عائد من أمريكا (3)

وها هو ترامب يسارع إلى توجيه ضربته الذكية الحازمة؛ متقيداً بكل آداب الحرب التي أعلنها أبو بكر الصديق؛ مضيفاً إليها: ولا تقصفوا طائرة رابضة على أرض المطار المستهدف، ولا تشنوا غارة دون إنذار مسبق؛ يخفف من الأضرار الناجمة عنها.. إنه ترامب؛ الرئيس الأمريكي الصاعد الذي أتقن فنون التجارة؛ فراح يدير السياسة على ضوئها، يزن تصرفاته بموازين الربح والخسارة، خلافاً لسلفه أوباما، الأكاديمي الذي كان يزن تصرفاته بموازين العلم والرصانة، وإن كان كلاهما مقيداً بقيود الاستراتيجية الأمريكية، وخططها بعيدة المدى، التي تتجاوز حتماً مدة رئاسته!!

عدد القتلى من الجانبين المتنازعيْن- مهما ارتفع- والطريقة التي يقتلون بها- مهما كانت غير أخلاقية ولا إنسانية – ليس مهماً؛ المهم هو الإبقاء على الصراع الدموي بينهما مفتوحاً، وإطالة أمده؛ لتبقى الجراح منهما نازفة إلى ما لا نهاية، ولتظل الأحقاد والضغائن في المجتمع مشتعلة؛ تمزق وحدته التي كانت مضرب المثل؛ ولتشل فعالياته الاقتصادية والاجتماعية والثقافية كلها، ليصبح عقيماً كلاًّ على مولاه؛ أينما يوجهه لا يأتِ بخير!!

من المستفيد؟!

من المؤكد أنه ليس واحداً من الأطراف المتنازعة؟!

لا بد أن يكون الطرفَ الذي أزجيت له الوعود الدولية، منذ مطالع القرن العشرين!!

وأن يكون الطرفَ الذي أقيمت له في أواسطه، هيئة للأمم متحدةٌ على الظلم، مشلولة بحق الفيتو!!

وأن يكون الطرفَ الذي تُستبدل له هوية (شرق أوسط جديد)؛ بهويته (السورية) المتجذرة قروناً متطاولة عبر التاريخ، و (العربية) التي حملت رسالتها الإنسانية إلى العالم منذ خمسة عشر قرناً؟!

 

فمن هو هذا المستفيد الوحيد؟ إنه ضمير مستتر متروك تقديره لنائب الفاعل!!

***

مشكلتكم لن تجدوا حلاً لها عند ترامب؛ فهو صانعها ونافخ كيرها، وأنتم وقودها!!

ولا في مجلس الأمن، والأربعةِ الكبار وخامسِهم..؛ الذين منحوا أنفسهم حق تعطيل العدالة الدولية (الفيتو)، وتشبثوا به إلى الأبد؛ في غفلة من الأمم والشعوب المقهورة!!

ولا عند أصدقائكم، القاصرين الموضوعين تحت وصاية الكبار؛ دمىً تتحرك بإشارتهم مثلكم!!

ولن يكون في جنيف، ولا فيينا، ولا الآستانة!!

الحل الوحيد بين أيديكم:

-أسكتوا أسلحتكم التي نجح عدوكم في جعلكم توجهونها إلى صدوركم؛ في الداخل، بدلاً من توجيهها إلى الخارج لحماية حدودكم!!

-استعيدوا زمام المبادرة، وأمسكوا به؛ فأهل مكة أدرى بشعابها، وليست النائحة كالثكلى، والمتباكون لأجلكم ليسوا جمعيات خيرية، بقدر ما هم أصحاب مصالح!!

-اجلسوا إلى موائد التفاوض في الداخل.. وفروا لها مناخها الملائم!! ضعوا مصلحة بلدكم ومستقبل أبنائكم فوق كل اعتبار!!

-تذكروا أنكم تعيشون عصر المعرفة والاتصالات الذي جعل العالم قرية واحدة، تذوب فيها القوميات والإثنيات، لتحل محلها التكتلات الكبرى على أساس المواطنة، وليحل التعدد في الأفكار، وفي أنظمة الحكم ومراكز اتخاذ القرار، محل التفرد..

وليسود الحوار!!

– هل أنا أسبح بعكس التيار؟!

You may also like...

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *