لماذا حق الفيتو؟

طوال السنوات العشر التي قضيتها في تدريس علم السياسة كان هذا السؤال هو من أكثر الأسئلة التي يثيرها الطلبة. الكل يتساءل لماذا تتمتع خمس دول دون غيرها بحق يجعلها تمتلك قوة سياسية رهيبة في مجريات الشؤون الدولية، وتُهمش من خلاله دور المائة وثمانية وثمانين دولة الأخرى الأعضاء في المنظمة الدولية. سؤال وجيه ومنطقي بالطبع.

ولعل عمق الحديث عن هذا السؤال يتزايد حُرقة عندما يتحاور الطلبة في قضايا الأمة العربية، لاسيما مع ما يحدث في سوريا وعجز مجلس الأمن ـ المنوط به مهمة تحقيق الأمن والسلم العالميين ـ عن فعل شيء لوقف نزيف الدم هناك، أو ما يحدث في فلسطين المحتلة من أكثر من ستين سنة من دون أن يحرك ساكناً من قبل المجلس الأممي. فليس أكثر منا نحن العرب من لم ينصفه المجلس طوال نشأة الأمم المتحدة منذ العام 1945.

هذه الحُرقة غير مقصورة على دارسي العلوم السياسية بل هي عند كل مواطن عربي بل وكل مسلم، وهذا ما عبرت عنه حكومة المملكة العربية السعودية أخيراً في رفضها قبول عضوية مجلس الأمن غير الدائمة لمدة سنتين، وهي العضوية التي تتسابق الكثير من الدول ـ لاسيما الفقيرة والاستبدادية منها ـ للحصول عليها لأسباب منفعية ذاتية بالدرجة الأولى. المملكة لا تحمل في نيتها منفعة شخصية ..

وتسعى من وراء عضوية مجلس الأمن لتحقيق المنفعة العربية والإسلامية التي رأت الرياض بأنها لن تتحقق في ظل الظروف القائمة، لذلك جاء القرار السعودي برفض قبول العضوية، ليصبح سابقة في تاريخ المنظمة إذا ما ثبتت الرياض على موقفها.

كلنا يعلم أن مجلس الأمن يتكون من خمس عشرة دولة عضو، خمس منها دائمة العضوية أي لا تتغير، وعشر يتم انتخابها بالتناوب من قبل الجمعية العامة للأمم المتحدة لمدة سنتين. الدول الخمس الدائمة العضوية (الولايات المتحدة، روسيا، بريطانيا، فرنسا، الصين) تتمتع بحق الفيتو أو حق النقض..

وهو ما يعني أن كل واحد منها يستطيع رفض أي مشروع قرار يناقش في المجلس، علماً أن القرارات الموضوعية للأمم المتحدة تتطلب مناقشة وقبول مجلس الأمن عليها كي تمرر، فالجمعية العامة التي تضم كل دول العالم الأعضاء في المنظمة تقدم توصيات وليست قرارات ملزمة، في حين أن القرار الملزم في يد مجلس الأمن. الأعضاء غير الدائمين في مجلس الأمن لا يتمتعون بحق النقض أو الفيتو، مما يجعل الكثيرين يقللون من أهمية عضويتهم.

إلا أن الواقع هو أن هذه الدول يكون لها تأثير على القرارات الدولية في حالة واحدة وهي حالة أن لا تستخدم أية دولة دائمة حق النقض في تداول مشروع قرار معين، عندها يتم اللجوء إلى التصويت الذي يمكن أن تبرز من خلاله قوة الدول غير الدائمة، فهي تستطيع أن تُرجح كفة طرف ضد طرف نظراً لعددها الذي يمثل الأغلبية في المجلس.

لكن الأهم في هذا الحديث هو العودة للإجابة على السؤال: لماذا حق الفيتو في مجلس الأمن؟ ولماذا خمس دول فقط تتمتع به؟ الإجابة تأخذنا إلى تقديم تفسيرين، التفسير الأول هو تفسير يعتبره الكثيرون غير منطقي، والتفسير الثاني به درجة من المنطقية لاسيما عند المتخصصين. التفسير الأول مفاده أن الدول الخمس التي تتمتع بحق الفيتو هي الدول المنتصرة في الحرب العالمية الثانية..

وباعتبار أن الأمم المتحدة قد جاءت بعد الحرب العالمية الثانية وبدعم من الدول المنتصرة في الحرب فقد أعطت تلك الدول لنفسها ذلك الحق، إيماناً بأن عضويتها ضرورية من أجل إنجاح عمل المنظمة. صورة عصبة الأمم كانت ماثلة أمامهم، حيث إن عدم انضمام الولايات المتحدة للعصبة أفضى إلى فشلها. وهذا بالطبع يفسر لماذا لم تُعطى اليابان أو ألمانيا ذات الحق، وهي دول كبيرة وفاعلة في النظام الدولي، الإجابة بالطبع لأنها دول خسرت الحرب، فلا مكان للخاسر في موازين القوة.

والتفسير الثاني والذي يعتبر أكثر منطقية من الأول مرتبط برغبة الدول الكبرى إبعاد نفسها عن الدخول في صراعات وأزمات قد تجبرها على المواجهة مع بعضها البعض قد تأخذها إلى حرب عالمية جديدة. لقد أدركت تلك الدول خطورة أن تتصارع الدول الكبرى فيما بينها وهي تمتلك من القوة العسكرية ما يمكن أن يُحدث كارثة عالمية لا مثيل لها. فالحرب العالمية الأولى أودت بحياة أكثر من ثلاثة عشر مليون إنسان..

والحرب العالمية الثانية أودت بحياة أكثر من ستين مليون إنسان، فماذا عسى أن تؤدي إليه حرب عالمية ثالثة بين دول تمتلك من الأسلحة الفتاكة ما ليس له نظير في الحربين العالميتين؟ لذلك أعطت الدول الكبرى والأقوى في العالم نفسها حق النقض حتى تبعد نفسها عن ترتيبات دولية من الممكن أن تدخلها في صراعات مسلحة مباشرة مع بعضها البعض. لذلك لم تعطِ دول العالم الأخرى هذا الحق، واستأثرته لنفسها رغبة في الابتعاد عن مغامرات الدول الصغيرة والمتوسطة التي قد تأخذ بالدول الكبرى إلى حافة المواجهة.

المؤيدون لهذه الميزة التي تتمتع بها الدول الكبرى الخمس يدللون على نجاحها، فهم يعتبرون أن هذه الميزة قد أبعدت العالم عن حدوث حرب عالمية ثالثة وجعلت المنظمة الدولية تستمر طوال هذه السنين من دون أن تفقد دعم الدول الكبرى كما كان الحال مع عصبة الأمم في السابق. إلا أن المنتقدين لهذه الميزة يؤكدون أن الدول الكبرى لم تعد تستخدم هذا الحق للمساعدة في تحقيق الأمن والسلم الدوليين..

لكن تستخدمه في قضايا تعتبر عادلة دولياً ليس لها تأثير على فرص دخول تلك الدول في صراعات مباشرة مع بعضها البعض مثل القضية الفلسطينية. لذلك بدأ بعضهم يدعو إلى ضرورة إعادة إصلاح المنظمة الدولية، إلا أن إصلاح المنظمة يصطدم مع الواقع الذي يقول إن أي إصلاح للمنظمة يتطلب موافقة أعضاء مجلس الأمن الدائمين، وعليه فإن الأمر يعود إلى دائرته الأولى حيث يحق للدول الدائمة استخدام الفيتو الذي يتمتعون به دون غيرهم لوقف أية محاولة فعلية نحو إصلاح المنظمة

جريدة البيان.

You may also like...

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *