ألف باء.. تعلَّم كيف تقرأ

 

“اقرأ”.. “ما أنا بقارئ”.. “اقرأ باسم ربك الذي خلق”.
هذا جزء من حوار بين جبريل -عليه السلام- ومحمد صلى الله عليه وسلم، الحوار الذي نتج عنه بدء الرسالة الخاتمة رسالة الإسلام العظيم.

كم منا اليوم يقرأ لكنه حقيقة “ما هو بقارئ”؟
ما سر أن كثيرين يقرأون ولكنهم لا يحصلون على الفائدة المرجوة من القراءة؟
السر -يا سادة- يكمن بجلاء في “القراءة المنهجية”؛ إذ من أبرز ما نعاني منه في قراءتنا هو افتقادنا للقراءة وفق منهج واضح محدَّد، فترانا نقرأ ونقرأ، ثم نكون “كباسط كفَّيه إلى الماء ليبلغ فاه وما هو ببالغه”، وما ذلك إلا لافتقادنا للطريقة السليمة للقراءة.

ولكن قبل تفصيل محاور “كيف تقرأ بمنهجية؟” ينبغي أن أشير إلى نقطتين هما بمثابة المقدمة للقراءة المنهجية:

النقطة الأولى: القراءة إدمان
نعم القراءة إدمان؛ ما إن يبدأ المرء ممارستها حتى تتملكه وتأسره، ويصبح لا يطيق الفكاك منها.. وصدقوني من خاض هذا الإدمان يغدو لا يريد الفكاك منها، ولا يُنْبئكَ مثلُ خبير.

ممارسة متعة القراءة تجري في الإنسان مجرى الدم من العروق، وإذا بدأ اليوم بنصف ساعة؛ سيصبح غداً ساعة، فساعتين، فثلاثاً، حتى تملك منه كل وقته المتاح، ما إن ينتهي من أي عمل مفروض عليه حتى يسارع إلى القراءة، وما إن يستيقظ من نومه حتى يبادر إلى الكتاب.

ولست بحاجة إلى الإسهاب في فضل القراءة وفائدتها، يكفي أن أنقل قول جوبير: “يُخصَبُ ذهنُك ويُشَقُّ أمامك جديدُ الآفاق عندما تنكب على قراءة الكتب”.

النقطة الثانية: الكتاب.. الخلُّ الوفيُّ؛ بل الحبيب المعشوق
صدق المتنبي كل الصدق حين قال:
أعزُّ مكانٍ في الدُّنى سَرْجُ سابِحٍ ** وخيرُ جليسٍ في الزمانِ كتابُ
إنه صاحبك الأمين؛ فـ”كل مصحوبٍ ذو هفوات، والكتاب مأمون العثرات”، كما يقول ابن المقفع.
وذهب الجاحظ إلى أبعد من ذلك حين قال: “من لم تكن نفقته التي تخرج على الكتب ألذ عنده من إنفاق عشاق القيان لم يبلغ في العلم مبلغاً رضياً”.
نعم.. سيصبح الكتاب حبيبك ومعشوقك حين تتوجه إليه بصدق وشغف ورغبة، وحين تنتهي من قراءة كتاب ستشعر وأنت تغلقه أنك افتقدت حبيباً غالياً على قلبك.

نعود للحديث عن “كيف نقرأ بمنهجية”:
نقرأ بمنهجية عبر النقاط التالية:

1- جهِّز مكانك:

وأعني به المكان الذي ستمارس فيه متعة القراءة، وذلك عبر النقاط التالية:
– أن يكون المجلس مريحاً، كأريكة أو سرير أو كرسي ذي ظهر يرجع للوراء، ولنبتعد عن الكراسي الثابتة أو الجلوس إلى مكتب؛ لأنها تضطرنا إلى إحناء الرأس ما يُتعِب ويوجع الرقبة.. الجلسة المريحة تُنتج قراءة مركزة.
– أن تكون الإضاءة بيضاء، وأن تأتي من فوق الرأس من على يسار الإنسان، وفق ما أفاد به المختصون بعلوم ديكور المنازل وتأثيثها.
– الابتعاد عن أي مصدر ضوضاء كوجود تليفزيون أو راديو أو أي صوت يُفقِد التركيز.

2- ابدأ بالمقدِّمة:

المقدِّمة أهم أجزاء الكتاب، ونحن عادة ما نهملها بحجة رغبتنا الدخول في المضمون مباشرة، وهذا خطأ كبير.
المقدِّمة مفتاح الكتاب، وهي التي ترسم صورته العامة، وهي التي تقول ماذا يحوي الكتاب، كما أنها تحدِّد منهجية الكاتب في كتابه، فهي المصباح الهادي لنا في القراءة.
أول ما نفعله قراءة مقدِّمة كل كتاب.

2- انظر إلى الفهرس:

علينا أن ننظر للكتاب نظرة شاملة قبل أن نقرأ حرفاً واحداً، فلا يشدَّنا عنوان معين أو موضوع نحب القراءة فيه عن فتح فهرس الكتاب، وأخذ نظرة شاملة عنه، وعن ترتيب أبوابه وفصوله، وعن علاقة كل باب بالآخر.

3- استوعب التصنيف:

انظر في الفهرس ثانية، واقرأ تفصيل كل باب وفصل في الكتاب، وحاول استنباط الروابط بينها، ذلك أدعى أن نكون محيطين بمنهجية الكتاب وتسلسله.

4- دوِّن العناوين:

عادة ما يتخذ الكُتَّاب أحد طريقين:
الأول: عنونة كل فقرة أو موضوع.
الثاني: الكتابة السردية دون عنونة.
وفي الحالتين أنصح من يقرأ بأن يحتفظ بقلم وورقة يضعهما داخل الكتاب، ويدون عناوين كل فقرة قرأها، على أن يكون العنوان دالاً على مضمون الفقرة، فيبدأ بوضع عنوان الباب الرئيسي، ثم عنوان الفصل، ثم عناوين الفقرات الداخلية، ثم بعد الانتهاء من الفصل، ينظر إلى هذه العناوين ليتذكَّر ما قرأه، ويعرف تسلسل أفكار الفصل.
ويعيد الكَرَّة بعد الانتهاء من كل باب كي يربط بين فصول الباب كلها، وهكذا مع الأبواب حتى ينتهي من الكتاب.

5- لا تُهمِل الخاتمة:

من الأمور المهملة عندنا الخاتمة، مع أنها تعتبر خلاصة الكتاب، ومفتاح ما قد يكتبه المؤلِّف أو مؤلِّف غيره في الموضوع نفسه؛ إذ في المقدِّمة يقدِّم المؤلِّف مساره، وفي الخاتمة يقدِّم ما توصَّل إليه من نتائج، والقارئ يأخذ من الخاتمة النتائج والخلاصات.

6- قُم بمراجعة نهائية:

قبل أن تغلق الكتاب ألقِ نظرة جديدة على الفهرس، ثم نظرة على ورقتك، وراجع الأبواب والفصول والعناوين الداخلية، وبذلك تكون قد أعدت قراءة الكتاب ثانية، ولكن بطريقة شاملة موسوعية.

هذه خطوات القراءة المنهجية، وبهذه الطريقة يحدث التحصيل الأمثل، وحتى لو سقطت منه بعض نقاط، فستكون العودة إلى الورقة كافية للتذكير.
قد تكون هذه الطريقة متعبة في البداية، وتحتاج إلى صبر ومثابرة، لكن من يطبقها لفترة سيجد نفسه يستغني عن الورقة والقلم، وسيصبح ذهنه قادراً على حفظ المعلومات بترتيبها المنهجي دون الحاجة إلى أن يكتب حرفاً.

يقول العقاد: “لا أحب الكتب؛ لأنني زاهد في الحياة، ولكنني أحب الكتب؛ لأن حياة واحدة لا تكفيني”.. فعش حيواتٍ بالقراءة.
ويقول فولتير: “‏سئلت عمن سيقود الجنس البشري، فأجبت: الذين يعرفون كيف يقرأون”.. فاعرف كيف تقرأ أيها القائد.

هافينغتون بوست عربي

You may also like...

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *