع القراءة المتأنيّة لثقافتنا ولتاريخنا ولعقائدنا …

كان قائداً لإخوة؛ شكلّوا لي ولأبناء عمومي وعمّتي منارة مبكّرةً؛ شكّلت فترة وعينا كأولاد …فكانت جمعاتنا العائليّة، عبارة عن ندوات ثقافيّة وبحثيّة وتعليميّة، لم تنقصها التسلية المفيدة الّتي لم تستطع أن تبتعد عن الثّقافة والاطّلاع …

أذكّره بما قد تكون سرعة ذهنه ونظرته المستقبليّة قد أنسته إيّاه ، لكنّه محفور في ذاكرتي وضميري وتكويني …

فكانت طفولتي بينهم طفولة سعيدة رائعة؛ عوضتني عن فقدان والدي الذي استشهد في سبيل الله؛ دفاعاً عن هذا الوطن وأهله من كلّ الأعراق والأديان والعقائد …

وبما أنّني كنت أقضي صيفيّتي بين دار الفكر بدمشق ودار الفكر في بيروت، فقد عرفت منذ بدايات وعيي؛ عمالقة الفكر والعلم والأدب والقانون من سوريّين ومصريّين، وأعطتني الجرأة (وأنا الولد الصّغير)؛ أن أعيش حلماً بأنّ أولئك العمالقة هم أصدقائي مع أنّني كنت بعمر أبنائهم أو ربّما أحفادهم …

وقد كان يزوّدني، ومنذ بدايات قراءتي بالكتب والقصص، وكنت أعيشها حياة كاملة في الطابق العلوي من دار الفكر؛ وأنا أقضي ساعات في القراءة …

كنت أوّل أبناء جيلي الّذين حصلوا على كتب عبقريّة عمر وعبقريّة خالد لعباس محمود العقّاد … وقرأ دواوين شعر شعرائنا العظام … وربّما أصغر من قرأ كتاب (دمشق – صور من جمالها وعبر من نضالها) للأديب والقاضي والفقيه الأستاذ علي الطّنطاوي … بل أذكر أنّي في الإعداديّة قرأت كتاب القانون الدّولي وقت السلم للأستاذ الدكتور عزيز شكري …

وأوّل من اقتنى سلسلة الناجحون وهي تحكي قصص حياة عباقرة العالم من ليوناردو دافينشي إلى غيره من عظماء التّاريخ … ومجموعة مسرحيّات ملحمة عمر لعلي أحمد باكثير … لم يفته أنّني صغير؛ فأهداني ألغاز تختخ وعاطف ونوسة؛ الّتي لا يوجد ولد من أبناء جيلي لم يقرأه، لكنّني كنت أفاخرهم بأنّني أوّل من اقتناها وقرأها …

ما بين أعمامي وعمّتي، لم يكن ينقصنا شيء من أدب عربيّ وعالميّ، ومن تاريخ وجغرافيا، ومن علم غزير؛ جعله شغفهم متعة ما بعدها متعة …

ولم يكن ذلك كافياً له، وهو الرّجل المتديّن العالم، المؤمن بحريّة الفكر المطلقة الّتي لا يمكن أن تقيّدها اعتقادات ولا تحدّها قيود، فقد كان مبدؤه في الحياة الآية الكريمة ▬فَأَمّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفاءً وَأَمّا ما يَنْفَعُ النّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الأَرْضِ♂ [الرعد:13/17].

فكانت منشوراته ومنشورات العائلة تمثّل كلّ أطياف الفكر. وبذل وقته وماله وجهده لعقد الحوارات الفكريّة بين المسلمين والعلمانيّين، والمسيحيّين، والسنّة والشيعة، في سعي لتحقيق التعايش الغنيّ، والكلمة السّواء الّتي تجمع الأضداد المشتركين بوطنهم وإنسانيّتهم وعلمهم ..

أسّس اتحاد النّاشرين السوريين وكان أوّل رئيس له … ورغم الإجماع والإصرار الشديد، لم يقبل أن يكون رئيساً مدى الحياة، وأصرّ على التداول؛ فكان عميدهم وكبيرهم بحبّ الجميع وتقديرهم له ..

وحتّى في سنّ الثمانين، وبعد الثّمانين … كان وما يزال يبذل المال والجّهد وسهر الليالي لمسابقات القراءة والكتابة والتأليف من قبل الأطفال؛ لكي يكتشف ويشجّع مفكري الغد.

لقد جمعت دار الفكر في شقّيها اللذين قادهما هو وأخوه عمّي محمود؛ صداقات حميمة مع أطراف الفكر؛ من الشيخ حسن خالد إلى الشيخ محمّد باقر الصّدر … إلى الكتّاب والمفكّرين اليمينيّين واليساريّين …

لم أعرفه طوال حياتي إلّا وكان التخلّص من التعصّب الأعمى، والقضاء على الفتن والشّوائب، والنّهضة العلميّة الحديثة الّتي تواكب وتسبق العصر؛ همّه الأكبر وشغله الشّاغل.

إنّه عمّي وكبير عائلتنا ووليّ أمري؛ الأستاذ محمّد عدنان سالم …

انتخبه قبل أيّام مجمع اللغة العربيّة بدمشق من بين عدد من المرشّحين ذوي الباع الطّويل في العلم ليكون عضواً مراسلاً فيه …

ولمن يعلم أو لا يعلم، فعضويّة مجامع اللغة العربيّة في دمشق والقاهرة وبغداد هي أعلى درجات العلم في الوطن العربيّ والعالم …

وأذكر أنّ مصر أرادت أن تكرّم العبقريّ عباس محمود العقّاد، فخيّرته ما بين عضويّة مجلس الشّيوخ، وعضويّة مجمع اللغة العربيّة؛ فاختار مجمع اللغة العربيّة …

عمّي الحبيب الأستاذ محمّد عدنان سالم !! شكراً لك على جهدك الجبّار … وعلى همّتك الّتي لا تقف في وجهها كلّ محبطات الدّنيا …

حفظك الله نبراساً للنهضة والتطوّر والأخلاق …

ولا أنسى الإنسانة العظيمة زوجة عمّي حكم، الّتي وقفت إلى جانبك في هذا المشوار العظيم … ولا أنسى إخوتك مشاعل النّور؛ عمّي محمود، وعمّتي هداية، وعمّي محمّد، الّذين أتشرّف بهم وبرعايتهم وحبّهم العصيّ على الوصف …

 

ورحم الله جدّي حسن سالم … الّذي توفيّ عن عمر قارب المئة عام، وهو لم يغب عن ذهنه آية واحدة من القرآن، الّذي كان يحفظه غيباً، ويعمل به حياةً، وكان أوّل من يبادر بالتّقريب مع المسيحيّين الّذين كانوا يحبّونه كما يحبّون أنفسهم …

والّذي كانت جيوبه تضيق بالمال؛ فتدفعه دفعاً ليتسرّب منها إلى عمل الخير الّذي كان همّه وشغفه وشغله الشّاغل، حتّى عندما استدعيتني في السّاعة الثانية فجراً؛ لنسمع معاً ولوحدنا وصاياه وحبّه ورضاه؛ وقوله لك: أنت حبيبي … أنت روحي … ربّما لأوّل مرّة في حياته … وكيف رضي عن كلّ فرد من أفراد العائلة لم يفته واحد منهم … وطلب أن يتوضّأ ويتعطّر استعداداً للقاء ربّه راضياً مرضيّا … عالماً بما ترك فيك وبأعمامي وعمّتي من خير ونور يضيء دربنا في أحلك الأيّام …

ذاك رجل الأعمال الشيخ الجليل السنّيّ الشافعيّ؛ الّذي أراد أن يدفن في باب الصّغير ما بين قبر والدي وآل البيت … فحقّق الله له ما أراد …

هل تذكر يا عمّي الحبيب عندما كنّا أولاداً، وكنت تجمعنا في (السيارين) ونتسابق في الجري لمئة متر … وكنت في كلّ مرّة تسبقنا بمسافات، بالرّغم من فارق السنّ ؟!

ما زلت يا عمّي ورغم خطواتك الوئيدة؛ تسبقنا سنين وسنين في كلّ شيء …

ولا أنسى أن أنهي بجملتي الّتي استقيتها من إصرارك …

عمرو سالم: تزول الدّنيا قبل أن تزول الشّام …

You may also like...

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *