قراءة في فكر محمد عدنان سالم

الحمد لله الأكرم الذي علَّم بالقلم، علَّم الإنسان ما لم يعلم، والصلاة والسلام على سيدنا محمد وآله وصحبه أجمعين، وبعد:

إنه من الصعوبة بمكان أن يحاول المرء في صفحات محدودة أن يجول في زاوية من فكر الأستاذ محمد عدنان سالم، فلا يمكن لكلمات محدودة أن تحيط بكل هذا المجهود الكبير الذي بذله، ولا يمكن لجمل ولا لكلمات ولا للحظات أن تختصر مساراً حافلاً في حياة فكرية ومهنية تركت بصماتها على جدار زمن الفكر الإنساني الإسلامي.

إننا أمام رجل بذل الكثير ليرفع اسم مؤسسة دار الفكر التي آمن برسالتها، وعمل لأجلها، وخطط وكتب وقدم من خلالها فكر رجالات كبار، حتى أضحت دار الفكر اسماً لا تستطيع أن تتجاهله، وصنع منها مؤسسة آلت على نفسها أن تأتي دائماً بكل جديد؛ مما أبدعه وخططه كتَّابها ومفكروها على مستوى رقعة العالم الإسلامي، لتعرضه للقارئ في ساحة الفكر وميادين العلم، حتى أضحى عدد كبير من القراء يقصدها بعينها، فما إن يروا كتاباً مذيلاً باسمها وشعارها إلا وبادروا إلى اقتنائه، وكلهم ثقة أنهم سيقرؤون فكراً جديداً لم يقرؤوه من قبل.

هذا بعض من مهنية هذا الرجل.

أما إذا انتقلت لأجول في بعض ساحات فكره الفسيحة الواسعة، لأقدم قراءتي في فكر طالما حمله، ونادى به، وعمل لأجله، فإنك ستجد نفسك أمام رجل تمنى لو تكون الأمة كما كانت في غابر زمانها يوماً، ويعاد تشكيلها من جديد؛ لتكون قادرة على تجاوز حالة اليأس والاستسلام لمصير مجهول؛ يراد لها وتدفع إليه.

التجديد والنخبوية

كانت له كتابات ومحاضرات وأفكار حاول من خلالها أن يساهم في تحقيق ثقافة الأمة، وإحياء وعيها الحضاري، وتحريك إمكانات التجديد ومقوماته، وتحرير مفهومه، وتحديد مصطلحه، وتنمية المسؤولية بهذا التجديد عند كل مسلم، وعند كل إنسان، وليس عند فئة خاصة دون أخرى، ليمارس كلٌّ دوره بالقدر الذي يستطيع، ومن خلال الموقع الذي هو فيه، ليصبح التجديد ثقافة عامة؛ لكل فرد منها نصيب، إلى جانب كونه تكليفاً شرعياً ومطلباً حضارياً؛ يعيد الأمة إلى التلقي عن منابعها الأصلية ليتم تقويم المجتمع به، ونفي نوابت السوء التي لحقت بها، وتحديد ما هو من العادات والتقاليد التي جنحت عن مفاهيم القرآن والسنة وتطبيقاتها، وكان من سيرة رسول الله r وممارسة خير القرون.

إن تجديد الدين أو أمر الدين، والعودة بمفاهيمه إلى ينابيعه الصائبة الأولى، ونفي البدع، ورفض التأويلات المتحرفة؛ لا يخص فرداً أو جماعة أو عصراً أو لوناً أو لساناً، وإنما هو مسؤولية جماعية تضامنية تشمل الأمة بكافة مكوناتها وشرائحها.

إن تجديد الفكر الإسلامي عموماً؛ من لوازم الخلود لهذه الرسالة وخاتميتها، والتجديد إنما هو للتدين وليس للدين، ولفهمه وليس لأصله.

ويقوم ذلك عبر تقويم الواقع، من خلال الشرع، واتباع سنة التدرج في طريق النهوض شيئاً فشيئاً. وإن النخب التي أنيط بها من حيث الشكل على الأقل هذا التجديد، وتقديم الحلول للأمة وإشكالاتها لا تستطيع ذلك من خلال كلام حماسي، ونيات حسنة، دون وضع خطط استراتيجية؛ تأخذ بعين الاعتبار الإمكانات، والمعوقات، والركود الحضاري، وانطفاء الفاعلية، بل ربما يؤدي ذلك أو يساهم في تكريس التخلف والتراجع، بل ربما أصبحت النخب هي المشكلة في هذه الأمة، بحيث تحولت- هذه النخب- من وسائل تجديد ونهوض إحياء، إلى أدوات تخلف وجمود وعجز يؤدي إلى استدعاء الآخر ليقود الأمة، ويمارس فيها تضليله الحضاري والثقافي.

وإن واقعنا الإسلامي الذي لا نحسد عليه هو في الأغلب دليل إدانة للنخبة، ومؤشر واضح على عجزها عن التغيير والتجديد، خاصة وأن العصر وآلياته، وإمكاناته، وشيوع المعرفة فيه، وكسر احتكار المعلومات، واختزال المسافات والزمان؛ قد أتاح لهذه النخب الفرصة الذهبية لتتقدم بما هو مطلوب منها، أو ما تدعي أنها تتصدى له.

وليس مقبولاً أبداً التلطي وراء ادعاءات تتمثل بالهجمة الشرسة، والتعليل بالعوامل الخارجية والظروف والأحوال، لأن ذلك لم يعد يقنع، بل يحمل في جنباته دليل إدانة لهذه النخب، حيث لم تكن على مستوى الأحداث ومستوى العصر، إن لم نقل: إنها ليست في مستوى فهم الإسلام والعصر معاً فهماً دقيقاً.

ليس مقبولاً أبداً إشاعة مناخ التخاذل الفكري، ومحاولة ترسيخ فلسفة الهزيمة، وشيوع عقلية تسوغ ما هو كائن، وعقلية (ليس بالإمكان أبدع مما كان)، لأن ذلك لا يعني الجمود فحسب بل الموت.

وليس مقبولاً أن يصير الماضي هو المستقبل، وأن يصبح التغني بالتاريخ والافتتان بمنجزاته هو البديل عن التعامل مع الحاضر واستشراف المستقبل.

العقل وبلوغ الرشد

وفي ذلك آمن بإمكانات العقل الجمعي الإسلامي، ودعاه أن يمد الأمة بشعب المعرفة بدلاً من العجز عن الإنتاج المعرفي والثقافي، ولعل في محاصرة معرفة الوحي في القرآن والسنة، ما أخرج التدين من مجالات الحياة بسبب عجز العقل المسلم وتخلفه عن استيعابها وفهمها، حتى وصل بنا الأمر إلى احتضان نماذج لثقافات الآخر، وطريقة تفكيره لتحتل المنابر الفكرية الإسلامية.

ولعل من المؤشرات الخطيرة في إشكالية العقل المسلم؛ غياب العقل الاستراتيجي عن ساحة الفكر الإسلامي المعاصر، ذلك العقل القادر على فهم الماضي وتدبره، وصناعة الحاضر والتخطيط له، وإبصار المستقبل واستشرافه، في ضوء الفهم العميق لمقاصد الإسلام وشرعه وهداياته. وتشكيل عقل جماعي للأمة بدل شيوع عقل التسويغ والتسويق للواقع، وغياب فقه المقاصد،وبروز فقه المخارج والحيل الشرعية، وغياب جلب المنافع والمصالح، وبروز فقه درء المفاسد وسد الذرائع، الأمر الذي أدى في نهاية المطاف إلى إعلان استقالة العقل المسلم أو إقالته، ونتج عنه المحافظة على الواقع، والإبقاء عليه، والركون إلى ما فيه، وتجميده أحياناً، وبالتالي فقر الفكر الإسلامي المعاصر والمكتبة الإسلامية من تحليلات جادة، ودراسات معمقة، ومؤلفات ذات بُعد استراتيجي، تقدم دراسات وبحوثاً في أسباب النهوض والسقوط، والانقراض الحضاري، وغياب هذه الأمة عن ساحة العالم، دراسات عن سبب إخفاقنا وتقدم غيرنا، مع أننا نملك من مقومات النهوض والتغيير والحضارة مالا يملكه غيرنا من الأمم.

 الإعلام والفن

في زمن الإعلام الذي ألغى الحدود، وأزال السدود، واختزل المسافات والأزمان، واختصر التاريخ، ويكاد يلغي الجغرافية، أو أنه قد فعل، حتى بات الإنسان يرى العالم ويسمعه من مقعده، ولم يقتصر على اختراق الحدود السياسية والسدود الأمنية، وإنما تجاوز ذلك إلى إلغاء الحدود الثقافية، وساهم في تشكيل القناعات العقدية، حيث أعاد بناءها وفقاً للخطط التي يرسمها صاحب الخطاب الأكثر تأثيراً، والبيان الأكثر سحراً،والتحكم الأكثر تقانة، حتى بات من الممكن القول: إن المعركة الحقيقية المستمرة والفاصلة اليوم هي معركة المعرفة والإعلام، بعد أن سكتت أصوات المدافع، وتوارى أصحابها، وأصبحوا لا يدعون إلى الظهور إلا في أوقات يغيب فيها الرشد، وتهزم الفكرة، وتنتصر الشهوة، ويرتكس الإنسان فيها، وينحدر إلى حياة الغابة، ومع ذلك يبقى الإعلام من أخطر أسلحة هذا العصر.

ومع كل ما تقدم من دور للإعلام؛ فإن الفن من أخص ما يؤثر من خلاله وما له من دور في صناعة المجتمع، وصياغة أفكاره، وتغيير مفاهيمه، وتشكيل قناعاته ومبادئه.

أدرك الأستاذ محمد عدنان سالم ما للفن من دور مهم وخطير في عملية تشكيل الأمة، أمام فن بدأ يتسلل إلى داخلها، ويخترقها، ويعمل على التحكم في أفكارها وتصوراتها، ويحاول احتواء طريقة تفكيرها ليلقي القبض على عقلها وعواطفها واهتماماتها ليعاد تشكيلها وفقاً لخطط مرسومة ومدبرة.

إن أخطر ما في هذا الاختراق الإعلامي ودور الفن من خلال هذه الوسائل الإعلامية المتعددة أن تتوهم الأمة المخترقة أنها تملك إرادتها، وأنها هي التي تصنع رأيها وتتخذ قراراتها بنفسها، دون أن تشعر أنها إنما تدور في الفلك المرسوم لها، وتحرك بأجهزة التحكم من بعيد.

إن الطاقات المبدعة على مستوى الفن لا يمكن أن تنمو وتستنبت في أجواء القمع والإرهاب، وانتشار لغة التحريم وسد الأبواب مطلقاً، والاستبداد السياسي، والظلم الاجتماعي، وغياب الحرية وحقوق الإنسان التي تمثل الشروط الطبيعية والضرورية للنمو والإبداع.

لقد استطاع المسلمون الأوائل في جيل القدوة؛ أن يوظفوا كل الإمكانات المتاحة لنشر الدعوة الإسلامية، وتحروا لها كل الوسائل المتاحة في البيئة المحيطة بهم من الوسائل الممكنة.

والحال اليوم تجاه الفن كما هو الحال تجاه المنتجات الحضارية الكثيرة الأخرى، أننا نعيش أزمة الرفض الكامل، من خلال عدم محاولة تطويعها لما يخدم الرسالة التي يحملها؛ ليس بالمقاطعة أو الانسحاب، وإنما في كيفية تحويل هذه الوسيلة، وتسخيرها لتكون في خدمة الحق والخير، وإيصال الرسالة الأخلاقية والقيمية للإسلام؛ بعيداً عن الإسفاف والانحدار، أو العودة إلى التاريخ كما أردنا أن نعرض الإسلام وقيمه، وكأن هذا الإسلام أضحى تاريخاً ماضياً نفخر به، ولكن ليس له مكان في الحاضر.

لقد بدأ الموقف من الفن بالرفض، وهو الموقف الأسهل دائماً، وذلك بتحريمه وتحريم ما يعرض فيه عموماً ومطلقاً، وذلك ككل جديد لم تدرك خطورته وطريقة التعامل معه، وبعد أن خطا خطوات عريضة، وفرض وجوده بسبب غيابنا وتخاذلنا وتقاعسنا، وبدأت نتائج تأثيره تتضح شيئاً فشيئاً، حاولنا الدخول إليه بأساليب أشبه ما تكون بالبدائية والساذجة والمحزنة أحياناً، التي يمكن في مجملها أن تشكل عبئاً على الإسلام، أكثر من أن تشكل عرضاً للصورة الحقيقية له.

والمطلوب في نظرتنا إلى الفن؛ أن نخرج من حالة الشكوى والتلاوم؛ التي تستنزف الطاقة دون أن تقدم حلًّا، إلى أن نخطو خطوات في الاتجاه الصحيح، عبر تبني فنٍّ أخلاقي راقٍ يعرض الواقع، ويطرح الحلول من خلال رؤية قيمية حضارية، إذا إننا بحاجة إلى توبة في الفن لا توبة عن الفن.

والخطوات مهما جاءت متأخرة بطيئة وربما رديئة أحياناً، لكنها يجب أن تسهم في النهاية في الدفع إلى التحول من رد الفعل إلى الفعل، ومن حالة الأماني إلى الآمال، ومن الأمل إلى العمل.

إننا إن لم نستطع الدخول إلى قلب المعركة، وتحسس هموم الناس،وتقديم الرؤية الإسلامية من خلال الفن الأخلاقي الراقي الذي يساهم في حل المشكلات،ويرسم خارطة طريق للوصول إلى النتائج المرجوة، فإننا سنبقى في الهامش، في الوقت الذي أصبح الفن عند الآخرين؛ يخضع لاستشارة متخصصين في علم النفس والجغرافيا والاجتماع والتاريخ والفلسفة؛ والأدوات لتقدير تأثير الفن على الناس.

إن المعادلة الصعبة للأمة اليوم؛ تكمن في عدم قدرتها على الارتقاء بخطابها ودعوتها إلى مستوى إسلامها وعصرها وعالميتها.

وبدل أن نكون قادرين على قراءة الأزمات التي تمر بهذا العالم؛ قراءة إسلامية صحيحة عقلانية من خلال إعلام راشد، وفنِّ راقٍ، وخطاب واعٍ.. بدلاً من أن تكون الأمة قادرة على توظيف الأحداث لمصلحتها ومصلحة الإنسان؛ نرى الأحداث توظفها، فيخوض خصومها المعركة بإعلامها وفنها وخطابها، وتصفى الحسابات بدماء أبنائها؛ تقاتل بالنيابة عن الآخرين.

ونعجز عن الوقوف على ثوابت صلبة تؤصل لرؤية إسلامية عالمية بديلة، بعد أن سقطت كثير من الرؤى والنزعات والطروحات التي اختبأ وراءها من لا يريد بنا خيراً، ولم تجن منها الأمة إلا الحزن والعلقم.

وأخيراً أعود فأقول للأستاذ محمد عدنان سالم:

سلمت يداك، ويسلم قلبك، ويسلم قلمك.. وجهودك بإذن الله لن تذهب سدى، ولا معنى لمكان لا يكون فيه خطك الوردي.

وطالما تحدثت عن القمة وجهدت لتصل إليها، وآمنت أن القمة قد تكون صعبة المنال، لكن الأصعب الثبات فيها.

   

د. محمد وهبي سليمان

*من كتاب ( عاشق الفكر والثقافة )

You may also like...

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *