الإسلام والغرب من الصراع والتنافر إلى الحوار والتعارف

إن التبادل الثقافي ليس علاقة أحادية الجانب، ويجب ألا يكون كذلك.. إنه شرط أساسي لكي يفهم بعضنا بعضاً فهماً أفضل، ولكي نتعلم من بعضنا بعضاً في عالم يتقارب أكثر فأكثر”.

بهذه  العبارات المتفائلة استهل المستشار الألماني شرودر كلمته في افتتاح معرض فرانكفورت للكتاب، الذي كانت الثقافة العربية الإسلامية ضيف شرف عليه عام 2004 .. إلى أي مدى يشاطر زعماء الغرب ومفكروه شرودر نظرته المتفائلة هذه؟!

هاهو فاليري جيسكاردي ستان الرئيس الأسبق لفرنسة العلمانية يعلن بكل صراحة “استحالة قبول تركية في الاتحاد الأوربي، لأنها مسلمة، والاتحاد الأوربي نادٍ مسيحي” مما دفع الرئيس التركي الأسبق تورجوت أوزال إلى القول: “إننا مسلمون وهم مسيحيون؛ الشرق شرق والغرب غرب”.

وإذ يعلن فوكوياما- مطلع الألفية الثالثة- نهاية التاريخ في رحاب حضارة الغرب وديمقراطيته، يطرح هنتنغتون حتمية صراع الحضارات التي يحددها بسبع هي: الحضارة الغربية، والكونفوشيوسية، واليابانية، والإسلامية، والهندية، والسلافية الأرثوذوكسية، والأميركية اللاتينية، وربما أضاف إليها الثامنة؛ الإفريقية.

لقد استوعب الغرب الأوربي درس صراع القوميات الذي أشعل فيه حربين عالميتين مدمرتين خلال القرن العشرين، فبادر إلى بناء وحدته الأوربية بصبر وأناة على طاولة الحوار والمفاوضات؛ منهياً بذلك مشكلة النـزاعات ضمن الحضارة الواحدة، مقتنعاً أن الحروب لا تحل المشكلات بقدر ما تعقدها. لكنه ما إن بدت له ملامح انتهاء صراعه الإيديولوجي مع الشيوعية وترنح أنظمتها في الاتحاد السوفيتي وأوربة الشرقية، فيما أطلق عليه مصطلح الحرب الباردة، حتى راح يبحث له عن عدوٍّ بديل، وسرعان ما اختار الإسلام، من بين سائر الحضارات التي رشحها هنتنغتون، ليستعديَه على الرغم من الوهن الحضاري الذي يعانيه المسلمون.. جاء ذلك على لسان برناردلويس في وقت مبكر منذ السبعينيات من القرن الماضي، ثم توالى إعلانه على ألسنة تاتشر ونيكسون وأضرابهما.

لم يستطع الرئيس الأمريكي السابق جورج دبليو بوش إخفاء الدافع الديني وراء هذا الاستعداء، حين انزلق لسانه بإلحاقه بالحروب الصليبية التي شهدت أواخر فصولها بأسر لويس التاسع ملك فرنسة، في مصر خلال الحملة الصليبية السابعة عام 1250م، كما توجه الجنرال غورو فور وصوله دمشق محتلاً عام 1920م إلى قبر صلاح الدين بجوار الجامع الأموي ليقول له: ها نحن قد عدنا يا صلاح الدين!!

وها هي قضية فلسطين تمثل فصلاً راهناً من فصول الصدام الحضاري بين الإسلام والغرب، وصورة متطورة من صور الحروب الصليبية التي تأخذ هذه المرة – بدعم كامل من الغرب- صيغة الاستعمار الاستيطاني الإحلالي، لاقتلاع شعب آمن من أرضه، وإحلال أشتات يهود مكانه، والترويج لأكذوبة حق إسرائيل في الوجود، بغض النظر عن المجازر والمآسي والإبادة الجماعية والإرهاب والتهجير والانتهاكات الفاضحة لحقوق الإنسان، التي بنت إسرائيل وجودها على أساسها.. وما خبر غزة عنا ببعيد..

هكذا يبدو لي الغرب مصاباً بداء الأحادية، لا يرى من خلاله إلا ذاته وقيمه ومصالحه؛ يحاول أن يضفي عليها الصبغة العالمية، فينشئ المؤسسات الدولية ويفرض هيمنته عليها؛ لمنحه المشروعية التي تمكنه من صوْغ العالم على هواه، ومن ثم إدارتِه بالطريقة التي تضمن له مصالحه وتدعم قيمه وتؤكد محوريته.

كما يبدو لي أن ثنائية الإسلام والغرب المطروحة منذ بداية الاحتكاك بينهما، قد تجذرت وتصعَّدت على مشارف الألفية الثالثة، فالخطاب الغربي ما زال يستمد تصوراته عن الإسلام من رؤية شاملة مبنية على أساطيرَ وأوهامٍ ومخاوفَ تقليديةٍ وحالةٍ عدائية شاملة، بينما العالم الإسلامي يحاول تحرير هذه العلاقة من الشكل الاستعماري والهيمنة الشاملة، لتنحو منحى المشاركة والندية والمساواة، على أساس وحدة الأصل الإنساني.

وعلى الرغم من الوهن الحضاري المزمن الذي تعاني منه الثقافة العربية الإسلامية، فإن لديها من المخزون الفكري الأخلاقي المستقر في ضميرها ووجدانها:

مالا يسمح لها بأي تمييز بسبب العرق أو اللون أو الجنس أو اللسان أو الدين فـ”كلكم لآدم وآدم من تراب، لا فضل لعربي على عجمي إلا بالتقوى”.

ومالا يسمح لها بأي إكراه في الدين أو المذهب أو الرأي،فـ ]لا إكراه في الدين[ [البقرة 2/ 256 ]و ]من شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر[ [الكهف 18/29] وهي بذلك تحمل على أكتافها أربعة عشر قرناً من التعايش والتسامح بين مختلف الأديان والأعراق.

ومالا يسمح لها بازدواج المعايير؛ فالعدالة حق للجميع ]ولا يجرمنكم شنآن قوم على ألا تعدلوا، اعدلوا هو أقرب للتقوى[ [المائدة5/8].

إن علينا أن نـقوم بجهد مشترك من أجـل تعارف أعمق بين ثقافتنا العربية الإسلامية والثقافة الغربية، ومن أجل شق طريق أعرض وأسرع للتبادل بينهما يسمح بالسير فيه بالاتجاهين.

وإن عصر المعرفة القادم يبشر باقتراب عصر الأنبياء، الذين أحدثوا أعظم منعطفات التغيير في التاريخ البشري، ولم يكن لهم من سلاح في التغيير إلا البلاغ المبين، واحتمال تبعات جهرهم بالحق مهما كانت قاسية وباهظة.

]يا قوم لا أسألكم عليه أجراً إن أجري إلا على الذي فطرني[ [ هود 11/51].

لن يجد المسلم صعوبة في الحوار مع الآخر، فقد وضعه كتابه (القرآن العظيم) على أعتاب الحوار؛ دون مسـلمات مسـبقة ﴿وَإِنّا أَوْ إِيّاكُمْ لَعَلَى هُدَىً أَوْ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ [ سبأ34/24].. انطلاقاً من كلمة سواءٍ واحدة متفق عليها لا يعدم المتحاورون أن يعثروا عليها ليبنوا فوقها ويضيفوا إليها.. وانطلاقاًَ من إيمانه العميق بكل أنبياء الله ورسله لا يفرق بين أحد منهم؛ يعتقد أنهم خريجو مدرسة واحدة، وأبناء ملة واحدة؛ هي ملة أبيهم إبراهيم.. وانطلاقاً من مسؤوليته عن استخدام وسائل المعرفة التي زوده الخالق بها ﴿وَلا تَقْفُ ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤادَ كُلُّ أُولَئِكَ كانَ عَنْهُ مَسْؤُولاً﴾ [الإسراء17/36 ]، وعدد له كتابه (القرآن) قواعد الحوار وآدابه: التجرد، والصدق، والعلم، والدليل، والبعد عن المكابرة، وعن التناقض، والتزام الأدب، وتحري الحقيقة. كما بين له أشكاله وأساليبه التي تبدأ من النجوى في السر، متدرجة إلى المحاججة في العلن.مما جعل الحوار مع الآخر وقبوله ومجادلته بالتي هي أحسن ثقافة راسخة في ضمير المسلم التزمها على مر التاريخ.

وها هو المسلم يمد يده للحوار ينتظر من يحاوره على قاعدة الكلمة السواء، ﴿قُلْ يا أَهْلَ الْكِتابِ تَعالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَواءٍ بَيْنَنا وَبَيْنَكُمْ أَلاّ نَعْبُدَ إِلاّ اللَّهَ وَلا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئاً وَلا يَتَّخِذَ بَعْضُنا بَعْضاً أَرْباباً مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنَّ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنّا مُسْلِمُونَ﴾ [ آل عمران 3/64].

محمد عدنان سالم

كتب بتاريخ 2/5/2009

 

You may also like...

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *