إصلاح مجلس الأمن .. كيف ومتى؟ الدول دائمة العضوية في مجلس الأمن هي أكبر مصدري السلاح في العالم

مقدمة:هل تقبل الدول الخمس الدائمة العضوية في مجلس الأمن ضمان أمن وسلام هذا العالم وهي أكبر الدول المستفيدة من تجارة السلاح العالمية؟ أنّ نصيب الدول الدائمة العضوية في مجلس الأمن الدولي من حجم تجارة تصدير السلاح العالمي في عام 2010 بلغ 70 في المئة.. فكيف لدول تبيع الموت والحروب أن تكون مسؤولة عن ضمان الأمن والسلم في العالم؟

لا يختلف اثنان على ضرورة إصلاح مجلس الأمن، إصلاحاً حقيقياً لن يتحقق إلا إذا طالت أبعاداً خمسة، تمثل بمجموعها الركيزة الأساسية والحقيقية الأمم المتحدة ككل ومجلس الأمن بشكل خاص، إصلاحات موضوعية وتغيرات جوهرية وأساسية في عمل مجلس الأمن نفسه، وبما يشمل مراجعة شاملة لاختصاصاته وامتيازاته وعلاقته مع الجمعية العامة، على نحو يتناسب مع الميثاق وطبيعة المرحلة وروح العصر ومعاييره الجديدة. إن مفهوم الأمن الجماعي يجري تقويضه بمنهجية، وانعدمت الثقة بين مجلس الأمن وشعوب الدول الأعضاء في الأمم المتحدة، لعدم التزام الدول الدائمة العضوية بمبادئ وسلوكيات تضمن حصول كل الدول الضعيفة والمستهدفة على الحماية التي يفترضها لها الميثاق. ولابد من تأمين كفالة المجلس والتزامه بألا تطغى مصالح الدول الكبرى الوطنية على مصالح وأمن وسلامة المجتمع الدولي ومبادئ العدالة وأحكام الميثاق، وأن ينبذ نهج الانتقائية والازدواجية حيال الأزمات الدولية، وأن يصدر قراراته استناداً إلى الحس العام وآراء الأغلبية المتبلورة في الجمعية العامة. كما لابد من كفالة عدم خروج أي من الدول الكبرى عن إرادة المجلس والتصرف بعكس إرادته وخارج نطاقه، إلا إذا استطاعت الدول المعنية صاحبة ذلك التصرف أن تنقل الموضوع إلى الجمعية العامة وتحظى بتأييد غالبية أعضائها، كجهاز يمثل إرادة المجتمع الدولي. ولا بد من إصلاح عملية اتخاذ القرار، فإن كون قرارات مجلس الأمن هي قرارات ملزمة رغم صدورها عن إرادة خمس دول ضمن ما يقرب من مئتي دولة، فلابد والحالة هذه من أن يكون هناك تأكيد في الميثاق، من خلال مادة ما، على إيجاد آلية لمراقبة قانونية القرارات التي يتخذها المجلس من حيث الشكل والمضمون، وذلك للتأكد من اتفاقها مع مبادئ الميثاق ومع اختصاصات المجلس نفسه، وكذلك للتأكد من أنها متوافقة مع إرادة ورغبة ورؤية الجمعية العامة، خاصة تلك القرارات المتعلقة باستخدام العقوبات أو القوة المسلحة. ومن ناحية أخرى، فكما توجد آلية لتنفيذ قرارات المجلس الصادرة في إطار الفصل السابع، فإن الأجدى أن تكون هناك آلية لتنفيذ قرارات المجلس الأخرى، من واقع أن جميع قرارات المجلس ملزمة للأعضاء وعلى قدم المساواة، وان هناك التزاما وتعهدا قدمته كل دولة عضو لدى انضمامها إلى الأمم المتحدة، استناداً إلى المادة 25 من الميثاق، بقبول تنفيذ جميع قرارات المجلس على إطلاقها دون تمييز، سواء أكانت صادرة استنادا للفصل السابع أو لغيره. فلا يحق أن تكون هناك آلية لتنفيذ قرارات كتلك الصادرة في إطار الفصل السابع وغياب مثل تلك الآلية لتنفيذ بقية القرارات. ونستذكر هنا أن معظم قرارات المجلس الخاصة بالحقوق العربية والفلسطينية جاءت في إطار فصول أخرى غير السابع، ولا بد أن يطال الإصلاح ما يعرف بحق النقض ( الفيتو ) الذي أدى إلى تكريس هيمنة الدول دائمة العضوية. وهذا الحق كما نعرف جاء استجابة لظروف وحقائق جغرافية وسياسية وعسكرية كانت سائدة بمعظمها إبان وفي أعقاب الحرب العالمية الثانية. وما زال النظام الداخلي المعمول به في مجلس الأمن مؤقتاً منذ العام 1946، ولم يوضع نظام داخلي دائم أو نهائي إلى الآن. فالدول الدائمة العضوية تكيف قواعد هذا النظام المؤقت على القياسات التي تعجبها، كلما رأت مصلحة لها في ذلك. وهذا النظام يشتمل على مواد تتنافى مع مبادئ الشفافية والديمقراطية في أساليب العمل، ولا تحقق مصالح الدول الأعضاء.
مهمات مجلس الأمن:
تأسست منظمة الأمم المتحدة في أجواء خيمت عليها نتائج الحرب العالمية الثانية، وانصبت أهدافها على منع نشوب حرب عالمية ثالثة وتحقيق السلم والأمن الدوليين من خلال إقامة نظام للأمن الجماعي، وقد عُهد إلى مجلس الأمن تلك المهام الحساسة فصارت له دراية سياسية ومهنية على مدى أكثر من نصف قرن تمكن من خلالها التعامل مع الكثير من القضايا، وعلى ھذا الأساس، فإن عملية إصلاح مجلس الأمن تنصب في هدف تعزيز السلم والأمن الدوليين ، خاصة وهو الجهاز التنفيذي الرئيسي لمنظمة الأمم المتحدة المفوّض بالعمل نيابة عن أعضائها وفق المادة 24 / أ من الميثاق تحقيقاً للسرعة والفعالية. وصارت مسألة إصلاح منظمة الأمم المتحدة هدفاً رئيسياً للجمعية العامة وخاصة منذ أن أصدرت قرارها في عام 1974 والقاضي بإعادة النظر بالميثاق والبحث في السبل المؤدية إلى تعزيز دور المنظمة وجعلها أكثر فاعلية، وإنشائها لجنة خاصة أسمتها اللجنة الخاصة المعنية بميثاق الأمم المتحدة وبتعزيز دور المنظمة. كما تكررت الدعوة لإصلاح الأمم المتحدة من قبل أمنائها العامين عندما ضمنوا ذلك في تقاريرهم السنوية، التي أوصت بضرورة إقامة نظام دولي جديد يستند إلى إصلاح الأمم المتحدة التي تعتبر المنظمة الدولية الأوسع تمثيلاً ونشاطاً في النظام العالمي، وإن ذلك الإصلاح لابد وأن يطال مجلس الأمن .
يتألف مجلس الأمن من ( 15 ) عضواً” ، ( 5) منهم دائمين ، وهم: الولايات المتحدة الأميركية وروسيا والصين وفرنسا وبريطانيا، و(10)  تنتخبهم الجمعية العامة للأمم المتحدة ، لمدة سنتين ، ليكونوا أعضاء غير دائمين على أساس مراعاة مساهمتهم في حفظ السلم والأمن الدوليين وفي أهداف الأمم المتحدة الأخرى ومبدأ التوزيع الجغرافي العادل، ولكل دولة عضو في مجلس الأمن ، مندوب واحد أو ممثل معتمد ترسل وثائق تفويضه إلى الأمين العام للأمم المتحدة، ويتناوب على رئاسته، كل منهم لمدة شهر تقويمي واحد ، وفق الترتيب الهجائي الإنجليزي لأسماء الدول الأعضاء فيه، ويمكن أن تدعى كل دولة عضو في الأمم المتحدة ليست عضواً” في المجلس بقرار من المجلس إلى الاشتراك في جلسة أو أكثر من جلساتها، دون تصويت، في مناقشة أية مسألة، متى ما رأى المجلس أنها تؤثر في مصالح تلك الدولة ، أو متى ما نبهت إحدى الدول الأعضاء مجلس الأمن إلى مسألة ما وفقاً للمادة ( 35 ) من الميثاق، أو إذا كانت طرفاً” في النزاع المعروض على مجلس الأمن.
إن كافة مشاريع إصلاح مجلس الأمن التي تم التوصل إليها ضمن أطار الموافقة على تقرير الأمين العام للأمم المتحدة في الجمعية العمة تبقى مرهونة بالعامل السياسي للدول المهيمنة على عمليات صنع القرار في المجلس نفسه لذلك فأن الإصلاحات الإدارية يمكن أن تجد طريقها إلى التنفيذ، على عكس الإصلاحات السياسية التي تواجه الكثير من العقبات التي ترتبط بمصالح وأهداف الدول دائمة العضوية في المجلس خاصة وإنها تتمتع بامتيازات كبيرة في استمرار النظام الحالي للمنظمة عموماً وللمجلس خصوصاً. لذلك نتساءل عن مدى إمكانية الجمعية العامة في إحداث إصلاح حقيقي لمجلس الأمن وفقاً لأحكام ميثاق الأمم المتحدة؟ وعن مدى إمكانيتها في تفادي تأثير الدول دائمة العضوية وخاصة تلك المناهضة لعمليات الإصلاح السياسي لمجلس الأمن؟
لقد خول الميثاق في المادة ( 29 ) مجلس الأمن إنشاء ما يراه ضرورياً من اللجان الثانوية لأداء عمله. كما نصت المادة ( 28 ) من النظام الداخلي المؤقت للمجلس على أن يعين المجلس هيئة أو لجنة أو مقررا” لكل مسألة محددة . وحالياً لمجلس الأمن لجنتان دائمتان تضم كل واحدة منها ممثلين عن جميع الأعضاء في المجلس هما: لجنة الخبراء المعنية بالنظام الداخلي، ولجنة قبول الأعضاء الجدد ، كما أن للمجلس لجان متخصصة ينشئها حسب الحاجة وتضم جميع أعضاء المجلس وتجتمع في جلسات مغلقة وهي: اللجنة المعنية باجتماعات المجلس خارج المقر ، ومجلس إدارة لجنة الأمم المتحدة للتعويضات المنشأة بموجب قرار مجلس الأمن رقم 692 لعام 1991 ، و لجنة مجلس الأمن المنشأة عملاً بالقرار رقم 1373 لعام 2001 بشأن مكافحة الإرهاب. وللمجلس لجان معنية بالجزاءات ومن أھمها : لجنة مجلس الأمن المنشأة بموجب القرار 751/1992 بشأن الصومال واللجنة المؤلفة بموجب القرار 918/ 1994 بشأن رواندا ، واللجنة المشكلة بموجب القرار 1132/1997 بشأن سيراليون واللجنة المشكلة بموجب القرار 1533/2004 بشأن الكونغو الديمقراطية واللجنة المشكلة بموجب القرار 1572/2004 بشأن ساحل العاج، واللجنة المشكلة بموجب القرار 1591 /2005 بشان السودان.
وأنشأ المجلس لجنتي UNSCOM و UNMOVIC بموجب القرارين 687/1991 و 1284/ 1999 بشأن أسلحة العراق للدمار الشامل. كما أنشأ المجلس محاكم خاصة لمحاكمة الأشخاص المسئولين عن ارتكاب جرائم تنتهك القوانين الدولية كما حدث في يوغسلافيا ( القرار 808 /1993 ) و رواندا ( القرار 955/1994) ، ناهيك عن عدد من اللجان الأخرى التي حلت بعد انتفاء الحاجة إليها ( على سبيل المثال لجنة مجلس الأمن بشأن الحالة بين العراق والكويت (والتي شكلت بموجب القرار 661 /1990 و ألغيت بموجب القرار 1483 / 2003).
لقد عهد إلى مجلس الأمن مهمة أساسية واحدة هي حفظ الأمن والسلم العالميين نيابة عن أعضاء المنظمة الدولية بموجب صلاحيات منحت له وفق الفصول سادساًَ وسابعاً وثامناً وثاني عشر من ميثاق الأمم المتحدة. فعندما ترفع شكوى للمجلس تتعلق بالسلم والأمن العالميين يقوم المجلس بتقديم توصيات للأطراف المتنازعة بهدف التوصل إلى اتفاق بالطرق الدبلوماسية وفقاً لأحكام الفصل السادس ( المواد 33،34،35،36،37،38 ) المسؤولة عن آلية التعامل مع النزاعات بالطرق السلمية، وعندما يتطور النزاع إلى حرب، يحاول المجلس تحجيم تلك الحرب وإنهائها بأسرع وقت من خلال قوات حفظ السلام وتهيئة الأجواء لاستئناف الحوار، وقد يتخذ المجلس إجراءات اقتصادية أو عسكرية وفق مواد الفصل السابع ( 39-51) ، والجدير بالذكر أن قرارات المجلس ملزمة وفق المادة 25 من الميثاق.
أما بشأن قواعد التصويت على القرارات في مجلس الأمن فلكل دولة من الدول الأعضاء، وفق المادة 27، صوت و احد، وتصدر القرارات في القضايا الإجرائية بموافقة تسعة أعضاء ، أما في المسائل الأخرى موافقة الدول دائمة العضوية ( أي عدم استخدام حق النقض أو الفيتو))
لقد واجهت مجلس الأمن عدة مشكلات معظمها ذات طابع سياسي ينبع في الأساس من الصراع الذي خيم على الساحة الدولية بين المعسكر الاشتراكي بقيادة الاتحاد السوفييتي السابق والدول الغربية تحت لواء الولايات المتحدة الأميركية. وعلى العموم يمكن أجمال هذه المشكلات إلى: العضوية و التمثيل وحق النقض ( الفيتو) وفشل الأمن الجماعي وعدم شفافية الاجتماعات.
أ. العضوية: انضمت المادة الرابعة من الميثاق والفصل العاشر من النظام الداخلي لمجلس الأمن قضية الانضمام للأمم المتحدة حيث تقوم الدولة الراغبة في الانضمام إلى عضوية منظمة الأمم المتحدة بتقديم طلب إلى الأمين العام وفق المادة 58، ويتضمن الطلب تصريحاً من الدولة مثبت فيه وثيقة رسمية تفيد بأن الدولة تقبل بجميع الالتزامات الواردة في الميثاق ، ومن ثم يقوم الأمين العام بعرض ذلك الطلب على الممثلين في المجلس وفق المادة 59 و بعدها يقرر المجلس بقبول الطلب أو رفضه حسب المادة 60 . وقد أدت هذه المشكلة إلى حرمان العديد من الدول من دخول المنظمة الدولية في الفترة 1946-1955.
ب. مشكلة التمثيل: ويمكن سوق قضية الصين كمثال لهذه المشكلة. فبعد انتصار ماو تسي تونغ على قوات شان كاي شيك في العام 1949 و قيام الصين الشعبية لم توافق الأمم المتحدة على قيام الحكومة الصينية الجديدة بتمثيل الصين فيها بسبب الموقف الغربي، واستمر الحال حتى العام 1971 عندما أقصى قرار الجمعية العامة 2758/26 تايوان وأعاد الحقوق إلى الصين الشعبية وفي جميع هيئات الأمم المتحدة ومنها مجلس الأمن.
ج. حق النقض ( الفيتو): تقوم فلسفة حق النقض على مبدأ مفاده هو أن من الأفضل عرقلة عمل المجلس على أن تتفق أغلبية الدول الأعضاء على اتخاذ أجراء أو قرار لا توافق عليه الدول الكبرى لأن الدول المعارضة قد تلجأ إلى إجراءات مضادة قد تورط الأمم المتحدة في مشاكل هي في غنى عنها. أي بتعبير أخر أن قرار النقض هو حافز للجميع لتنفيذ المسئولية الملقاة على مجلس الأمن في حفظ الأمن و السلم الدوليين وليس امتيازاً للدول الخمس التي تملك هذا الحق.
د. فشل نظام الأمن الجماعي: إن نظام الأمن الجماعي هو نظام تشارك فيه كافة الدول الأعضاء في المنظمة الدولية، حيث يعتبر أي عدوان على إحداها بمثابة عدوان عليها جميعاً ويجب صده بمعايير محددة. وقام نظام الأمن الجماعي على الفرضيات هي: أولاً أن يكون هذا النظام قادراً في كل وقت على حشد قوة كبيرة لاستخدامها ضد أي معتد متوقع أو حلف من المعتدين وثانيا على جميع الدول التي تقوم قواتها المشتركة بتنفيذ ما جاء في أولا أن تحمل المفاهيم الأمنية نفسها .وأخيرا يجب أن يكون لتلك الدول رغبة في إخضاع ما قد يحصل بينها من تناقضات سياسية متضاربة مع الخير العام على صعيد الدفاع الجماعي لجميع الدول الأعضاء .إلا أن النظام فشل بسبب افتقاده إلى الفعالية بسبب الحاجة إإلى أجماع الدول دائمة العضوية في مجلس الأمن، لذلك يطبقونه إن اتفقوا ولا يسري على أي منها، أو على حلفائهم .
ه. عدم شفافية الاجتماعات : نصت المادة ( 48 ) من النظام الداخلي لمجلس الأمن على أن تكون اجتماعاته علنية، وبعض الحالات تنظر في جلسات مغلقة ( تعيين الأمين العام، مناقشة التقرير السنوي للأمين العام ) .وتعد ممارسة المجلس في أن يعقد اجتماعات غير رسمية قبل اجتماعاته الرسمية مسألة متناقضة مع أحكام نظامه الداخلي، فضلاً عن كونها مؤثرة في مسار عملية اتخاذ القرارات فيه.
لقد عانى مجلس الأمن من مشاكل أثرت في درجة ومستوى أدائه وكفاءته، وكان السبب الرئيسي في تلك المشكلات هو اختلال التوازن فيما بين الدول الكبرى الخمس الدائمة العضوية والدول الأخرى غير الدائمة العضوية في المجلس واختلاف مصالحها وأهدافها وقد انعكس ذلك سلباً على أداء الأمم المتحدة بشكل عام.
موجبات إصلاح مجلس الأمن:
إن مرور أكثر من نصف قرن على إنشاء منظمة الأمم المتحدة واستمرارها طوال هذه الفترة رغم ما عصف بالعالم من تغيرات، يعد لوحده نجاحاً يحسب للمنظمة، ويجسد حقيقة تملكها قدراً من المرونة للمواجهة المتغيرات التي طرأت وما زالت تطرأ على النظم الدولية بشكل مستمر. ومنذ إنشاء منظمة الأمم المتحدة، ساد اعتقاد بأن ميثاقها قد جاء بنظام محكم للأمن الجماعي، سدت من خلاله كل الثغرات التي كانت تعيب نظام الأمن في عصبة الأمم، ونتيجة لنهوض الأمم المتحدة بأعباء الحفاظ على السلم والأمن الدوليين، تمتع مجلس الأمن بأهمية متميزة نتيجة لاضطلاعه بهذا الدور، وبناءً عليه ورغبةً في تمكين هذا الأخير من أداء المهام المسندة له خوله الميثاق سلطات عديدة . وقد يبدو للوهلة الأولى أن ما فرض بموجب الميثاق (أي النصوص المنظمة لأعمال مجلس الأمن ) هو تنظيم محكم إلا أن التجربة أثبتت و جود العديد من الثغرات التي يجب تداركها على وجه السرعة. و أهم هذه الثغرات :

أولا : البنية الداخلية للأمم المتحدة: تنبه واضعو ميثاق المنظمة الدولية وبعد أكثر من نصف قرن على عملها تنبهوا إلى ضرورة أخذ التطورات العديدة التي طرأت على العالم بنظر الاعتبار فقاموا بصياغة الفصل الثامن عشر ( المادة 108 نصت على أن التعديلات على هذا الميثاق تسري على جميع أعضاء الأمم المتحدة إذا صدرت بموافقة ثلثي أعضاء الجمعية العامة وصدق عليها ثلثا أعضاء “الأمم المتحدة” ومن بينهم جميع أعضاء مجلس الأمن الدائمين، وفقاً للأوضاع الدستورية في كل دولة” . كما نصت المادة ( 109 ) من الميثاق نصت على أنه أولا يجوز عقد مؤتمر عام من أعضاء الأمم المتحدة لإعادة النظر في هذا الميثاق في الزمان والمكان الذين تحددهما الجمعية العامة بأغلبية ثلثي أعضائها وبموافقة تسعة من أعضاء مجلس الأمن، ويكون لكل عضو في “الأمم المتحدة” صوت واحد في المؤتمر. ثانيا: كل تغيير في هذا الميثاق أوصى به المؤتمر بأغلبية الثلثين يصبح ساريا إذا صدق عليه ثلثا أعضاء الأمم المتحدة ومن بينهم الأعضاء الدائمون في مجلس الأمن وفقا لأوضاعهم الدستورية. ثالثا: إذا لم يعقد المؤتمر قبل الدورة العادية العاشرة للجمعية العامة، بعد العمل بهذا الميثاق، وجب أن يدرج بجدول أعمال تلك الدورة العاشرة اقتراح بالدعوة إلى عقده، وهذا المؤتمر يعقد إذا قررت ذلك بأغلبية أعضاء الجمعية العامة و سبعة من أعضاء مجلس الأمن) . لقد شهد العالم بعد الحرب العالمية الثانية تطورات واسعة لم يتمكن مجلس الأمن ولا الأمم المتحدة من استيعابها، فبريطانيا وفرنسا لم تعودا كما كانتا في السابق دولتين عظميين لهما ما لهما من القوة والنفوذ، وفاقتهما عسكرياً أو اقتصادياً دول أخرى، على سبيل المثال ألمانيا واليابان.
ثانياً:إعادة النظر بالهيكل التنظيمي للأمم المتحدة: لقد أظهرت التجربة انتفاء الحاجة إلى بعض الأجهزة الرئيسية لعدة أسباب منها انتهاء الدور أو الوظيفة لتلك الأجهزة مثل مجلس الوصاية بعد استقلال المناطق المشمولة بالوصاية ،وعلى أساس ذلك فإن نصوص الفصل الحادي عشر من الميثاق ( التصريح الخاص بالأقاليم غير المتمتعة بالحكم الذاتي ) ، والفصل الثاني عشر من الميثاق ( نظام الوصاية الدولية)، والفصل الثالث عشر من الميثاق ( مجلس الوصاية ) ، لم يعد لها سوى أهمية تاريخية بعد حصول الأقاليم المشمولة بالوصاية على استقلالها، حيث كان أخرھا ( بالاو ) الذي منح استقلاله بتاريخ : 1 / الأول من أكتوبر / / 1994 ، ومن ثم علق مجلس الوصاية أعماله في نوفمبر 1994 . و منها أيضاً معالجة مشكلة تضخم الهيكل التنظيمي للأمم المتحدة الناجم عن إنشاء العديد من الأجهزة الفرعية ، وتضخم الجهاز الإداري للأمانة العامة، وتعدد الاختصاصات وتضاربها بين فروع الهيكل التنظيمي للأمم المتحدة .أو بسبب كون بقية الأجهزة هي تابعة بشكل أو بأخر للجهازين الرئيسيين: الجمعية العامة ومجلس الأمن (عدا محكمة العدل الدولية باعتبارها جهاز قضائي له وضع خاص ومستقل). كما وظهرت الحاجة إلى نظام تمويل لأنشطة الأمم المتحدة حيث أن ميزانيتها تصاعدت من 1.5 مليار سنوياً إلى 20 مليار عام 2006 . وقد عانت الأمم المتحدة من أزمة مالية منذ ستينيات القرن الماضي لأسباب عديدة أهمها رفض التحاد السوفيتي السابق وفرنسا المساهمة في تمويل أنشطة القوات الدولية في المناطق المتوترة من العالم و تأخر الولايات المتحدة في تسديد اشتراكها السنوي البالغ 2.4 مليار سنوياً ناهيك عن تأخر عدد كبير من دول العالم في تسديد اشتراكاتها السنوية.
ثالثاً: العلاقة مع المنظمات الإقليمية والدولية: إذ فشلت الأمم المتحدة في استغلال قدرات تلك المنظمات في حين اشترط مجلس الأمن الحصول على موافقته المسبقة لقيام أي من تلك المنظمات الإقليمية في عمليات تنفيذ ميثاق الأمم المتحدة. ولم تكن العلاقة مع الوكالات الدولية المتخصصة طبيعية دائماً وشابها في أكثر من مناسبة الفوضى وعدم التنسيق.
رابعا: ضغوط الدول الأعضاء في الأمم المتحدة: التي تطالب بإصلاح المجلس خاصة العضوية وحق النقض، خاصة وأن بعض الدول طالبت علانية بمقعد دائم لها في المجلس ومنها اليابان وألمانيا والبرازيل ومصر وجنوب إفريقيا والهند وغيرها.
خامساً : إعادة التوازن بين الجمعية العامة ومجلس الأمن خاصة وأن الأمر الطبيعي أن يكون الثاني مسؤولاً أمام الأولى كما ينصّ على ذلك الميثاق، لأنه مفوض من قبلها في الحفاظ على الأمن والسلم الدوليين .
سادسا : شفافية الاجتماعات: خاصة وأن مداولات المجلس للعقود الثلاثة الأخيرة غلبت عليها الحوارات الجانبية والتوافقات بين الدول الأعضاء، خاصة الدائمين.
سابعا القضاء على فكرة أن الإصلاح لا يأتي الأمن الداخل خاصة وأن المجلس لا يمثل بشكل عادل دول العالم ولا يتمتع بصفة العالمية كما هو الحال مع الجمعية العمة.
ثامنا: عدد الدول الأعضاء في المجلس يعتقد البعض أن العدد ( بنوعيه الدائم وغير الدائم) فقد كانت نسبة أعضاء مجلس الأمن إلى الدول الأعضاء في الأمم المتحدة في العام 1945 هي واحد إلى سبعة ( كان عدد أعضاء المجلس11 مقابل 46 دولة في الأمم المتحدة وفي العام 2007 لدينا 15 في المجلس مقابل 193 أي واحد إلى ثمانية عشر.
المواقف من إصلاح مجلس الأمن
إن مسألة إصلاح الأمم المتحدة وتوسيع مجلس الأمن الدولي مطروحة منذ نحو12 سنة، كما أن هناك شبه إجماع على أن المجلس بتشكيلته الحالية التي تعتبر إفرازاً لنتائج الحرب العالمية الثانية، لم يعد يعكس أولا حجم الدول الأعضاء داخل الأمم المتحدة وثانياً أن هناك متغيرات دولية وإقليمية تفرض إعادة النظر في تمثيل الدول داخل مجلس الأمن. غير أن الإشكالية تتمثل في كون تشابك المصالح الدولية من جهة واختلاف وجهات النظر بين هذه الدول من جهة ثانية يعقدان مسألة الإصلاح والتوسيع.
وضعت الولايات المتحدة عدة معايير لقبول أعضاء جدد في مجلس الأمن منها النفوذ السياسي و القوة الاقتصادية وجهود حفظ السلم والأمن الدوليين والمساهمة في ميزانية الأمم المتحدة و أنشطتها. إلا أن الولايات المتحدة تعارض الإصلاح متعللة بضرورة توفر إجماعاً دولياً عريضاً وإن دول العالم منقسمة بين مؤيد ومعارض للإصلاح على حد قول شيرين طاهر خليلي المستشارة في وزارة الخارجية الأميركية. فالولايات المتحدة تعارض بقوة كل ما يتعارض مع هيمنتها على الأمم المتحدة خاصة قضية النقض. وتعارض بريطانيا وفرنسا توسيع مجلس الأمن بسبب القلق من المشاريع المطروحة على عضويتهما الدائمة مثلا مشروع التناوب الإقليمي الذي يقضي بأن يكون مقعدي أوروبا تتناوب علية دول الاتحاد الأوروبي وأن تتناوب الولايات المتحدة مقعدها مع كندا. وتعارض روسيا توسيع المجلس لأنه، كما تدعي، يضر بفاعلية المجلس. يقول أندريه لينيسوف ممثل روسيا الدائم في الأمم المتحدة أن القرارات المتعلقة بالجوانب الجوهرية لإصلاح الأمم المتحدة لابد أن تستند إلى وفاق عريض بين الدول الأعضاء، وإن فرض الإصلاح دون الحصول على الوفاق سيؤدي إلى تصدع الأمم المتحدة. و ترى الصين أن الإصلاح يجب أن يؤدي إلى دعم التعددية وتعزيز مصداقية الأمم المتحدة وقدرتها على مواجهة التحديات، كما أن الإصلاح يجب أن يسهم في صيانة مبادىء الأمم المتحدة ويلبي مطالب الدول الأعضاء وأن يكون شاملا و متعدداً و تدريجياً . إلا إن الصين ترى في توسيع المجلس خطوة خطرة، كما قال وانج جانجيا سفيرها في الأمم المتحدة لأنه سيقسم المجلس ويقضي على وحدته ويخرج مسار الإصلاح عن جادته. أن الأمر يحتاج إلى حوار طويل للوصول إلى حل وسط ، و إلا فان الأمم المتحدة ستفقد هيبتها وسلطتها. وتسعى اليابان بسبب نفوذها الاقتصادي إلى الحصول على مقعد دائم، كما أعلن ذلك كينزو أوشيما سفيرها في المنظمة الدولية و الذي أكد على أن العضوية الدائمة يجب أن تكون مسؤولية واجب لا امتياز وقال إن بلاده تحب السلام و تسعى إلى تحقيقه وهي تلتزم بميثاق الأمم المتحدة وهي تؤدي دوراً مهماً في واجبات المنظمة الدولية الهادفة إلى نشر السلم والأمن الدوليين . واقترحت اليابان توسيع المجلس بمراعاة التوزيع الجغرافي. والموقف الألماني لا يختلف عن نظيره الياباني، خاصة و أن ألمانيا هي القوة الاقتصادية الأوروبية الأولى وهي تشارك بشكل مكثف في أنشطة الأمم المتحدة الساعية إلى صيانة السلم والأمن الدوليين وعن ذلك صرح المستشار الألماني السابق شرويدر أن مجلس الأمن بحاجة إلى أعضاء جدد يتمتعون بالاستقرار الاقتصادي والمساهمة في تعزيز السلام والأمن العالميين. واقترحت ألمانيا زيادة تسع أعضاء جدد إلى مجلس الأمن أربعة منهم دائمين.
وفي خطابة الشامل حول إصلاح الأمم المتحدة أمام الجمعية العامة في دورتها التاسعة
والخمسين في 23 سبتمبر 2004 قال وزير الخارجية الألمانية فيشر ” فلو أردنا عن حق أن يتم الاعتراف بشرعية قرارات مجلس الأمن وأن تنفذ بفعالية، علينا أن نصلحه.. إن مجلساً به أعضاء أكثر سوف يتمتع بقبول أكبر دولياً كأساس لسلطة أوسع… وفي النهاية فإن تكوين المجلس يجب أن تعكس الواقع الجيو سياسي الراهن .إن ألمانيا لمستعدة، مثلها مثل البرازيل والهند واليابان، لأن تتحمل المسئولية المرتبطة بمقعد دائم في مجلس الأمن . ولا يختلف الموقف الهندي كثيرا فهي دعت إلى أعادة التوازن بين المجلس وعدد أعضاء الأمم المتحدة واقترحت زيادة عدد أعضاء الدول الدائمين في المجلس و ضم دول جديدة استناداً إلى التوزيع الجغرافي ومساهمة الدول في الأنشطة الدولية وثقلها السكاني والاقتصادي. وتطالب البرازيل بمقعد دائم للدول النامية وهي ترى أن يصبح عدد الدول في مجلس الأمن 23-24 دولة .
مشاريع الإصلاح:
هناك حالياً خمسة مشاريع اقتراحات ملموسة لإصلاح مجلس الأمن: اثنان صدرا عن مجموعة خبراء، بتوصية من الأمين العام للأمم المتحدة، وثلاثة صدرت عن مجموعة دول داخل الأمم المتحدة. وتقسم هذه المشاريع قسمين: الأول يتعلق بزيادة عدد الأعضاء الدائمين والأعضاء غير الدائمين، والثاني يُغيِّر تغييراً جذرياً تركيبة مجلس الأمن. زيادة المقاعد الدائمة، وتكريس مقاعد جديدة للدول الناشئة سيطرح إشكالية كبرى، وهي أنّه يصبح من الصعب بل من المستحيل فيما بعد أن تسحب هذه المقاعد من أصحابها. بالإضافة إلى ذلك، فإنّ إعطاء هذه الدول حقّ النقض “الفيتو” سيزيد من خطر شلل مجلس الأمن. كما أن إعطاء هؤلاء الأعضاء مقعداً دائماً سيؤدي في حال التشاور في ما بينها، إلى استبعاد الدول غير الدائمة العضوية في مجلس الأمن من موقع القرار المؤثّر. بالمقابل، فإنّ عدم تغيير دول المقاعد الدائمة يؤدي إلى عدم الأخذ في الحسبان الحقائق الجيو بولتيكية الحالية في العالم. كما أنّ عدم خلق توازن في ما خصّ دول العالم الثالث لا يحترم المساواة بالسيادة بين الدول في الأمم المتحدة.إنّ خلق فئة جديدة من الأعضاء هو الحلّ الأمثل لمواجهة كلّ الصعوبات التي تحدثنا عنها. ووجود أعضاء جدد، يُجدَّد لهم ولو لمرة واحدة، يؤدّي إلى تثبيت وإرساء هذه الدول لمواقعها في مجلس الأمن، وكذلك إلى استقرار أكبر في مجلس الأمن بشكل أفضل من الحالة التي نحن عليها اليوم.
من جهة ثانية، إنّ الصعوبة الكبرى التي يواجهها طالبو الإصلاح في كل مرة يُطرح فيها الموضوع هي الإجراءات التي يجب اتّباعها حسب المادتين 108 و109 من الميثاق، اللتين تعطيان الدول الدائمة العضوية حق النقض “الفيتو”. لذلك فإنّ أيّ مشروع سيُقترح الآن يجب أن يأخذ في الحسبان تغيير هذه المواد أو تعديلها من أجل منع الدول الدائمة العضويّة من معارضة أيّ مشروع إصلاحيّ للأمم المتّحدة. لذلك، فإنّ كلّ الاقتراحات المقدّمة من قِبل أشخاص أو دول أو مجموعة عمل دولية، من الصعب أن تمرّ إذا لم توافق عليها دول “الفيتو”.
لقد أدرجت مسألة التمثيل العادل في مجلس الأمن وزيادة عدد أعضائه في جدول أعمالنا لأول مرة في عام 1979، خلال الدورة الرابعة والثلاثين للجمعية العامة. وفي دورتها الثامنة والأربعين اعتمدت الجمعية العامة القرار 48/26، المؤرخ 3 ديسمبر 1993، الذي قررت بموجبه إنشاء الفريق العامل المفتوح باب العضوية المعني بمسألة التمثيل العادل في مجلس الأمن وزيادة عدد أعضائه والمسائل الأخرى المتصلة بمجلس الأمن. وبعد ما يزيد على عقد من المناقشات المكثفة بشأن هذه المسألة الهامة، سواء في الجمعية العامة أو في الفريق العامل المفتوح باب العضوية، لم يتم التوصل إلى أي نتيجة ملموسة حتى الآن. وفي مؤتمر القمة العالمي لعام 2005، أكد رؤساء الدول والحكومات ضرورة إتمام إصلاح مجلس الأمن ـ باعتباره عنصراً أساسياً في الجهد الشامل الذي نبذله لإصلاح الأمم المتحدة ـ فأيدوا الإصلاح المبكر لمجلس الأمن، وذلك بهدف جعله أكثر تمثيلاً وكفاءة وشفافية، بما يعزز فعاليته ومشروعية قراراته. وفي 11 ديسمبر 2006، صرح رئيس مجلس الأمن، عند افتتاحه للمناقشة العامة بشأن إصلاح المجلس، بأنه بعد سنوات عديدة من النقاش غير الحاسم، آن الأوان للقيام بتقييم واقعي للمسألة برمتها والاستعداد للنظر في هذه المسألة بذهن متفتح إذا كانت الجمعية العامة ترغب في إحراز تقدم ملموس. وعلى ضوء هذه الخلفية، دعت رئيسة الجمعية العامة، في رسالتها المؤرخة 24 يناير 2007، الأعضاء إلى الشروع في مشاورات بشأن المسائل الرئيسية الخمس، وهي: فئات العضوية؛ ومسألة حق النقض؛ ومسألة التمثيل الإقليمي؛ وحجم مجلس الأمن الموسع؛ وأساليب عمل مجلس الأمن والعلاقة بين مجلس الأمن والجمعية العامة.وبعد ذلك، عينت رئيسة الجمعية العامة، في 8 فبراير 2007، خمسة ميسرين بصفتهم الفردية لمساعدتها خلال عملية المشاورات بشأن المسائل الخمس السالفة الذكر وهم: علي حشاني، الممثل الدائم لتونس، وأندرياس د. مفرويانيس، الممثل الدائم لقبرص؛ و ميريانا ملادينيو، الممثلة الدائمة لكرواتيا؛ و إيرالدو مونيوس، الممثل الدائم لشيلي؛ و فرانك مايور، الممثل الدائم لهولندا.
أهتم الأمين العام للأمم المتحدة السابق كوفي أنان منذ أن تولى مهامه في عام 1997بمسألة إصلاح الأمم المتحدة عموما و إصلاح مجلس الأمن خصوصاً، وقد نفُذ جَزء مهما من برنامج الإصلاح في برامج العمل والهياكل والنظم .فقد قررت الجمعية العامة في دورتها 52 ( القرار رقم ( 12 ) بتاريخ 14 نوفمبر1997 ) والمعنون تجديد الأمم المتحدة : برنامج للإصلاح وأكدت تصميمها على تعزيز دور الأمم المتحدة وقدرتها ومن ثم تحسين أدائها بغية تحقيق الإمكانات الكاملة للمنظمة وفقاً لميثاقها و على وعلى الاستجابة على نحو أكثر فعالية لاحتياجات الدول الأعضاء وتطلعاتها . كما رحب القرار بتقرير الأمين العام المؤرخ في 14 يوليو 1997 والمعنون تجديد الأمم المتحدة : برنامج للإصلاح، و كان الأمين العام قد طرح تقريره المذكور أعلاه في الدورة ( 51 ) للجمعية العامة في 23 سبتمبر / 1997 ، البند 168 من جدول الأعمال و أهم ما جاء في التقرير :
تأمين السيولة المالية للمنظمة عن طريق إنشاء صندوق ائتمان بمبلغ يصل إلى مليار دولار يمول من التبرعات أو أية وسائل ترتئيها المنظمة و لحين توفر حل دائم للحالة المالية للمنظمة. و تحسين قدرة الأمم المتحدة على نشر بعثات حفظ السلام بمزيد السرعة تساعدها على الرد السريع، و تعزيز قدرة الأمم المتحدة على بناء السلم بعد انتهاء الصراع مع تعيين إدارة الشؤون السياسية كمركز تنسيق لهذا الغرض. إنشاء إدارة لنزع السلاح وتنظيم التسلح.
في مجال الدبلوماسية الوقائية تحتفظ الأمم المتحدة بنظام للرصد على نطاق العالم لاكتشاف كل ما يهدد السلم والأمن الدوليين لابد من الارتقاء بنظام الإنذار المبكر بغية إسداء المشورة لمجلس الأمن بأسرع وقت ممكن .وبالنسبة لإصلاح مجلس الأمن فإن الفقرة ( 102 ) من التقرير قد نصت على : ” إن إصلاح مجلس الأمن ذو أهمية كبيرة لأداء المجلس وشرعيته، ولقد دارت في الجمعية العامة مناقشات مكثفة ومطولة بشأن زيادة عضوية مجلس الأمن، وتلك قضية لا يمكن حلها إلاّ من قبل الدول الأعضاء، وهي قضية أساسية للأمم المتحدة ، ومن شأن حلها حلاً إيجابياً أن يسهم في إمكانية المضي قدماً في القضايا الأخرى ” .كما جاء في الفقرة ( 103 ) من التقرير ما يأتي : ” وقد أدى تعزيز أهمية المجلس إلى تكثيف التدقيق في إجراءات وأساليب عملها … وينبغي مواصلة الجهود الرامية إلى تعزيز الشفافية وزيادة التأييد إلى قرارات المجلس ” .وأكدت الفقرة ( 107 ) من التقرير على : ” إن الأمم المتحدة لا تملك القدرة المؤسسية على إدارة تدابير الإنفاذ العسكري بموجب الفصل السابع “واعترفت الفقرة ( 109 ) من التقرير على أنه : ” في الوقت الراهن لم تتحقق بعد رؤية الميثاق التي تتمثل في نظام أمن جماعي قابل للتطبيق ، وما زالت الأم المتحدة تفتقر إلى القدرة على سرعة وفعالية تنفيذ قرارات مجلس الأمن التي تدعو إلى إرسال عمليات حفظ السلام في حالات الأزمات” . وطرح الأمين العام تقريراً جديداً عنونه ” تعزيز الأمم المتحدة : برنامج لأجراء المزيد من التغيرات في الدورة 57 للجمعية العامة ضمن إطار البند من جدول الأعمال، وأهم ما تضمنه ذلك التقرير بِان مجلس الأمن ما ورد في الفقرتين 20 و 21 حيث أكدت الأولى أن عملية إصلاح مجلس الأمن التي أصابها الجمود بسب تعرض الفقرة التي تبيح زيادة عدد أعضاء المجلس قد تعرضت للانتقاد ” ويعتقد المنتقدون أن الإصلاح لا يمكن أن يتم من خلال زيادة العدد فقط. و أشارت الفقرة 21 إلى التحسن في أداء عمل المجلس من خلال دعوة الكثير من الدول الأعضاء للمشاركة في الأعمال، كما ازداد عدد الجلسات العلنية مع تعزيز ملحوظ لترتيبات المشاورات بين الأعضاء. وأكدت الجمعية العامة في 2003 ( الدورة 57) تصميمها على مسألة إصلاح مجلس الأمن، مع إشارة إلى المادة 97 من الميثاق، ومن جديد طرح الأمين العام في الدورة 58 قضية الإصلاح العام للأمم المتحدة وبالأخص مجلس الأمن حيث جاء في الفقرة 74 من التقرير ” أن تعزيز قدرات الأمم المتحدة يتوقف على أحداث تغيرات مناسبة داخل مؤسساتها و أبرزها مجلس الأمن ” . وفي الدورة 59 تحدثت الفقرة 167 من تقرير الأمين العام المعنون ” في جو أرحب للحرية: نحو تحقيق التنمية والأمن وحقوق الإنسان للجميع ” حيث ذكرت أن جعل قرارات المجلس موجبة الاحترام من قبل جميع دول العالم يتطلب تهيئته على أحسن وجه للقيام بواجباته في حفظ السلم والأمن الدوليين. وأشارت الفقرة 168 إلى أن المجلس يجب أن يمثل بدقة واقع القوة في العالم المعاصر من خلال فسح المجال لمشاركة الدول المساهمة بالأمم المتحدة مالياً و عسكرياً و دبلوماسياً في اتخاذ القرارات الخاصة بإصلاحه، وخاصة تلك الدول المشاركة في عمليات حفظ السلام والمساهمة بنسب عالية في ميزانية المنظمة الدولية ، كما يجب أن تساهم دول العالم الثالث في عمليات صنع القرارات و زيادة الطابع الديمقراطي في عمل المجلس ، مع التأكيد على ألا يضر الإصلاح بفاعلية المجلس. وقدمت الفقرة 170 مقترحين للإصلاح ، نص المقترح الأول على استحداث ستة مقاعد دائمة ليس لها حق النقض و 13 مقعداً غير دائم لمدة سنتين غير قابلة للتجديد مع تقسيم تلك المقاعد على المناطق الإقليمية بحيث تحصل القارة الأفريقية ( ممثلة ب 53 دولة في الأمم المتحدة) على مقعدين دائمين و أربعة من ذات السنتين من المقاعد الجديدة وتحصل قارة أسيا والباسفيك ( 56 دولة ) على مقعدين دائمة و ثلاثة غير دائمة وأوروبا ( 47 دولة) على مقعد واحد دائم و اثنين غير دائمين والأميركيتان( 35 دولة ) على مقعد واحد دائم و ثلاثة غير دائمة. أما المقترح الثاني فنص على عدم استحداث مقاعد دائمة، أنما إنشاء فئة جديدة من 8 مقاعد لمدة أربع سنوات قابلة للتجديد و 11 مقعد غير دائم لمدة سنتين غير قابلة للتجديد بحيث تحصل إفريقيا على مقعدين من الفئة الأولى وأربعة من الثانية، وتحصل آسيا والباسفيك على مقعدين من الفئة الأولى وثلاثة من الثانية وتحصل أوروبا على أثنين من الفئة الأولى ومقعد واحد من الثانية وتحصل الأميركيتان على مقعدين من الفئة الأولى وثلاثة من الثانية. ويتضح أن الأمين العام لم يتطرق إلى المقاعد الخمسة الدائمة الأصلية مما يبقي عدم التوازن قائما. ولم يشر تقرير الأمين العام الذي قدمه للجمعية العامة في دورتها 60 التي انعقدت في مارس 2006 بشكل مباشر إلى مجلس الأمن إنما تحدث عن إصلاحات مالية وإدارية بسبب معاناة المنظمة الدولية ( كما قالت الفقرة 70 من التقرير ) من كثرة التفاصيل والقيود وغياب البعد الاستراتيجي في الشئون المالية مع وجود 150 صندوق ائتماني مستقل و 37 حساب منفصل لقوات حفظ السلام . إن غياب الحديث عن إصلاح مجلس الأمن لدليل واضح على خضوعه إلى ضغوط الدول الكبرى المهيمنة على المجلس والتي لا تؤيد تلك الإصلاحات .
و يقترح مشروع الدول الأربع (ألمانيا، البرازيل، اليابان والهند) توسيع مجلس الأمن إلى 25 عضو، ستة منهم دائمين لا يتمتعون بحق الفيتو وأربعة غير دائمين. والمشروع لا يحدد الدول بالأسماء، لكن المقصود طبعاً هو الدول الأربع بعينها ودولتان من إفريقيا. أما مشروع المجموعة الثانية (إيطاليا، باكستان، الأرجنتين، المكسيك) فهو مخالف تماما، إذ ينص على توسيع المجلس إلى 25 لكن من دون عضوية دائمة إضافية، كما يقترح أيضا أن يعاد انتخاب الدول التي اختيرت لمقعد دائم لسنتين فور انقضاء هذه المدة. أما المقترح الذي صاغته دول الإتحاد الإفريقي بمدينة سيرت الليبية في قمتها التي انعقدت هناك فيقضي بتوسيع مجلس الأمن إلى 26 دولة مع إضافة 6 دول دائمة العضوية تملك حق النقض من بينها مقعدين لإفريقيا. غير أنه من المستبعد جداً بل من المستحيل أن يتم تبني هذا القرار لكون الأعضاء الدائمين الحاليين يرفضون رفضاً تاماً منح أي من الأعضاء الجدد حق النقض الفيتو. ويتطلب تغيير تركيبة المجلس تصويت أغلبية الثلثين من أعضاء الجمعية العامة الـ 191 وموافقة الأعضاء الخمس الدائمين في مجلس الأمن عليه وهي الولايات المتحدة، وروسيا وفرنسا وبريطانيا والصين.
تعتبر الأصوات العربية والبالغ عددها 21، أي ما نسبته %11، من مجموع أصوات الأعضاء الممثلين في الجمعية العامة في غاية الأهمية في هذا التنافس المحموم حول الحصول على مقاعد دائمة داخل مجلس الأمن الدولي، فمصر وليبيا تطمحان إلى الفوز بمعقد دائم داخل المجلس. غير أن التنافس الشديد قد يحد من طموحهما خصوصا أن دول الاتحاد الإفريقي لا تدعم ترشيح الدول العربية لمقعد دائم في المجلس، وإنما تحبذ منح صوتها لصالح جنوب إفريقيا.
مما لاشك فيه أن وجود مجلس الأمن أمر ضروري، حيث لم يعد تهديد السلم والأمن الدوليين مقصوراً على الحروب والاقتتال بين الدول، بل توسع ليشمل ظواهر جديدة منها انتشار الجريمة المنظمة والمخدرات والإرهاب والفساد والهجرة غير الشرعية وغيرها، وعليه يجب تحديث عمل الأمم المتحدة و مؤسساتها المختلفة و بما ينسجم مع الوضع الجديد ، خاصة مجلس الأمن. أن الفشل في تحقيق الإصلاحات المطلوبة لن يكون سبباً في إعاقة المجلس عن أداء مهامه فحسب بل سيعمل على الحصول على نتائج عكسية، حيث سيكون مجلس الأمن في كثير من الأحيان أحد أسباب تهديد السلم والأمن الدوليين أو عاملاً مساعداً على استمرار ذاك التهديد، وأوضح مثال على هذا هو حالة الكيان الإسرائيلي.
إلا أننا نعتقد أن الهيمنة الأميركية على السياسة الدولية ستجعل من الإصلاح منسجما مع الرؤية الأميركية، لعدة اعتبارات، منها : تعد الولايات المتحدة الأميركية أكبر مساھم في ميزانية الأمم المتحدة فقد بلغت نسبتها في 2005 25.3 % ) ) من إجمالي ميزانية منظمة الأمم المتحدة ، كما أن منصب الأمين العام المساعد للشؤون الإدارية والمالية يعد منصباً حكراً على الولايات المتحدة الاأميركية ، لذلك فإن الإصلاحات التي حدثت والتي ستحدث هي تهدف في الأساس إلى تغيير سياسات منظمة الأمم المتحدة لتتوافق مع السياسة الأميركية وليس العكس. وكذلك وجود إشارات واضحة على أن برلماني كل من الولايات المتحدة الأميركية والصين لن يصدقا على مسألة إصلاح مجلس الأمن . ومن الجدير بالذكر إن تنفيذ القرار يتطلب تصديق ثلثي برلمانات أعضاء الجمعية العامة للأمم المتحدة بما في ذلك برلمانات الدول الأعضاء الخمس الدائمين ، وإذا امتنعت برلمانات الدول الأعضاء الخمس الدائمين عن التصديق فإنه لن يدخل أي من القرارات التي تم التوصل إليها في الجمعية العامة حيز التنفيذ . وحيث إن لإجراء إصلاح في مجلس الأمن لا بد من حدوث تعديل في ميثاق
الأمم المتحدة يوافق عليه ثلثا الدول الأعضاء في الأمم المتحدة وليدخل هذا القرار حيز التنفيذ ، لا بد من موافقة الأجهزة الدستورية في داخل الدول الأعضاء بأغلبية الثلثين مرة أخرى، ومن بينها كل الأعضاء الدائمين في مجلس الأمن.

 

You may also like...

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *