عائد من أمريكا (4)

أمريكا المجتمع، وأمريكا الدولة.. موضوعان مختلفان؛ علينا أن نتعامل مع كل منهما على حدة!!

المجتمع زاخر بالتنوع، والتعدد، وحرية الرأي، والاستعداد لقبول الآخر، والحوار معه..

أما النظام؛ فله وجهان ومكيالان؛ وجه تكتيكي يديره نحو تمثال الحرية الشامخ؛ يستلهم منه سياسته الداخلية، ويكيل فيه بمكاييل الحرية، والمساواة، والعدالة، وحقوق الإنسان التي سيواجه بها المجتمع الواقف له بالمرصاد، يحاسبه عليها حساباً عسيراً في الانتخابات الرئاسية كل أربع سنوات.. ووجه آخر استراتيجي تتحكم به أجهزة المخابرات بمعزل عن المجتمع، يرسم على ضوئه سياسته الخارجية الاستراتيجية الثابتة، القائمة على الكيل بمكيالين؛ يتحرر في أحدهما المخصص للآخر – الذي يطلقون عليه اسم (ما وراء البحار) Overseas – من كل القيم الإنسانية، ويستبدل بها قيم الاستعمار، وإلغاء الآخر، واستغلاله، مسخراً لذلك حق الفيتو البغيض الممنوح له في مجلس الأمن، الذي سمح له أن يُخسِر الميزان هنا حيث لا رقيب ولا عتيد، مكتفياً بإيفائه في الداخل عند تمثال الحرية (الصنم)!!

أما السجال القائم الآن بين الولايات المتحدة وروسيا؛ فما هو إلا مسرحية هزلية؛ نحن موضوعها وأبطالها، وهما مؤلفوها ومنتجوها.. حلقةٌ من سلسلة مفتوحة منذ أكثر من نصف قرن، وستبقى مفتوحةً ما دمنا دمىً تتحرك بأصابع المنتجين؛ لا يغلقها ويختم حلقاتها إلا صحوةٌ تردنا إلى حالة من الوعي لذاتنا؛ تزيح عنا لعنة التبعية والقابلية للاستعمار، وتحفزنا للتخطيط لصناعة مستقبلنا بأيدينا، والتعامل مع الآخرين بندّية على مبدأ المصالح المتبادلة!!

وللتأكيد على أن ما يجري في بلدنا من الاقتتال الداخلي، ما هو إلا حلقة تندرج في إطار المسرح المفتوح، سأقتبس بضع مقاطع، من الحوار الذي تم بثه في برنامج الاتجاه المعاكس على قناة الجزيرة عام 2008، بين السيد عمرو سالم وبين مساعد وزيرة الخارجية الأمريكية غونداليزارايس آنذاك، والذي كان الحوار الوحيد الرصين، الخالي من الصراخ والشتائم في هذا البرنامج، والذي بيّن فيه بالوثائق وبعيداً عن نظريات المؤامرة أن الولايات المتحدة – بموجب مراسيم صادرة منذ أيام الرئيس فورد، وما تزال سارية المفعول- قررت خفض عدد سكان العالم الثالث، بكل الوسائل المتاحة!!

[في ورقة أعدها مكتب الأمن القومي الأمريكي برئاسة كيسنجر أيام الرئيس نيكسون، ثم وقعها الرئيس فورد بمرسوم رئاسي؛ لتصبح محور سياسة الأمن القومي الأمريكي تجاه دول العالم الثالث كلها؛ يتلخص ما جاء فيها بالآتي:

إنّ ازدياد عدد سكّان دول العالم الثالث يشكلّ الخطر الأكبر على الأمن القومي الأمريكي لأنها ستجعلهم يستهلكون ثرواتهم التي نحتاجها للنموّ والازدهار .. وكذلك فإنّ الأجيال الجديدة في تلك الدّول هي أجيال ستكون حتماً كارهةً للإمبرياليّة وللغرب عموماً. ولذلك فإنّ علينا ربط كلّ سياساتنا وبرامج تمويلنا وقروضنا ومساعداتنا بخفض الزيادة السكانية في تلك الدول وتخفيض عدد سكانها.

كل ما يجري في بلادنا وفي بلاد العالم الثالث الأخرى هدفه فقط: موت أكبر عدد منّا؛ من كلّ الطوائف والأعراق والملل؛ وكلٌّ يظنّ أن العالم سوف يحميه ويساعده …والخطة بسيطة: اخلقوا طبقة من الأغنياء غنى فاحشاً وطبقة كبيرة من الفقراء المعدمين، واخلقوا أيّ نوع من الاضطرابات نعلم بدايتها والنهاية غير مهمّة؛ لأنها بكل الأحوال ستقتل أعداداً هائلةً من البشر. وسندّعي الإنسانية عن طريق استقبالنا بعض المهاجرين. لكنّ أغلب المهاجرين يجب أن يكونوا في خيام في الدول المجاورة؛ ليموتوا فيها، أو يموتوا في البحر.

أمّا الحل، فهو في الحقيقة بأيدينا نحن وهو ردم الهوّة الاجتماعيّة، وعدم محاولة صهر الناس ووضعهم في قالب واحد؛ فلكل مجموعة ثقافتها وعقيدتها وعاداتها الاجتماعية، ونشر العدل وتطبيق القانون على الجميع]. إلى هنا ينتهي الاقتباس من السيد عمرو سالم!!

هل من شك في أن ما قيل على الفضائيات قبل قرابة عشرة أعوام، هو نفسه ما يمكن أن يقال اليوم، دون أي تعديل، وأننا ما زلنا نراوح في ذات المكان؛ مكان المفعول به الذي فرح بارتقائه إلى رتبة نائب الفاعل، وراح يستجدي الفاعل حلاً لمشكلاته التي هو صانعها، ولن يسعفه إلا بالمزيد من الاستدراج والاستتباع لإطالة أمدها!!

***

هل سيكون ما قدمت؛ كافياً لإيقاظ العالم الثالث المستهدف من نومه؟! أو لفتح ثقب يمده ببصيص من نور يساعده على الخروج من ظلمة النفق؟! أو لوضع لافتةٍ إرشادية في التيه – الذي طال أمد ضياعه فيه – تدله على طريق الخروج منه؟!

تاريخكم حافل بالفعالية والعطاء؛ وهو الذي استطاع أن يحقق أسرع حضارة إنسانية متوازنة حملت شعلتها إلى العالم قروناً طويلة؛ كان الغرب فيها يتمرغ في وحل الجهل والتخلف، قبل أن يدركها الوهن والإخلاد إلى الراحة!!

لقد طال أمد النوم؛ وبدأت تباشير الفجر تدعوكم للصحو، والعودة للإمساك بزمام الحضارة من جديد!! العالم الذي أرهقته مادية الغرب وكيْله بمكيالين، ينتظركم لتزويده بالبوصلة الكفيلة بتصحيح المسار!!

محمد عدنان سالم

15/04/2017

You may also like...

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *