عوامل نفسية واجتماعية مؤثرة في تعليم اللغة العربية للناطقين بغيرها

تميّز اللغة العربية بتنوع المواقف الاجتماعية التي تستدعي من المتحدّث مراعاة مستوى حال المتلقي، فأعلى هذه المستويات العربية الفصحى أو عربية التراث وهي لغة القرآن الكريم والحديث النبوي الشريف ، ولغة الشعر والخطابة في عصور الفصاحة، وهذا المستوى الرفيع من اللّغة يتطلب من المتعلّمين أن يكونوا قادرين على التأقلم مع أهل اللغة وبهذا المستوى، وهو مطمح يسعى إليه كل متعلّم من غير أهل اللغة حتى يستطيع أن يتعايش مع أهل اللغة لابدّ أن يصل إلى مرحلة الإتقان اللغوي.
ويتميز هذا المستوى باستعمال “العربية الفصحى”، والابتعاد قدْر الإمكان عن الكلمات والأساليب الدخيلة ، مع الالتزام بقواعد اللغة العربية، وعدم التساهل في شيء منها، على الرغم من ذلك فإنّ الناطق بالعربية يستطيع أن يفهم اللغة الفصحى سواء كانت منطوقة أو مكتوبة بهذا المستوى إلّا أنّه يجد صعوبة في ممارسة تلك اللّغة والتواصل مع المجتمع الذي يعيش فيه وخاصة أثناء استخدام العبارات أو الدلالات الاصطلاحية مع قدرته على فهم الرسالة فهما مجملا.
أما المستوى الثاني فيعرف “بالفصحى المعاصرة”؛ و هي لغة الكتابة والتأليف ويستعمل هذا المستوى في وسائل الاعلام و الاتصال الجماهيري، و هذا المستوى لا يختلف كثيراً عن سابقه إلّا في التسامح بقواعد اللغة العربية الفصحى و تتميّز بسهولة المفردات و التراكيب و كثرة استعمالاتها في الحياة اليومية وهذا ما قد يدرّس في المعاهد والكليات المتخصصة في هذا المجال.
والمستوى الثالث من هذه اللغة هو “اللّهجات المحلّية العامية أو الدّارجة” فهي عبارة عن لهجات جغرافية منتشرة في العالم العربي، وتتّسم بأن معظم مفرداتها تعود إلى أصول عربية فيها من التحريف وغيابٍ للعلامة الإعرابية للكلمات .
ونتيجة هذا التداخل في المستويات الثلاثة أدى إلى صعوبات في تعلّم اللغة العربية ضمن اطارها الاجتماعي، وشكّلت ظاهرة لغوية اجتماعية غير مرغوب بها، بل تعدّى الأمر إلى أبناء اللغة، فكيف يتعامل الدّارس لها من الناطقين بلغات أخرى، لكن قد تكون هذه الظاهرة عاملا ايجابيا في تعليم اللغة لغير أهلها .
ومن جانب آخر فإنّ الدافعية أو رغبة المتعلّم في العملية التعليمية تلعب دوراً فعالاً، بل هي معيار في نجاح المتعلم أو فشله في تعلم اللغة الثانية و السيطرة على مهاراتها الأربعة ( القراءة، الكتابة، الاستماع، المحادثة)، لأنها توجه النشاط الذي يقوم به المتعلّم و تحدده فاستعمال اللغة والتواصل بها مع الناس، غالبا ما يكون السبب الطبيعي والحافز الأول لتعلم اللغة، ومن المعروف أيضاً أنّ المتعلم عندما يتجه إلى مجتمع اللغة الثانية و ثقافته يزيد من رغبته في التواصل مع أهل تلك اللغة، والاندماج بهم وهذا يعود بالفائدة على المتعلّم مما يزيد من الدخل اللّغوي الذي يؤدي إلى زيادة في الكفاية اللغوية لدى المتعلّم والسيطرة على المهارات اللغوية، فقد أثبتت بعض الدراسات أنه كلما كانت دافعية المتعلّم نحو مجتمع اللغة الثانية قويّة كلما زادت في اثراء الحصيلة اللغوية عند المتعلّم، لأنّها تقود المتعلم إلى تقمّص الشخصية الناطقة باللغة، وعملية استعمال اللغة هي من أفضل الوسائل لتعلمها والمحافظة عليها، على الرغم من أن فرص استعمال اللغة تتفاوت بين المتعلمين حسب بيئاتهم، و ثقافاتهم، و طبيعة حياتهم.
ومن العوامل التي تؤثر في عملية التعلّم نوعية البيئة الاجتماعية التي تنتمي إليها اللغة الثانية، فإذا كان المتعلم يعيش في بيئة يسودها القلق وعدم الاستقرار فإن ذلك يسبب حاجزاً نفسياً واجتماعياً بينه و بين أهل اللغة، وعندما يبلغ ذلك الحاجز ذروته، سيشكل عائقا في مواصلة التعلّم، وهذه الحالة قد تحدث في داخل الحجرة الدراسية وفي البيئة العامة للمتعلّم، فهاتان البيئتان يتمّ فيهما عملية اكتساب اللغة و تعلّمها، ففي داخل الحجرة الدراسية يشعر المتعلم بالقلق إذا كان المعلم مسيطراً على جميع الأنشطة التعليمية، وفي بعض الأحيان قد يطلب المعلّم من المتعلم الأجنبي أن يتحدث أمام زملائه وهو لا يمتلك إلا القليل من اللغة، مما يؤدي إلى وقوع المتعلم بعدة أخطاء لغوية تكون مثارا للنقد والسخرية، وهذا بطبيعة الحال يؤدي إلى ارتباك لدى المتعلم وعدم السيطرة على الموقف .
وعندما يشعر المتعلم بالخوف والقلق في مجتمع اللغة يؤدي إلى التقليل من فرص استعمال اللغة وبخاصة في المجتمعات التي يصعب فيها الاتصال بأهل اللغة في المواقف العادية وبهذا لا يجد المتعلم الأجنبي فرصة للتعبير عن شعوره ، والإفصاح عمّا يجول في نفسه، مما يؤدّي إلى ضعف الكفاية اللغوية للمتعلّم، وبالتالي يجد نفسه غير قادر على التواصل مع الناس بهذه اللغة، وإذا تكررت هذه المواقف سواءً كانت في حجرة الدراسة أو في البيئة العامة ، فإنّه في هذه الحالة يتكون حاجز نفسي واجتماعي لدى المتعلم، على العكس تماما اذا شعر المتعلم بالأمن والاستقرار فإنه سيصبح محبًّا لأهل اللغة وسيستقبل دخلا لغويا مما يؤدي إلى كفاية لغوية فيصبح تعلّمه للغة أسرع و أفضل.

ما الإشكالات النفسية والاجتماعية التي يمكن أن يصادفها متعلّمو اللغة العربية الناطقون بغيرها ؟
إنّ تعليم أية لغة يؤدي إلى انتماء المتعلّم إلى مجتمعين مختلفين، وبهذا ينشأ عند المتعلم مجتمعان مختلفان من حيث اللغة والثقافة، فيصبح لدى المتعلم صراع إلى أي مجتمع ينتمي، هل للمجتمع الأول الذي ينتمي إليه أم إلى مجتمع اللغة الثانية ؟
لا توجد إجابة محددة لتحديد أبرز الإشكالات الاجتماعية التي يصادفها المتعلم أثناء تعلّمه للغة الثانية، فالمسألة تختلف من شخص إلى آخر، فهناك عدة عوامل تتداخل، وعدة فروقات فردية، فما يتحمّله فرد قد لا يتحمله فرد آخر، فلكل فردٍ أو متعلمٍ ظروف خاصة به، و لهذا يختلف الأفراد في احساسهم بالإشكالات، لكن تظهر بعض الإشكالات التي قد تؤثر في عملية التعليم من أبرزها ما يلي :
من أبرز الإشكالات التي قد تظهر على المتعلّم في مجتمع اللغة الثانية، إشكالية الشعور بالغربة وهذا يتّسم بالقلق المصحوب بالعزلة الاجتماعية والتي تؤثر سلبا على المتعلّم، ومن المؤكّد أنّ السبب في شعور المتعلم بالغربة عائدٌ إلى الصراع بين المجتمعين اللغويين.
ويزداد شعور المتعلم بالقلق أكثر عندما يتعلم القليل من اللغة الثانية، و لا يستطيع التواصل مع أهل اللغة الثانية في المناسبات الاجتماعية، و كلّما أحسّ بضعفه اللغوي كلما زاد الشعور بخيبة الأمل، وهذا الشعور سيعيق عملية التواصل مع الناس من حوله، ممّا يزيد من عزلته الاجتماعية وضعفه اللغوي سيكون عائقا في عملية التواصل والتكيّف مع الناس من حوله، وبالتالي سينجم للمتعلم عدة مشكلات منها العزلة الاجتماعية والضعف اللغوي و الشعور بعدم النجاح في اتقان اللغة الثانية.
ومن الاشكالات التي قد يعاني منها اشكالية التواصل مع مجتمع اللغة، فإذا كان الفرد لا يتقن اللغة الثانية جيداً فإنه سيتعرّض لمشكلة الاتصال اللغوي والتّفاهم مع الناس من حوله، وتتفاوت هذه المشكلة في أقصى درجاتها عندما يجهل المتعلم اللغة الثانية، ففي هذه الحالة يتعذر على المتعلّم عملية التواصل مع جيرانه في السكن وزملائه في العمل مما يجعله في عزلة اجتماعية .
فلهذا نجد كثيرا من المتعلمين يختارون التجمع معاّ في منطقة معينة للتغلّب على مشكلة الاتصال اللغوي، و خاصةً اذا كانوا لا يعلمون شيئا من لغة المجتمع الذي يعيشون فيه، فكلما زاد اتقان المتعلم للغة الثانية قلّت حاجته إلى التجمع مع أفراد أقليّته، لأنه أصبح قادراً على عملية التواصل مع أصحاب المجتمع الذي يتحدّث باللغة الثانية.
وأيضاً من هذه الاشكالات كذلك اشكالية الصراع الثقافي وهذه من أشد الاشكالات التي يعاني منها المتعلّمون، لأنّ المتعلّم يتعرض لثقافة جديدة لا يعرف عنها أية شيءٍ وهذه الثقافة بطبيعة الحال تحمل لغة جديدة أو بيئة جديدة، وكما يقول تمام حسان: ( اللغة وعاء الثقافة ،فهي تحمل معتقدات أهل اللغة وعاداتهم وتقاليدهم ومأكلهم ومشربهم وملبسهم ).
ومن هذه الاشكالات أيضا اشكالية التّعرف على طبيعة الحضارة للمجتمع العربي، فلابد للمتعلّم أن يتعرف على حضارة المجتمع الذي يريد أن يتعلم لغته تعرفا بشكل كافٍ لكي ينسجم مع أعضاء هذا المجتمع فلا ينعزل عنهم وهذه هي الطريقة الفضلى لتعلّم اللغة الثانية وهي عملية اندماج المتعلّم مع أهل اللغة ، وكذلك مشكلة الاستهزاء باللغة الثانية و النظرة الدونية لها ، ونظرة ابن اللغة لمتعلم اللغة الثانية .

مصطفى بن حمد بن سعود أمبوسعيدي
كلية السلطان قابوس لتعليم اللغة العربية للناطقين بغيرها
mhs1979am@hotmail.com

جريدة ” الوطن” العمانية

You may also like...

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *