هل التدخين من الخبائث ؟

هل التدخين من الخبائث ؟
نبات التبغ :
التبغ من الفصيلة الباذنجانية، وسمي بهذا الاسم نسبة إلى منشئه في جزيرة Tabago الأمريكية؛ حيث دلت بعض الحفريات عثر عليها هناك يعود تاريخها إلى عام 600 ق.م، منها غليون من الفخار لتدخين التبغ. وفي عام 1915 جاء الرحالة أفيدوا بأوراقه إلى أوربة. وقيل : إن كريستوف كولومبس هو أول من جاء بأوراقه لتدخينها في أوربة، إلا أن السفير الفرنسي في البرتغال جان نيكوت هو الذي استقدم بذوره وزرعها في حديقة منـزله بقصد الزينة، فأوراقه بيضاوية لزجة كبيرة الحجم وأزهاره جميلة حمراء.. وبعد ذلك شاع استعماله في أرجاء العالم، ودخل البلاد الإسلامية حوالي سنة ألف هجرية، وعرف في بلاد الشام باسم التتن (الدخان).
مكونات التبغ الضارة :
يتكون التبغ من أكثر من 300 مادة تختلف حسب نوع التبغ وطريقة تدخينه . إذ تحوي أوراقه على عدد من أشباه قلويات سامة منها النيكوتين والبيروليدين وسموم أخرى غير معروفة تماماً .
النيكوتين : مادة كيماوية تصنف مع أشباه القلويات الطيارة الشديدة السمية، ويعتبرها الدوائيون من السموم العصبية المهلكة؛ حيث إن دخول قطرة واحدة منها إلى البدن الحي تؤدي إلى موته المباشر … ويشكل النيكوتين 2 – 8% من وزن أوراق التبغ الجافة. وأكد المؤتمر الدولي عن الصحة الذي انعقد عام 1967 أن النيكوتين يمكن أن يؤدي إلى نوع من الاستعباد كالذي يلاحظ عند تعاطي الخمور أو الهيروئين، كما أنه يفتح الباب أمام سلسلة من العوامل المسرطنة والسامة، وتأثير مواد أخرى يحتويها دخان السجائر .
اكتشف النيكوتين العالمان الألمانيان بوسان ورايمان وأسمياها بهذا الاسم نسبة إلى جان نيكوت. وهو ليس السم الوحيد الموجود في التبغ، فلا عبرة بقولهم عن سجائر بلا نيكوتين، فاحتراق السجائر ينجم عنها دخان يحتوي على 1/4 النيكوتين الموجود في التبغ، علاوة على سموم أخرى من نواتج الاحتراق هي الأسس البريدية Pyridic Bases أهمها:
السيانيد : أو حمض سيانور الماء الذي يوجد في دخان التبغ بنسبة 1600 إلى المليون، في حين لا تتسامح دور الصناعة بتجاوزه 10 أجزاء من المليون من دخانها، وزيادته إلى أعلى من هذه النسبة تؤدي إلى انسمامات خطيرة.
أول أوكسيد الفحم CO : وهو غاز سام جداً، وتركيزه في دخان التبغ يفوق 1000 مرة التركيز المسموح به في هواء الشهيق العادي، وهو يتحد مع هيموغلوبين الدم؛ مما يمنع وظيفة الدم في نقل الأوكسجين، وهذا سبب قصر النفس عند المدمنين على التدخين.
ومنها الأمونياك الذي يؤدي إلى التهاب الغشاء المخاطي للأنف والعين والحنجرة ويثير البصاق والسعال عند المدخنين ، ومنها غاز الإيتان والميتان والبروبان ومواد قطرانية مسرطنة لما تحتوي عليه من مادة البنـزين .. كما يحتوي على مواد مسرطنة أخرى كالفينول والفورمالدهيد والأكرولئين ونتروسامين و 4 – 3 دوبانتريبرين وغيرها. وتحتوي خلاصات التبغ على كمية قليلة من الفحوم الهيدروجينية المتسلسلة المسرطنة، والتي ترتفع نسبتها بعد الاحتراق .
الانسمام الحاد بالتبغ : ينجم عن التعرض لكميات كبيرة دفعة واحدة كما يحصل أحياناً عند عمال التبغ والزراع باستعمال مناقيع التبغ كقاتلة للحشرات. والمقدار السام هو 30 غ من هذا المنقوع، أو 2 غ إذا استنشقت عطوساً، أو 30 غ سجائر عند غير المدمن. ويتجلى الانسمام الحاد بحس احتراق في البلعوم، وألم في الشرسوف، وإقياء وانتفاخ بطن مع إسهال، وشحوب ، وأعراض عصبية من هياج ورجفان ودوار واختلاج، ثم همود وسبات مع بطء في التنفس، وضعف في القلب قد ينتهي بالموت خلال ربع ساعة إلى 24 ساعة.
مصادر عادة التدخين
الانسمام المزمن بالتبغ
أكدت إحصاءات وزارة الصحة الأمريكية أن تعاطي التدخين يؤدي إلى وفيات تعادل 1000 وفاة يومياً في الولايات المتحدة، وهو رقم يزيد 7 مرات عن الوفيات الناجمة عن حوادث الطرق ، وتنجم عن الانسمام البطيء، والتخزين المزمن لدخان التبغ بسبب ما يحتويه من سموم ومواد قطرانية وفحوم هيدروجينية مسرطنة. وتختلف درجتها بحسب بنية المدخن وطبيعة حياته وطيلة فترة التدخين وعدد السجائر المدخنة يومياً، وحسب طريقة استعمالها؛ فالغليون الطويل والنرجيلة تخفف من مقادير السموم الممتصة، وخاصة الأخيرة؛ إذ يذوب قِسْمٌ منها في ماء النرجيلة .
وفي تقرير للجنة الطبية الأمريكية نشر في 11/ 1/ 1964 أكد أن التدخين ضارّ بالصحة حتماً، وسبب رئيسي لعدد من الأمراض المميتة. ولا تختلف الآثار الضارة كثيراً بين تدخين السجائر ذات المصفاة Felter وغير المصفاة، ويموت المزيد من البشر بعد سنوات من الألم والزلة والعجز.
وتؤكد الأبحاث أن ضرر التدخين لا ينحصر بالمدخن، فالجلوس في غرفة مغلقة فيها مدخنون ولمدة أربع ساعات فإنها تعادل تدخين 10 سجائر. وأن مضارّ التدخين لا تحدث جميعها عند كل المدخنين؛ لأن احتمال الأبدان يختلف حسب بنية الشخص وطبيعة حياته وطراز ونوع التدخين، إلا أن المشكل الحقيقي هو أنه لا يمكن للمدخن ولا لطبيبه أن يعرف هل سينجو من مضاره الخطيرة أم لا، ولن يعرفا أيضاً متى، ولا نوع المرض الذي سيلحقه، والذي يمكن أن يحصل فجأة بعد انكسار المقاومة للمرض في لحظة حرجة لا ينفع بعدها الندم.
أما استنشاق مسحوق التبغ (سعوطاً) إلى داخل المنخر، فإنه عدا عن سمية النيكوتين، فمسحوق التبغ يخرش الغشاء المخاطي للأنف مؤدياً إلى التهابه المزمن، وإذا وصل التخريش إلى نفير أوستاش أدى إلى التهاب الأذن الوسطى واضطراب السمع، والتخريش المزمن يمكن أن يؤدي إلى سرطان موضع . وأما مضغ التبغ فهو أشد طرق تعاطي التبغ ضرراً، فعدا عن تأثيره السام فهو يخرش بطانة الفم والبلعوم والمري، ويزيد إفراز اللعاب؛ مما يضطر المدمن إلى عادة البصاق والتف المستمر، كما يؤدي إلى التهاب مزمن في الأغشية المخاطية مع التهاب اللثة واللسان، وإلى جفاف الفم الدائم وسرطان اللسان .
مخاطر التدخين على جهاز التنفس :
1- النيكوتين والقطران يخربان النسيج المبطن للأسناخ الرئوية مما يؤدي إلى نقص واضح في الوظائف التنفسية (من نقص السعة التنفسية، نقص حجم الهواء الزفيري، ونقص نفوذ الأغشية الرئوية) .
2- إن دخان التبغ يصيب بالشلل الأهداب المهتزة المبطنة للقصبات، ويعطل بذلك أهم وسيلة من وسائل الدفاع الموجودة في الطرق التنفسية، ويزداد التأثير السمي على الأهداب كلما زادت كثافة التدخين وتقاربت الفواصل بين سيجارة وأخرى . كما يزيد إفراز المخاط الذي يساعد بدوره على نهي النشاط الهدبي. وتضعف وظيفة البلعمة أيضاً مما يعطل الدفاع ضد العوامل المؤذية الداخلة مع هواء الزفير، مما يجعل إصابة المدخنين المدمنين بذات القصبات والرئة تبلغ 50%، ويؤهب التدخين للإصابة بانتفاخ الرئة.
3- العلاقة السببية بين التدخين وسرطان الرئة أصبحت واضحة بما لا يقبل الشك : هذا ما يؤكده تقرير اللجنة الاستشارية الأمريكية، ويضيف أن خطر نشوء السرطان يزداد مع طول فترة التدخين وعدد السجائر التي يدخنها، ويقل بقطع التدخين، وأن خطر الإصابة عند المدخن المعتدل بسرطان الرئة يبلغ 9 أضعاف الخطر الذي يتعرض له غير المدخن. أما المدمن فإن خطر تعرضه للإصابة يعادل 20 ضعفاً. ففي إحدى الإحصاءات تبين ظهور 60 إصابة بسرطان الرئة بين 1000 مدخن مقابل إصابتين فقط بين 1000 شخص غير مدخن.
كما أكدت الأبحاث أن التصفية Filter المستعملة في السجائر لا تضبط شيئاً من الفورمالدهيد والأكرولئين والأملاح الأمونياكية الموجودة في دخان السجائر، وهي كلها مركبات يمكن أن تسبب الطفرات في الخلايا المؤدية للسرطان. وعليه فإن المصافي إذا كانت توقف كمية من القطران، لكنها لا تقي من أثر السجائر المسرطن الأكيد.
خطر التدخين على القلب والأوعية :
أجريت تجارب في جامعة واشنطن سجلت فيها بدقة نسبة هرموني الأدرينالين والنورأدرينالين في دماء عشرة متطوعين قبل وأثناء وبعد التدخين، وقد تبين بشكل لا يقبل الجدل أن التدخين يزيد بشكل حاد إنتاج هذه الهرمونات بعد 10 دقائق من بدئه يرتفع معها في الوقت نفسه عدد النبض والضغط الدموي، مما يؤدي إلى إصابة القلب بالإرهاق ويجعله مستعداً للإصابة بآفات خطيرة؛ إذ تتدهور بعد ذلك حالة الشرايين الإكليلية التي تزود القلب بالدم؛ لأن سموم التدخين تؤدي إلى استحالة شحمية في جدران الشرايين الباطنة وتليف القميص المتوسط لها ؛ أي إلى إصابتها بـ “العصيدة الشريانية”.
ويؤكد الدكتور Alton Ochsner أن الوفيات الناجمة عن الإصابات القلبية الوعائية معظمها يعود إلى التدخين. ويرجع سبب هذا إلى ثلاثة أمور؛ أولاها نقص الأوكسجين عند المدمنين لتعطل قسم كبير من الخضاب باتحاده مع أول أكسيد الفحم، وهذا يفرض جهداً إضافياً على قلب المدخن. ثانيها زيادة النبض التي يسببها النيكوتين الذي يقود إلى زيادة الجهد المضني للعضلة القلبية؛ والذي يقود إلى القصور القلبي الحتمي، ثالثها التأثير المضيق للشرايين الناجم عن النيكوتين والذي يضيف عبئاً آخر على القلب.
وللتدخين تأثير في الأوعية المحيطية ، فالتهاب الأوعية الخثري الساد (داء برجر)، يندر حصوله عند غير المدخنين؛ إذ تصاب الأوعية الصغيرة السطحية وتنسد مؤدية إلى ظهور تقرحات معندة ثم موات في الطرف. وأهم الأعراض لداء برجر ظهور ألم يأتي على المشي “العرج المتقطع”. ولا يتراجع المرض ما لم يقلع المصاب عن التدخين. كما يعد التدخين عاملاً رئيسياً في تفاقم داء رينو الذي يحدث غالباً عند النساء والمدخنات العصبيات. ويتصف بشحوب ثم زرقة ثم احمرار في اليدين، وقد يؤدي إلى تقرح وموات في الأصابع.
هذا وتشير تقارير المجمع الطبي الملكي البريطاني (1971) إلى أن تعاطي التدخين يؤدي اليوم إلى عدد من الوفيات لا تقل عن تلك التي كانت تسببها الجائحات كالكوليرا في الأجيال السابقة.
خطر التدخين على الحواس والجملة العصبية :
يلتقط الدماغ النيكوتين المنحل في دم المدخن بسهولة فائقة، ويعمل بتأثيرات معقدة ومتعددة الاتجاهات، فهو منبه عصبي ومهدئ نفسي إلى جانب آثاره الضارة، فهو منبه في حالات الانحطاط الجسمي والفكري، ومهدئ في حالات التوتر والتنبيه. وتؤكد بعض الدراسات أن التأثير المهدئ للدخان، تأثير حسي يرتبط بمذاق الدخان ورائحته ورؤية تصاعد الدخان.
أما التنشيط المنسوب للتدخين، فما هو إلا تنبيه فيزيولوجي ضار تال لتأثير النيكوتين؛ بسبب حضه على إفراز الأدرينالين، وهذا الأخير يحرر الغليكوجين من الكبد والعضلات، فيزداد سكر الدم، ويشعر المدخن بنشاط، لكن الأدرينالين مقبض وعائي أيضاً، وإن الإسراف في التدخين يعرض صاحبه بفعل الأدرينالين المفرط إلى استنفاد مدخرات النشاط عندهم، وإلى تعرضهم إلى نقص دائم في سكر الدم وإلى الشعور بالتعب المزمن .
تلك التأثيرات من تنبيه وتهدئة تحدث لدى المعتاد. أما غير المعتاد فإن إسرافه في التدخين في وقت ما قد يعرضه للانسمام الحاد بالتبغ بأعراضه التي سبق أن ذكرناها. والمدخن عصبي المزاج؛ يثور بسهولة وقليل القدرة على التركيز. ويحدث التدخين نقصاً في القدرة الكهربية للدماغ وتصلبات عصيدية في شرايينه بفعل المركبات القطرانية الثقيلة، وقد يظهر نوباً صرعية كامنة .
وللتدخين تأثير واضح في الأعصاب؛ حيث تنقص ترويتها بما يحدثه من تقبض وعائي ولتأثيره المباشر عليها، ويتجلى ذلك برجفان في الأطراف، وفقدان حاسة الذوق، وصداع وآلام عصبية في الأطراف . والتدخين يضعف الذاكرة لتأثيره في الدماغ، ولأن الإفراط في استعمال المنبهات يورث الفتور . وفي دراسة شملت 6800 طالب؛ تبين وجود علاقة واضحة بين حاصل الذكاء والتدخين، وكانت نسبة الذكاء عند المدخنين أقل، ومتناسبة مع درجة الانسمام بالتبغ .
وتصاب العين بالتهابات متكررة في الملتحمة وجفاف الأجفان، كما يلتهب العصب البصري لنقص الوارد من الفيتامين (ب 12) عند المدخن بسبب مادة السيانيد التي يحويها دخانه والتي تتلف هذا الفيتامين .
خطر التدخين على جهاز الهضم :
الفم هو المستقبل الأول للسجائر، والشفة تتأثر بالرض وبحرارة الاحتراق، ومع تماس التبغ لها يمكن إصابتها بالسرطان، فقد تأكد أن 90% من سرطانات الشفة تحدث عند المدخنين. وتضعف حاسة الذوق عند الإزمان، ويتسخ الفم مما يؤهب كثيراً إلى التهاب البلعوم واللوزات المتكرر، كما تكثر تقرحات اللثة واللسان، وقد تظهر طلاوة بيضاء هي مقدمة لتطور سرطان اللسان. وقد تلتهب الغدد اللعابية في البداية وتضخم ثم يؤدي الأمر إلى تليفها وضمورها.
أما المري فإن نسبة حدوث السرطان فيه عند المدخنين عالية، وقد تحدث تشنجات في المري يرافقها عسر بلع. وتضمر مخاطية المعدة والأمعاء مع الاستمرار في التدخين، ويساعد ذلك على حدوث القرحة الهضمية، ويعتبر التدخين ضاراً جداً عند وجودها؛ إذ يعاكس التئامها، وقد يؤدي إلى نزفها الصاعق أو انثقابها، وكلاهما خطر على الحياة. وتنقص حركات الأمعاء الحوية مما يؤدي إلى إصابة المدخن بالإمساك، وإلى نقص في الشهية، وعسر في الهضم.
ونظراً لأن النيكوتين يستقلب في الكبد ؛ فإن تراكمه فيها يؤدي إلى تسمم الخلية الكبدية وحدوث القصور الكبدي، وقد يؤدي إلى تشمع الكبد، أو أن يتطور إلى الأسوأ، وإلى الإصابة بسرطان الكبد. كما تكثر الإصابة بسرطان المعثكلة عند المدخنين.
خطر التدخين على الجهاز البولي والوظيفة الجنسية التناسلية :
كتب البروفسور الروسي إ. م. بارودمنسكي يقول: إن أكثر السريريين يعتبرون التدخين واحداً من الأسباب الهامة جداً لحدوث العنانة، وخاصة عند مشاركته لعوامل أخرى مؤذية كالغول. وتشير التجارب إلى أن النيكوتين يزيد في بادئ الأمر من قابلية الاستثارة في المراكز العصبية الجنسية. وعند الإزمان، تتناقص قابلية الاستثارة في تلك المراكز حتى الانطفاء. كما أن للنيكوتين تأثيراً سمياً على مركزي النعوظ والدفق النخاعيين. وتأثيره هذا يفضي إلى ضعف فاعلية النعوظ، لكن هذا قد تسبقه مرحلة تشتد فيها سرعة الاستثارة مع ما يرافقها من سرعة الدفق (الإنزال).
ويؤكد بارودمنسكي أيضاً أن الإفراط في التدخين هو من أسباب اضطراب تشكل الحيوانات المنوية، الذي يؤدي إلى العقم. فالتدخين بما فيه من حمض سيان الماء له تأثير سمي على الأنابيب المولدة للنطاف ضمن الخصية فيقل إنتاجها من النطاف ويشوهها.
والحقيقة فإن التدخين يؤثر على كامل الأفعال الانعكاسية المؤدية في النهاية للقيام بالعمل الجنسي، بدءاً من رائحته الكريهة التي تنفر المعافى من صاحبه وتخفف لديه الرغبة في اللقاء، علاوة على أن الاضطرابات الوعائية التي تنجم عن التدخين، وخاصة أثر النيكوتين الثابت في إحداث العصيدة الشريانية، والتي يمكن أن تحدث في الشرايين المغذية للقضيب، فتقل ترويته وقد يفقد القدرة على الانتصاب.
فإذا أضفنا إلى ذلك كله ما ذكرناه من تأثيرات سمية للتدخين على الغدد الصماء المشرفة على عمل الخصيتين، وعلى المراكز الجنسية النخاعية، مما يقلل من الاستجابة العصبية للمثيرات الجنسية، ويؤدي بدوره إلى ضعف النعوظ وعدم قدرته على الاستمرار المدة الكافية لتأدية العمل الجنسي.
أما عند المرأة، فإن تقرير الكلية الملكية الطبية البريطانية لعام 1992؛ الذي يبحث في تأثيرات التدخين على الأجنة، فقد جاء فيه ما يلي : يؤدي التدخين عند الحوامل إلى كثرة الإجهاض والإملاص (ولادة أجنة ميتة)، وإلى كثرة حدوث الخداج (الولادة قبل الأوان)، وإلى نقص في وزن الوليد، وكثرة وفاة الرضع في الشهر الأول من ولادتهم، مع كثرة حدوث العيوب الخلقية. ويؤكد التقرير أن الوفاة في المهد ترجع في كثير من الأحيان إلى تدخين الأبوين في المنـزل، كما يكثر في تلك المنازل إصابة الأطفال بالربو والأمراض التنفسية، وأن ثلث حالات الصمم عند الأطفال يعود إلى أن أحد الأبوين مدخن.
وكان سمبسون أول من نشر عام 1957 بحثاً عن تأثير التدخين على المواليد لأمهات مدخنات. كما أكد Lowe* أثر التدخين على صغر حجم ووزن المولود وإلى أجنة ميتة وإلى زيادة العيوب الخلقية؛ وخاصة في القلب. ويعود ذلك إلى عوز الأوكسجين الدائم في دم الحامل للانسمام المزمن بأول أوكسيد الفحم الذي يشل عمل قسم من الخضاب الدموي، كما أن النيكوتين يضيق الأوعية المغذية لمشيمة مما ينقص من التروية الدموية المغذية للجنين، وأخيراً فإن دخان السجائر ينطلق معه مادة التيوسيانات الذي ينطلق من دم الأم إلى الجنين؛ الذي يملك تأثيرات تؤخر نمو الجنين وأخرى مشوهة**.
وتؤكد الأبحاث أن الشريان المبيضي يتأثر بشكل خاص من تأثيرات النيكوتين المقبضة مما يؤثر سلباً في إنتاج الهرمونات الجنسية المبيضية. كما أنه يؤخر إفراز الهرمون الملوثن L.H. مما يباعد في حدوث الإباضة وما ينتج عن ذلك من قلة الخصب والإنجاب.
والنيكوتين يطرح مع الحليب عند المرضع مما يؤدي إلى انسمام الرضيع وحدوث إقياء متكررة وتشنجات وتسرع في قلب الوليد . أما المرأة غير المرضع فتفرزه أيضاً من غدد ثدييها ثم تعود فتمتصه؛ حيث نجد أن تركيزه في مفرزات الثدي يعادل (5 – 10) أضعاف تركيزه في الدم، وتدل الأبحاث أن أنسجة الثدي تتخرش به، ويمكن أن يؤدي للإصابة بسرطان الثدي.
والتدخين ينقص من إفراز الهرمون النخامي المدر للبول ADH ويؤهب للإصابة بسرطان المثانة.
تلوث البيئة : وتزداد خطورة غاز أول أكسيد الفحم في الغرف المكتظة بالمدخنين؛ حيث يؤدي التسمم المزمن به إلى اضطرابات هضمية وتنفسية تتظاهر بانقباض في الصدر ووهن ونوبات من الصداع وأرق عند النوم .
ويؤكد تقرير لمنظمة الصحة العالمية (كانون الثاني 1986) أن 90% من حالات سرطان الرئة تنجم عن التبغ، علاوة على مساهمته الأكيدة في حالات “الجلطة”، وإحداث جملة من السرطانات في الحنجرة والمري والبلعوم. وينصح التقرير الحكومات جميعها بمنع زراعة التبغ وتسويقه؛ لأن ضرر الدخان لا يقتصر على المدخن بل يتعداه إلى المجتمع؛ فالتدخين يلوث البيئة ويصيب غير المدخنين المتواجدين معه في غرفة واحدة (التدخين السلبي)، وخاصة زوجات أو أزواج المدخنين وأطفالهم الذين يعانون من أمراض خطيرة ومتعددة بسبب تدخين رب المنـزل ..
هل التدخين من المحرّمات ؟
عرف العالم الإسلامي التبغ منذ عدة قرون، لكن آثاره الضارة وخواصه السمية لم تكن قد درست بعد، وخاصة بعد الإدمان عليه؛ لذا اضطربت فيه أقوال العلماء تبعاً لمعرفتهم الضحلة عنه في زمانهم. وهذا ما يؤكده العلامة ابن عابدين في حاشيته في معرض حديثه عن التتن: ((فمنهم من قال بكراهته، وبعضهم قال بحرمته، وبعضهم قال بإباحته)).
لقد استعرضنا في بحثنا اليوم الكمّ الهائل من الأضرار والمخاطر التي عرفها النبي الأُمي محمداً (ص)، إنما أرسله الله لهذه الأمة، ليحل لهم الطيبات ويحرم عليهم الخبائث، بعد هذا يجب أن نتساءل: هل يمكن لعاقل أن يعتبر التدخين من الطيبات؟ أم هو حتماً من الخبائث؟
قبل أن نجيب على هذا السؤال ، سنعرض بإيجاز خلاصة لأحداث التقارير الصادرة عن المؤسسات الصحية العالمية عن مخاطر التدخين، منها تقرير الكلية الملكية البريطانية للأطباء عام 1977؛ الذي يقول : إن الإدمان على النيكوتين أكثر حدوثاً من الاعتماد على الخمر. فإذا شرب الخمر مئة شخص؛ فإن 10 – 15% منهم سيكونون مدمني خمر، وبالمقارنة فإن السجائر إذا دخنها 100 شخص فإن 85% منهم سيصبحون مدمنين له..
وفي تقرير إيفريت كوب وزير الصحة الأمريكي أن ضحايا التدخين في الولايات المتحدة تبلغ 350 ألف نسمة نتيجة التدخين المباشر، و 50 ألفاً نتيجة التدخين السلبي، أي إن 400 ألف ضحية يلاقون حتفهم سنوياً بسبب التبغ. أما الخمور فإنها تقضي على 125 ألف نسمة سنوياً، أما باقي المخدرات مجتمعة فإن ضحاياها تبلغ 6 آلاف نسمة.
وتقدر منظمة الصحة العالمية أن ضحايا التبغ تتجاوز مليون شخص كل عام، في حين لم تتجاوز ضحايا القنبلة الذرية 260 ألف شخص، وأن ضحايا الإيدز المرعب منذ ظهوره عام 1981 وحتى 1992 قد بلغت ربع مليون شخص كما ورد في سجل المنظمة، والتي تعتبر أن هناك نقصاً في التبليغ وترفع الرقم إلى 1.7 مليون ضحية.
ويؤكد تقرير منظمة الصحة العالمية لعام 1986 أن استخدام التبغ بكافة صوره تدخيناً وسعوطاً ومضغاً يعيق الوصول إلى قرار المنظمة، وهو الصحة للجمع، عام 2000. ويؤكد التقرير أن التوقف عن استعمال التبغ سيؤدي إلى تحسين المستوى الصحي وإطالة الأعمار بما لا تستطيعه جميع الوسائل الأخرى. أما تقرير الكلية الطبية الملكية البريطانية لعام 1983 فيؤكد أن ثلاثة من عشرة أشخاص سيلاقون حتفهم بسبب أمراض ناجمة عن التدخين، وأن أغلب الباقين سيعانون من أمراض لها علاقة بالتدخين .
ومن الناحية الاقتصادية، تقول إحصائية طريفة من ألمانيا: إن الدولة حصلت على 12 ألف مليون مارك ضرائب على التبغ، بينما كانت محصلة الخسائر المادية الناجمة عن تدخينه 80 ألف مليون مارك، علاوة على وفاة 140 ألف شخص سنوياً بأمراض ناجمة عن التدخين، وإصابة 140 ألف شخص آخرين. والسعودية وحدها، من بين الدول العربية، تدفع أكثر من مليون ريال سنوياً ثمن سجائر مستوردة، علاوة عن أنها تنفق آلاف الملايين في مداواة مرضى التدخين. وبعد هذا، يقول الدكتور محمد علي البار : إنه من اليسير إدراك حتمية تحريم التبغ زراعة وبيعاً وتدخيناً ومضغاً ونشوقاً. فإذا كان العالم قد أجمع على تحريم المخدرات، فإن التبغ الذي يفوقها في ضحاياه لا شك سيكون أشد حرمة. وأن القول بإباحته أو بكراهيته لأن بعض الناس لا يضرهم التدخين فهذه حجة غير مقبولة؛ لأن أضراره كثيراً ما تتراكم في البدن دون أن تظهر إلا بعد إجراء فحوص دقيقة، حتى ولو سلمنا بذلك فإن حرمته لا تسقط بعد أن علمنا أن الغالبية العظمى ممن يتعاطونه يتأذون به، وبدرجات متفاوتة حتى الموت.
وهذه حجة لو صح استخدامها لاستخدمت في تحليل الخمر، فإن بعض الناس قد لا يبدو عليهم أي ضرر ظاهر؛ فالتبغ الذي يقتل الملايين ويسبب الأمراض الوبيلة لعشرات الملايين جعل المفكرين العقلاء في العالم مثل السناتور الأمريكي روبرت كينيدي يسمي شركات التبغ بالقتلة، وجعلت وزير الصحة الأمريكي يسميهم ” تجار الموت “.
صحيح أن التدخين لم يكن زمن النبوة فليس في شرعنا نص خاص بتحريمه، لكن الإسلام جاء بقواعد عامة تضمن سلامة المواطن في المجتمع الإسلامي، فقوله تعالى: وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ{2/195:5-9} [البقرة: 2/195]. وقوله تعالى : وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كانَ بِكُمْ رَحِيماً{4/29:16-23} [النساء: 4/29]. تؤكد تحريم كل ما يورد الإنسان إلى الهلاك، والتدخين واحد منها كما هو مسلم به. والإسلام يحرم الانتحار، والتدخين انتحار بطيء كما أوضحنا.
يؤيد هذا ما جاء في الحديث النبوي الكريم ((لا ضرر ولا ضرار))*، وقول النبي (ص): ((من تحسى سماً فقتل نفسه؛ فسمه يتحساه في نار جهنم خالداً مخلداً فيها أبداً))**. والتدخين يدخل ضمن المهدئات القوية، والتي تصنف تحت اسم المفترات، وقد ورد عن أم سلمة رضي الله عنها: ((نهى رسول الله (ص) عن كل مسكر ومفتر))***.
وكما رأينا فإنّ ما ينفق على التدخين من ملايين الدولارات (لحرقه في الهواء)، وكثيراً ما يمتنع المدمن عن دفع حاجيات عياله، لينفقها على سجائره، كل هذا يجعل منه إسراف وتبذير محض، والله سبحانه وتعالى يقول : َلا تُبَذِّرْ تَبْذِيراً (*) إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كانُوا إِخْوانَ الشَّياطِينِ{17/26:8+، 17/27:1-5} [الإسراء: 17/26-27]. فإضاعة أموال الفرد والأمة واضحة مع شيوع هذه العادة القبيحة، وكذا الخسائر الناجمة عن زراعة التبغ بشغلها مساحات واسعة من الأراضي بدلاً من زراعة القوت الضروري، علاوة على الخسائر الفادحة التي تنجم عن الحرائق التي يسببها إلقاء أعقاب السجائر المشتعلة هنا وهناك، حيث يقدر أن ثلث الحرائق التي تنشب في العالم تنجم عنها ..
وقد حرم التدخين عدد كبير من مشاهير علماء الأمة الإسلامية؛ منهم الشيخ محمد الخواجة؛ من كبار علماء الدولة العثمانية، والشيخ عبد الله بن الشيخ محمد بن عبد الوهاب، والعلامة البجيرمي في حاشيته على الخطيب، والعلامة إبراهيم اللقاني في رسالته ((نصيحة الإخوان باجتناب الدخان))، والعلامة الشيخ سالم السنهوري، والإمام المهدي زعيم طائفة المهدية في السودان. كما أجمع علماء المملكة السعودية على تحريمه، ومن أبرزهم الشيخ عبد الله بن بابطين، ومحمد بن إبراهيم مفتي المملكة السابق، وعبد العزيز بن عبد الله بن باز المفتي الحالي، كما حرمه مشاهير علماء سورية؛ ومنهم الشيخ بدر الدين الحسني، والشيخ علي الدقر، والشيخ أحمد الحامد، والإمام المحدث الشيخ محمد جعفر الكتاني .
كما نشر المكتب الإقليمي لمنظمة الصحة العالمية رسالة عام 1988 بعنوان “الحكم الشرعي في التدخين”، وفيها فتاوى عشرة من كبار علماء مصر المعاصرين؛ وعلى رأسهم الشيخ جاد الحق علي جاد الحق شيخ الأزهر مفتي الديار المصرية السابق، جاء فيها: ((أصبح واضحاً جلياً أن شرب الدخان، وإن اختلفت أنواعه وطرق استعماله، يلحق بالإنسان ضرراً بالغاً، إن عاجلاً أم آجلاً، في نفسه وماله، ويصيبه بأمراض كثيرة ومتنوعة، وبالتالي يكون استعماله محرماً بمقتضى النصوص التي سبق إيرادها، ومن ثم فلا يجوز للمسلم استعماله بأي وجه من الوجوه حفاظاً على الأنفس والأموال، وحرصاً على اجتناب الأضرار التي أوضح الطب حدوثها)) .
سبيل الإقلاع عن التدخين* :
التدخين عادة تتم بدوافع نفسية واجتماعية تقوى وتتأصل بالتأثير النيكوتيني على الجهاز العصبي المركزي ونتيجة للترابط الفكري النفسي بين التدخين ومواقف المسرة والانفعال . فالشاب يبدأ بالتدخين بدافع التقليد أو الموضة أو التسلية، ثم يصبح عادة وديدناً، يتقوى بفعل النيكوتين على الدماغ. وإن الانقطاع عنه لا يسبب أي خلل وظيفي أو عضوي، عدا بعض الظواهر الانفعالية النفسية أو الشعور بالضيق لعدم ممارسته لهذه العادة.
والتدخين يختلف عن إدمان المخدرات بأنه عادة مكتسبة؛ ولذا فإن الانقطاع عنه يجب أن يكون بالاقتناع والإرادة لتركه، ومنع عوارض التسمم المزمن به. وأن يكون الانقطاع تاماً لا تدريجياً، وإن الاضطرابات النفسية التي يمكن أن تظهر عند الانقطاع عن التدخين كسرعة التهيج تزول بعد 1 – 2 أسبوع . فعلى المدخن أن يحزم أمره، ويقوي إرادته، ويعزم على تركه فوراً مع اقتناعه بأضراره، ويمكن لمن تضعف إرادته أن يتقوى بالمجتمع على نفسه فيعلن على ملأ أنه عازم على تركه، وأن يستفيد من الظروف المساعدة كشهر الصيام، وأن ينتقي فترة الفطام المناسبة؛ حيث الظروف المحيطة به لا تحمل اضطرابات تمس المدخن.
وتعطى بعض العلاجات لمساعدة العاجزين عن قطع التدخين بمحض إرادتهم كاللوبيلين** الذي يسبب قرفاً تجاه التدخين، كما أن إعطاء فحمات الصوديوم الثنائية Bicarbonate de Soude بمقدار 1 × 3 غ يومياً، موزعة على وجبات الطعام، يساعد على إنقاص عدد السجائر؛ فهي بجعلها البول قلوياً تنشط إعادة امتصاص النيكوتين*.
أما الأعراض الناجمة عن قطع التدخين من الشعور بحس فراغ ووهن وهياج، أو من قبض وسعال فيمكن مكافحتها بتناول بعض المنشطات والأدوية المقوية وبإملاء وقت الفراغ برياضات نافعة، وتعطى المهدئات في حالات الهياج والغضب عند عصبيي المزاج، وإعطاء مركبات اللوبيلين المساعدة.
وفي الختام :
حري بالإنسان العاقل بعد اتضاح الأضرار البالغة للتدخين ألا يقع أسيراً لهذه العادة القبيحة، التي تذهب المال وتجلب الكثير من الشرور. وحري بالمجتمع أن ينظم حملات المكافحة لتجنب ويلات التدخين على الفرد والمجتمع، وحري بالقادة والمربين والأطباء، الذين هم قدوة المجتمع أن يمتنعوا عن التدخين، وخاصة في المجتمعات العامة وأثناء العرض التلفزيوني أو السينمائي، فهذه نقطة هامة يجب أن يلحظها العاملون في مجال محاربة التدخين، وخاصة على أولئك، ممن يكتب أو يخرج المسلسلات أو المسرحيات، إيلاء هذه النقطة أهميتها، وعرضها حين عرضها، بما يناسب أضرارها والتنفير منها، فالمشاهدون، وخاصة من اليفع والشباب، في أكثرهم مقلدون لمن يحبون من الممثلين والمشاهير …

You may also like...

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *