عائد من أمريكا (2)

زرت عدة ولايات أمريكية؛ أتفقد فيها إخوتي وأولادي الذين هاجروا إلى أمريكا، وأبناءهم الذين حملوا جنسيتها بالولادة، حاملاً معي أرَقي على هويتهم: عروبتهم، عربيتهم، إسلامهم،ـ تاريخ أمتهم، انتمائهم..

وصلت أمريكا، قبل يوم واحد من تولي ترامب منصبه رئيساً للولايات المتحدة، فلم أواجه مشكلة في الدخول. لكن ما أذهلني بعد ذلك؛ حجم الاحتجاجات التي انطلقت ضد قراره بمنع مواطني ست دول إسلامية من السفر إلى الولايات المتحدة..

حشودٌ غفيرة على أبواب المطارات وفي الشوارع، تحمل لافتات وتهتف ضد القرار.. إعلام بمعظمه يقف ضده.. سياسيون، حتى من الحزب الجمهوري نفسه يعارضونه.. مواطنون يعلنون استعدادهم لتسجيل أنفسهم في عداد المسلمين إذا طبق القرار؛ تضامناً معهم؛ في طليعتهم عمدة نيويورك، ورائدة حقوق المرأة غلوريا ستاينم.. زيارات للمسلمين في بيوتهم؛ تطمئنهم إلى مؤازرتهم، في مواجهة أي اعتداء أو تمييز يواجهونه.. محامون يتطوعون للدفاع عن حقوقهم، وتذليل صعوبات دخولهم في المطارات والمنافذ الحدودية!!

هذا على صعيد الشعب والمجتمع.. أما القضاء فكان له دور آخر؛ فقد أوقف قاضيان فيديراليان العمل بالقرار، بحجة عدم قانونيته، ومخالفته للدستور، وقررت محكمة الاستئناف الفيديرالية بالإجماع رفض طلب الرئيس العمل بقراره بعد تعديله، وتحدت القاضية الشجاعة Ann Donnelly القرار، وأصدرت قراراً بإلغائه!!

ذكرني موقف القاضية الأمريكية بموقف قاضي سمرقند؛ الذي أحال إليه عمر بن عبد العزيز شكوى أهلها؛ من أن قتيبة بن مسلم الباهلي فتح مدينتهم من دون أن يدعوهم ويمهلهم ثلاثاً كعادة المسلمين، وحكم القاضي بإخراج المسلمين الفاتحين من سمرقند، فما غربت شمس اليوم الذي أصدر القاضي حكمه فيه، ورجل من المسلمين في أرضها. ولما رأى أهل سمرقند مالا يعرفون مثله في تاريخ البشرية؛ من عدالة تنفذها الدولة على جيشها، دخل أغلبهم في الإسلام، وقبلوا بحكمه!!

أدركتُ حينها أن المسألة مرتبطة بالدور الحضاري الذي تجتازه الأمم؛ فيعلو القانون فوق كل السلطات إبان ازدهاره، ويغيب إبان انحساره؛ يستوي في ذلك قاضي سمرقند في عصر عمر بن عبد العزيز، وقضاة أمريكا في عهد ترامب، مع الفرق الشاسع بين الخليفة والرئيس!!

***

وما يحدث الآن في أمريكا في عهد ترامب؛ يؤكد لنا أن سلطة الرئيس في أمريكا – على الرغم من نظامها الرئاسي- محدودة زماناً بأربع سنوات، قد تمدد أربعاً أخرى إذا أحسن عملاً، ومقيدة قراراً وصلاحياتٍ بحزمة من القيود؛ تمنعه من الفساد والاستبداد!!

فبالإضافة إلى السلطة التشريعية (الكونغرس) بمجلسيه للشيوخ والنواب، والسلطة القضائية التي تحرس العدالة والقوانين، ثمة مراكز أخرى للتأثير: مراكز البحث العلمي والمؤسسات التعليمية التي تمد الجميع بالمعلومات، ووسائل الإعلام الحرة التي تقف للرئيس بالمرصاد لتلتقط هفواته، وجماعات الضغط الكبرى (اللوبيات)، والمنظمات التي تطالب بحقوقها المهنية والاجتماعية، والشارع الحاضر دائماً للصراخ بأعلى صوته؛ معبراً عن احتجاجاته وتطلعاته.. وأحزاب المعارضة التي تمتلك رؤىً أخرى مختلفة عن رؤية الحزب الحاكم!!

وأخيراً فإن السياسة الأمريكية -داخلية كانت أم خارجية- لها استراتيجياتها الثابتة التي لا تتغير بتغير الرئيس!!

ولئن كان وصول ترامب إلى سدة الرئاسة خطأ من أخطاء الديمقراطية؛ فإن الديمقراطية تمتلك الوسائل الكفيلة بتصحيح أخطائها.. إنه التعدد الولود الذاخر بالبدائل والتصحيح المتواصل!!

محمد عدنان سالم

01/04/2017

 

You may also like...

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *