الثقافة في تعليم اللغة العربية للناطقين بغيرها

أصبح من المعروف في الدراسات اللغوية أن اللغة ليست مجرد أداة تواصل، ولا هي مجموعة من الأصوات التي يعبّر بها كل قوم عن أغراضهم وحسب؛ إذ تجاوزت ذلك بمراحل وأصبحت جسراً للتواصل وتوحيد المفاهيم بين الأفراد والجماعات والأجيال، وهي وسيلة انضمام الفرد للجماعة وهي القادرة على استبعاده، “واللغة عند كثير من العلماء وسيلة لصبغ الفرد بالصبغة الاجتماعية”، فهي بوابة المجتمع المُشرعة التي تستقبل كل راغبٍ بالدخول إنْ هو بذل جهده وأبدى استعداده، وكما أنّها لا تقتصر على مجموعة القوانين والأنظمة الصوتية والصرفية والنحوية والمعجمية، بل هي نظام أوسع من ذلك بكثير يمتد ليؤثر في الأنظمة السلوكية والإشارية المرتبطة بحياة الأفراد داخل المجتمع، فصارت اللغة بذلك محاطة بشروط ثقافية خاصة تحكمها أعراف كل مجتمع، وهذا أمر مهم للغاية؛ إذ” ليس ثمة فعل كلام فردي، بل إنه دائما اجتماعي، ولو كان المخاطب يوجد دائما في مخيلة المتكلم، وبالتأكيد فإن أي كلمة ننطقها تولد بتفاعل مع جمهور نتخيله داخل أذهاننا، قبل أن يوجد أي جمهور حقيقي يسمعها أو يقرأها على الإطلاق”، لذا نجد أن الجانب الثقافي يأخذ مكانه مهمة في تعلم وتعليم اللغات الأجنبية، والسبب في ذلك اعتبار الثقافة طريقة حياة الإنسان في النواحي الاجتماعية والاقتصادية والسياسية.
فاللغة هي النبض الحقيقي للمجتمع الناطق بها، والهدف المنشود دائماً – لدى متعلّم اللغة – هو نفي شعور الغربة الاجتماعية التي يعكسها الأداء اللغوي عند الناطق الجديد، وذلك عن طريق تعليمه اللغة من وجهة اجتماعية، وهي ما يمكّنه من الدخول إلى المجتمع بثقة وثبات.
ومع وضوح أهمية وجود الثقافة في برامج تعليم اللغة العربية للناطقين بغيرها، إلا أننا نجد أنها لا تحظى بما تستحقه من اهتمام، ولعل ذلك يعود إلى أسباب منها:
1- غياب النظر إلى اللغة على اعتبارها أداة الاتصال، وقد ترتب على ذلك الفصل بين ما يدور داخل حجرات الدراسة وبين اهتمامات الناس وشواغلهم الاجتماعية، فصارت البنى اللغوية لا تستهدف إشباع الحاجات اللغوية في محيط ثقافي معين.
2- الدعوى بأنه لا يوجد وقت لتعليم الثقافة.
3- التصور بأن فهم الثقافة سوف يتعرّض له المكتسب بشكل طبيعي.
4- عدم القدرة على النظر إلى الثقافة بعداً مستقلا من أبعاد تعلم واكتساب اللغة، له عناصره ومكونات يمكن تجسيدها وترجمة مجرداتها إلى محسوسات.
محددات اختيار المحتوى الثقافي:
يقصد بالمحددات هنا مجموعة العوامل التي ينبغي أن تحكمنا عند معالجة المحتوى الثقافي سواء عند اختياره أو تقديمه أو تقويمه، من هذه المحددات:
‌أ) مستوى البرنامج: تختلف معالجة المحتوى الثقافي باختلاف مستوى البرنامج، سواء أكان المستوى مبتدئ أم المتوسط أم المتقدم، فما يقدم لهذا المستوى قد لا يتناسب مع المستوى الآخر، كما أن طرق تقديم المحتوى يختلف بين المستويات.
‌ب) نوع اللغة المكتسبة: هل هي العامية أم الفصحى؟
‌ج) نوع البرنامج: يمكننا التمييز بين نوعين من البرامج في تعليم اللغة العربية للناطقين بغيرها، برامج عامة وبرامج تخصصية، ولكل من هذه البرامج محتوى ثقافي مناسب وطريقة خاصة لتقديمه.
‌د) المجتمع الذي تعلّم فيه اللغة: يعتمد المحتوى الثقافي على المكان الذي تدرس فيه اللغة العربية.
‌ه) دوافع اكتساب اللغة: قد يكتسب الدارس العربية كلغة ثانية لأسباب سياسية أو اقتصادية أو اجتماعية أو دينيه أو غيرها، وقد يكتسب هذه اللغة من أجل تحقيق هدف معين تنتهي الحاجة لاكتساب اللغة بمجرد تحقيقه.
فالمحتوى هو المقرر أو كل ما يضعه مخطّطُ المنهج من خبرات معرفية أو انفعالية أو حركية بغرض تحقيق النمو الكامل للمتعلّم وذلك في فترة زمنية معينة، إذن المحتوى هو الكتاب الذي يضم محتوى المنهج بين دفتيه، وهو بمثابة الدعامة الأساسية في عملية التعليم والتعلم، يقول فقيشة: “الكتاب هو الوعاء الذي يحتوي على اللقمة السائغة الطيبة أو اللقمة الزقوم التي نقدّمها للمتعلم الجائع، والمعلم هو الوسيلة الواسطة التي تقدم بواسطتها هذه اللقمة للمتعلم، وهذه الوسيلة أو الواسطة لا يتوفر دائما وجودها ، وإذا كان الأمر هكذا فلنركّز على الوعاء أو المحتوى “.
تدور موضوعات الدروس في برامج تعليم اللغة عن مواقف الحياة العامة؛ إذ تعدّ من الأطر الأساسية فهي تحتلّ أهمية خاصة لاعتبارات كثيرة من أهمها:
– التدريب على الاتصال اللغوي من خلال مواقف الحياة العامة إشباع للحاجات اللغوية عند المكتسبين، وإشعار أن اكتساب اللغة معنى يتجاوز حدود الترديد الآلي لبعض الأشكال الأداء اللغوي.
– مواقف الحياة العامة تعدّ ترجمة لمفهوم الثقافة الذي يتسع ليشمل مختلف أساليب الحياة التي تميز الناس في مجتمع عن غيرهم في مجتمع آخر.
– مواقف الحياة العامة تبدأ مع اكتساب اللغة منذ الدرس الأول.
وحينما نذكر كلمة المواقف العامة، فإننا نقصد بالعمومية أن تمثل المواقف القاسم المشترك بين ما يمرّ به متعلّم العربية كلغة ثانية على تنوع أهدافهم من اكتساب اللغة واختلاف اهتماماتهم.
الموضوعات الثقافية العامة
لم تعد العلاقة بين اللغة والحضارة في حاجة إلى شرح أو إيضاح، فاللغة عنصر أساسي من عناصر الحضارة ونحن نعبر عن الحضارة باللغة ولا يمكننا أن نتحدث باللغة بمعزل عن الحضارة أو الثقافة، أمّا علاقة الحضارة بتعليم اللغة العربية لغير الناطقين بها فإن فهم حضارة المجتمع الإسلامي تعدّ جزءًا أساسيًا من تعلّم هذه اللغة، فمتعلّم اللغة العربية غير الناطق بها إذا كان يرغب في إتقانها جيدًا لا بد له أن يتعرف على حضارة المجتمع العربي تعرّفاً كافياً، من هنا وجب أن يكون المحتوى شاملاً على موضوعات الثقافة العامة من قيم ومهارات وعادات، ويجب على المؤلف لهذا المنهج الخاص بتعلم اللغة العربية لغير الناطقين بها أن يراعي عدة أمور في عملية التأليف منها:
– أن يكون محتواه عربيا إسلاميا.
– أن يتضمن عناصر الثقافة المادية والمعنوية.
– ضرورة الاهتمام بالتراث العربي وخصائصه.
– انتقاء الثقافة العربية في ضوء حاجات الدارسين واهتمامهم.
– التدرج في تقديم الثقافة.
– احترام الثقافات الأخرى وعدم إصدار أحكام ضدها.
– مساعدة الدارسين على عملية التطبيع الاجتماعي.

الكفاية الثقافية
يقصد بالكفاية الثقافية هي الثقافة العربية الإسلامية، فمن المعلوم أن لكل أمة ثقافة معينة تمتاز بها عن غيرها من الأمم، وثقافة كل أمة تقوم على القيم السائدة في تلك الأمة، وهي في العادة وثيقة الصلة بعقيدتها وفكرها، وكذلك سلوكها ونمط حياتها، ولما كان الإسلام هو الدين الذي يعتنقه غالبية العرب فإن القيم السائدة على الثقافة العربية هي القيم الإسلامية، كما أننا لا نغفل من أن بعض الدول الإسلامية غير العربية تنبثق أسسها من الإسلام، ولعلّ هذا المبدأ ما جعل أبناء هذه الدول الإسلامية أن يقبلوا بشغف لتعلّم اللغة العربية ومعرفة مكنوناتها.

ما الجوانب الثقافية التي يتم تقديمها من خلال إكساب اللغة العربية لغة أجنبية مع مراعاة المستوى اللغوي للمكتسب، وطبيعة المرحلة العمرية؟
عرض بعض الخبراء أمثال بادي ويونس وطعميه وماري عدة جوانب ثقافية يصلح تقديمها للمستوى الأول من اكتساب اللغة العربية كلغة أجنبية، ولكن لا بد أن يكون تحديدنا لتلك الجوانب المقدمة على حذر، فمراعاة الهدف من تعلّم اللغة مهم في تحديد نوع الثقافة التي يجب أن يكتسبها المكتسب، ومن وجهة رأي فإني أرى أن المنهج يجب أن يقدم هذه الأمور مرتبطة بالمحتوى الثقافي لكل قسم:
1- البيانات الشخصية (ذكر الاسم، والعمر، والعنوان، وبعض الهوايات).
2- إلقاء التحية (كيفية أداء التحية والسؤال عن الحال مع إظهار الرموز الثقافية لذلك).
3- المدرسة والفصل الدراسي (يشمل أجزاء حجرة الدراسة، والمواد التعليمية وغيرها).
4- الأسرة (يشمل أفراد الأسرة، والعلاقات، والأعمار، والمنزل وأركانه).
5- الإعلام (يشمل المجلات، والجرائد، والتلفاز، وأدوات الاتصال الأخرى)
6- العلاقات الزمانية (يشمل ذكر الوقت، وقراءة الساعة، وأيام الأسبوع، والشهور والطقس).
7- التسوق (يشمل كيفية الشراء والبيع، ومعرفة الأرقام، والحجز في الفنادق أو المطارات أو المطاعم).
8- الجانب المادي (يشمل الأزياء، والملابس، والطعام، وطريقة المعيشة، والآلات الحديثة في الحياة اليومية).
9- الجانب المعنوي (يشمل العادات والتقاليد، والنظم السياسية والاجتماعية، والقيم الأخلاقية، والمعتقدات الدينية والفكرية).
وتقدّم هذه الأمور مرتبطة بالمنهج التعليمي دون انفراد الثقافة عن المحتوى، ويجب علينا الاهتمام بالمتلقي أو المتعلّم؛ بحيث نجعله يلتهم اللغة العربية وهي محاطة بالمنظور الثقافي العربي الإسلامي.
لذا عندما توضع المناهج الثقافية للمتعلمين الناطقين بغير العربية وجب أن تكون وفق منظومة تنطلق من العام (الكليات الثقافية) لتصل تدريجيا إلى المواضيع الخاصة، كما لا بد أن نضع بعين الاعتبار أن هذه الفئة من المكتسبين تنقسم إلى قسمين:
1- المكتسبون المسلمون الناطقون بغير العربية.
2- المكتسبون غير المسلمين الناطقون بغير العربية.
فالفئة الأولى تهتم بمعرفة الدين الإسلامي والتعمق فيه، وقد تكون إستراتيجية تعليم المنهج الثقافي لهذه الفئة قائمة وفق منظومة تعتمد على القضايا العامة التي تربط الثقافة الإسلامية بالثقافات الأخرى، كأن يشتمل المنهج على نصوص من القرآن الكريم وعلى السيرة النبوية، وعلى الأخلاق الإسلامية وأسس التربية في المنظور الإسلامي، في حين أنّ الفئة الثانية تهتم بمعرفة الثقافة الإسلامية بشكل عام وليس التعمّق في فهمها، لذا فإن مناهج تعليمهم تبنى وفق منظومة تنطلق من الظواهر الثقافية العالمية، المرتبطة خصوصا بنماذج حداثة مشتركة، مثل: نظام الحياة، التعارف، التجارة، التسوق، الطعام والشراب،،، وتشكل هذه الموضوعات المحاور الثقافية للدروس الموجهة للمبتدئين، معتبرين إياها مدخلا لثقافة البلد العربي الذي تتم فيه العملية التعليمة، فهذا المحيط الثقافي المشترك بين العالم العربي والإسلامي وبين العالم الغربي يصلح منطلقا أساسيا لدروس المكتسبين الأجانب الناطقين بغير العربية.
ومن الممكن أن تصاحب هذه الدروس العربية دروس ثقافية بلغة المتعلم الأصلية، كدروس حول الحضارة الإسلامية، غير أنّ هذه الدروس تقدّم فقط، حسب تصورنا، للمبتدئين في تعلّم اللغة العربية، أولئك الذين قد تساعدهم تلك الدروس بلغاتهم الأصلية في التغلب على الأزمة النفسية المرتبطة بصدمة ثقافة، أما المستويات الأخرى فيجب أن تقدّم لهم دروس الثقافة باللغة العربية نفسها، ولا ننسى أن ثقافة كل بلد تختلف عن ثقافة البلاد الأخرى، فكل بلد له ثقافة مميزة وفريدة، فالمنهج من خلاله يعكس ثقافة ذلك المجتمع، من هنا وجب التنويع في تخصيص مجالات الألفاظ بما يشير إلى ثقافة عمانية، وتمكين المكتسب تمييز الثقافة العمانية عن الثقافات الأخرى.

مصطفى بن حمد بن سعود أمبوسعيدي
mhs1979am@hotmail.com

جريدة ” الوطن” العمانية

You may also like...

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *