عائد من أمريكا (1)

عدتُ من رحلة لأمريكا، استغرقت أربعين يوماً، زرت خلالها كلاً من أطلنطا وشيكاغو وديبيوك، لمناقشة موضوع كتابي ( أبناؤنا في المهاجر ) الذي لم أكتبه ليأخذ مكانه على أرففِ المكتبات ، وإنما كتبته بحثاً ميدانياً عن مصير الجيل الثاني وما بعده من أبنائنا في المهاجر !! هل ما زالوا يذكرون أصولهم وثقافتهم، أم انصهروا في بوتقة المجتمع الجديد؛ الذي منحهم جنسيته بالولادة، وتولى إدماجهم فيه منذ الولادة، يفتح لهم ملفاتٍ في مشافي التوليد، التي تتابعهم إلى أن يترعرعوا، لتتولى المدرسة تعليمهم بلغتها الأمريكية، ووفقاً لمناهجها المتقدمة، التي لن يكون من بينها شيء عن تاريخ بلده، ولا عن سيرة رسوله، ولا عن شعائر دينه، ثم ليتولى المجتمع تلقينهم ثقافته وقيَمه وعاداته الاجتماعية وأعياده !!

هكذا ينشأ الطفل من أبناء المهاجرين المسلمين؛ اكتسب الجنسية الأمريكية بالولادة، فاقداً هويته، ولغته، وتاريخه، وانتماءه .. أنى لصلاة الجمعة التي يصطحبه أهله إليها طفلاً يمرح خلالها في المسجد، ثم تفتر همته عنها شابّاً، ولمدرسة الأحد التي يفرضها الأهل عليه عنوة، ليحفظ قصار السور بلكنته الأعجمية دون فهمٍ لها، وليتلقى معلومات تقليدية عن دينه؛ أنى أن ترمم له ما فاته من ثقافته الإسلامية، وتعده لأداء دور فاعلٍ يتبنى فيه الإسلام عقيدةً يتمسك بها، ورسالةً يبثها في المجتمع !!

استمتعتُ كثيراً بلقاءاتي مع الكبار من الجيل الأول المهاجر؛ وتدارسنا الكتاب والمقترحات التي تضمنها، وعزّ عليَّ غياب الشباب من الجيل الثاني والثالث عن هذه اللقاءات؛ الذين هم من أبحث عنهم وأتلهف للإصغاء إليهم ؟!!

كنت في كل مرة أزور مسجداً في أمريكا، أتساءل :كم شاباً من الأجيال المسلمة التي ترعرعت في المهاجر ؛ يؤمُّ المصلين لصلاة الفجر ؟! كم شاباً من هؤلاء يخطب فيهم لصلاة الجمعة ؟! لم أكن أبحث عن شاب محترف مجلببٍ معمّم، متخصص بالعلوم الشرعية، منتمٍ إلى المؤسسة الدينية، كما في مساجد البلدان الإسلامية  ..إنما كنت أبحث عن أئمة وخطباء من مختلف التخصصات؛ مزودين بثقافة إسلامية: تلاوة وحفظاً للقرآن الكريم، وتدبراً لمعانيه، وبفقه للحياة، ولسيرة الرسول، وتاريخ الإسلام .. وأبحث كذلك عن ناشطين في المنظمات والعمل الاجتماعي العام، والدعوة إلى الإسلام، فلا أَجِد غير الجيل الأول من المهاجرين، عدا ما ندر جداً من شباب وفتيات ولدوا في أمريكا وحملوا جنسيتها، واجتهدوا ذاتياً في التعرف على الإسلام من مصادره، وتذوقوا القرآن بلغته !!

أين الجيل الثاني والثالث من أبنائهم ؟!  لماذا غابوا عن المساجد، وعن العمل في المنظمات الإسلامية ؟! من المسؤول عن غيابهم ؟! هل كان ذلك عجزاً منهم وقد نهلوا من مؤسساتهم التعليمية أرقى أساليب التعبير ؟!

أم العجز في الجيل الأول الذي أهمل أبناءه وأحفاده، ولم يحسن تأهيلهم لإشراكهم في أنشطته، فهم الأقدر على إدارتها، بحكم انتمائهم لثقافتها !!

25/3/2017

محمد عدنان سالم

You may also like...

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *