القراءات المتواترة

على الرغم من تأكيد علماء القراءات أن «القراءات القرآنية (المتواترة) جميعاً؛ قرأ بها النبي r أصولاً وفرشاً، وقد تلقاها عنه أصحابه من بعده،وأقرؤوا بها الناس. وأنها بذلك أصبحت توقيفية لا مجال فيها لأدنى اجتهاد»[1]. فإن أحداً من هؤلاء العلماء لم يقل بأننا متعبدون بقراءتها جميعاً.

«ولم يترسخ علم القراءات،ولم يبدأ التأليف العلمي به قبل القرن الرابع الهجري، حين ألف الإمام المقرئ ابن مجاهد (ت 324هـ) كتابه (السبعة في القراءات)»[2] وكان علينا أن ننتظر خمسة قرون بعده حتى يجيء ابن الجزري (ت833هـ) ليرفع القراءات المتواترة إلى عشر في كتابه الشهير (النشر في القراءات العشر)[3] ،ثم انعقد الإجماع بعد ذلك على عدِّ ماعدا هذه القراءات شاذاً لا يعتد به.

«من المتفق عليه لدى الأمة بمجموعها أن القرآن؛ إنما يؤخذ بالتلقي والمشافهة، وأن الوثيقة المكتوبة ليست مرجعاً نهائياً لرواية القرآن، بل هي محض آلة مساعدة، وأن العمدة في القراءة والإقراء على التلقي بالتواتر»[4].

لكن هذا الإجماع لم يضعف من أهمية كتابة المصحف، التي بدأت بكتابة الصحف في عصر الرسول r وبأمر منه، ثم بجمعه في مصحف واحد في عهد أبي بكر، ثم بتوحيد كَتبته،وبثه في الأمصار في عهد عثمان.

وإذ كانت كتبة مصحف عثمان غير منقوطة، فقد تركت الباب مفتوحاً لتعدد القراءات في الرسم الواحد، في مثل {وَإِلَيْهِ يُرْجَعُونَ} [آل عمران: 3/83] فيقرؤها ابن كثير (يُرجَعون)، ورويس (يُرجِعون)، وروْح (تَرجِعون)، والباقون (تُرجَعون)[5].

لقد بلغت أوجه الخلاف بين القراءات نحو ألفي كلمة، وكلها يحتمله رسم واحد إلا في تسعة وأربعين موضعاً، لا بد من تعدد الرسم فيها ليتم استيعابها.

لكن التحسينات التي أدخلت على رسم المصحف، وتلقاها المسلمون بالقبول، وشيوعَ المصحف الموافق لرواية حفص عن عاصم في أغلب بلدان العالم الإسلامي اليوم؛ قلصا هذه الاختلافات على نحو كبير:

1- فتحسينات التشكيل؛ ذهبت بكثير من القراءات المتواترة من النص القرآني، ومثالها في سورة البروج: {ذُو الْعَرْشِ الْمَجِيدُ} [البروج: 85/15] بضم دال (المجيدُ)،وهي قراءة جمهور القراء، غابت بها قراءات متواترة بالخفض، لكل من حمزة، والكسائي، وخلف.

2- وتحسينات التنقيط؛ ذهبت بجملة أخرى من القراءات المتواترة، ومثالها في سورة الرعد {أَمْ هَلْ تَسْتَوِي الظُّلُمَاتُ وَالنُّورُ} [الرعد: 13/16] . بتاء المضارعة،وهي قراءة الجمهور، فغابت قراءة حمزة والكسائي وخلف بياء المضارعة (يستوي).

3- وتحسينات ضبط الفرش ، التي تمثلت في إثبات الألف الخنجرية، وإثبات الحروف المتروكة،وإثبات الهمزات.. غيبت الكثير الكثير من وجوه الاختلاف:

أ– مثال الألف الخنجرية: {يُخَادِعُونَ اللَّهَ} [البقرة: 2/9] ، غابت بها قراءة نافع وابن كثير وأبي عمرو يَخْدَعُونَ.

ب– ومثال الأحرف المتروكة: التي أضيفت مصغرة فوقها لإشعار القارئ بوجوب التلفظ بها:

–  الواو: في مثل قوله تعالى: {دَاوُودُ} [البقرة: 2/251] .

–  الياء: في مثل قوله تعالى: {فَمَا آتَانِيَ اللَّهُ} [النمل: 27/36] .

–  النون: في مثل قوله تعالى: {وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ} [الأنبياء: 21/88] .

ج– ومثال الهمزات: {رِدْءًا يُصَدِّقُنِي} [القصص: 28/34] ، غابت بإثبات الهمزة قراءة نافع (رداً يصدقني).

4– وتحسينات ضبط الأداء: إثبات علامات المد فوق الأحرف الواجب مدها؛ ألفاً أو واواً أو ياء، أو صلة، وإثبات علامات التجويد من إدغام وإخفاء وإظهار.. قد أسهمت بلا ريب في تحسين أداء العامة لأحكام التجويـد، لكنها في الـوقت نفسه غيبت وجوهاً متواترة في الأداء[6].

وهكذا انتهى الأمر بالعالم الإسلامي؛ إلى أن المصاحف المطبوعة المتداولة اليوم، تكاد تنحصر في أربعة؛ هي مصاحف: حفص، وقالون، وورش،والدوري، وكلها منقوط ومشكول بما يوافق رواية كل منهم. والمصحف المطبوع برواية حفص عن عاصم؛ هو الأكثر تداولاً؛ حتى في البلدان التي ما زالت تتبنى قراءات أخرى.. وحسبنا أن نسخ القرآن العظيم التي تطبع في العالم الإسلامي اليوم، ويتجاوز عددها آلاف الملايين؛ لا يختلف بعضها عن بعض في كلمة أو حرف أو نقطة أو شكل»[7].

كأني بعامة المسلمين؛ يوجهون عملياً حركة النـزوعِ إلى توحيد القراءات في قراءة واحدة؛ وترك مسألة القراءات؛ متواترة أو غير متواترة، إلى أهل الاختصاص.. خاصة وأن اللهجاتِ التي تقرأ بها لم تعد مستخدمةً في الأجيال اللاحقة.

والباحثون معنيون بتلبية توجُّهات جمهور المسلمين،وتأصيل هذه التوجهات وترسيخها، والالتفات إلى «فهم المعاني واستخراج الحكم، واستخلاص الحلول للمشكلات المستجدة»[8].

محمد عدنان سالم

من كتاب ( نحن والقرآن .. ومتغيرات عصر المعرفة )

[1]     القراءات المتواترة وأثرها في الرسم القرآني..، محمد الحبش، دار الفكر دمشق 1999، ص26.

[2]     القراءات المتواترة ص70.

[3]     القراءات المتواترة ص76.

[4]     القراءات المتواترة ص94.

[5]     القراءات المتواترة ص 92.

[6]     رَ: القراءات المتواترة (باب أثر الرسم العثماني في ضبط القراءات) ص92117.

[7]     القراءات المتواترة ص25.

[8]     القراءات المتواترة ص58.

You may also like...

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *