الأسرار الكامنة وراء الرسم العثماني

محمد عدنان سالم

ظلت الدراسات التي يقدمها العلماء لظواهر الرسم القرآني- لغوية كانت أم فنية – تتعلق بالتأريخ للمراحل التي مر بها الرسم، ومواقفِ الصحابة والتابعين من التحسينات التي طرأت عليه من حيث الإعجامُ بالنقط والشكلُ بالحركات، إلى أن وضع أبو العباس أحمد بن محمد بن عثمان الأزدي العدوي الشهير بابن البناء المراكشي (654721هـ) كتابه في الكشف عن الأسرار التي تضمنها الرسم العثماني،والذي سماه: (الدليل من مرسوم خط التنـزيل)[1] ، فردَّ فيه اختلاف رسم الكلمات لأحد سببين: إما لاختلاف معنى الكلمة في الآية التي ترد فيها، أو لمعانٍ تتعلق بمراتب الوجود والمقامات «وذلك لحكم خفية وأسرار بهية، والخط إنما يرتسم على الأمر الحقيقي لا الوهمي»[2].

وجعل المراكشي تعلق المعاني بتلك الأصوات على حسب موقعها في جهاز النطق؛ فالهمزة عنده تدل على الأصالة لأنها من أصل الصوت. والألف تدل على الكون بالفعل وبالفصل. والواو تدل على الظهور والارتقاء. والياء تدل على البطون، فهي مخصصة؛ لأنها من رقة الصوت وانخفاضه في باطن الفم.

وراح العلماء الذين تابعوا المراكشي في مذهبه، كالزركشي (ت 794هـ) يتفننون في تعليل ظواهر الرسم سواءً في باب الحذف أم الزيادة أم البدل أم الفصل والوصل، حتى طغت على أحاديثهم وتواليفهم، واستمروا يرددونها، ويبنون عليها حتى وقتنا الحاضر..

فإذا زيدت الألف في أول كلمة، مثل {لأَذْبَحَنَّهُ} [النمل: 27/21] فإنما ذلك تنبيه على أن المؤخر أشد وأثقل في الوجود من المتقدم عليه لفظاً؛ فالذبح أشد من العذاب[3].

وقد تسقط (الألف) في مواضع للتنبيه على اضمحلال الفعل نحو {وَالَّذِينَ سَعَوْا فِي آيَاتِنَا مُعَاجِزِينَ} [سبأ: 34/5] فإنه سعي في الباطل لا يصح له ثبوت في الوجود[4].

وزيـدت الألـف بعد الهمزة في حرفين: {إِنِّي أُرِيدُ أَنْ تَبُوءَ} [المائدة: 5/29] ، {مَا إِنَّ مَفَاتِحَهُ لَتَنُوءُ} [القصص: 28/76] تنبيهاً على تفصيل المعنى، فإنه يبوء بإثمين من فعـل واحد، وتنوء المفاتح بالعصبة، فهو نوءان للمفاتح، لأنها بثقلها مالت وأمالتهم..[5].

وكذلك {إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ} [هود: 11/97] زيدت الألف، تنبيهاً على تفصيل مهم ظاهر الوجود. ومثله زيادتها في {مِئَةُ} لأنه اسم يشـتمل على كثرة مفصلة بمرتبتين آحاد وعشرات[6].

وأما الواو فقد زيدت للدلالة على ظهور معنى الكلمة في الوجود في أعظم رتبة في العيان مثل {سَأُرِيكُمْ دَارَ الْفَاسِقِينَ} [الأعراف: 7/145] فالآية جاءت للتهديد والوعيد[7].

وأما الياء فزيدت لاختصاص ملكوتي باطن،وذلك في تسعة مواضع،كما قاله في المقنع؛ إحداها: {وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ} [الذاريات: 51/47] قال أبو العباس المراكشي (ابن البناء): إنما كتبت بياءين فرقاً بين (الأيد) الذي هو القوة، وبين الأيدي جمع يد،ولا شك أن القوة التي بنى الله بها السماء هي أحق بالثبوت في الوجود من الأيدي، فزيدت الياء لاختصاص اللفظة بمعنى أظهر في إدراك الملكوتي في الوجود[8].

وأما ما نقص من اللفظ

«فكل ألف تكون في كلمة لمعنى له تفصيل في الوجود: تحذف إن كان للكلمة اعتبار من جهة ملكوتية، أو صفات حالية، أو أمور علوية مما لا يدركه الحس،وتثبت إن كان للكلمة اعتبار من جهة ملكية حقيقية في العلم، أو أمور سفلية.

واعتبر ذلك في لفظتي (القرآن) و(الكتاب). فإن القرآن هو تفصيل الآيات التي أحكمت في الكتاب. والقرآن أدنى إلينا في الفهم من الكتاب وأظهر في التنـزيل.

قال تعالى: {كِتَابٌ فُصِّلَتْ آيَاتُهُ قُرْآناً عَرَبِيًّا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ} [فصلت: 41/3] ولذلك ثبت في الخط ألف (القرآن) وحذفت ألف (الكتاب).

وكل ما في القرآن من (كتاب) فبغير ألف إلا في أربعة مواضع {لِكُلِّ أَجَلٍ كِتَابٌ} [الرعد: 13/38] ، و{وَمَا أَهْلَكْنَا مِنْ قَرْيَةٍ إِلاَّ وَلَهَا كِتَابٌ مَعْلُومٌ} [الحجر: 15/4] ، و{وَاتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنْ كِتَابِ رَبِّكَ} [الكهف: 18/27] ، و{تِلْكَ آيَاتُ الْقُرْآنِ وَكِتَابٍ مُبِينٍ} [النمل: 27/1] فالكتاب فيها جميعاً أخص من الكتاب المطلق، أو المضاف إلى الله»[9].

لقد كان أبو العباس ابن البناء المراكشي ذا ميل شديد إلى العلوم الرياضية والعقلية؛ وأكثر مؤلفاته فيها. وكان ذا اتجاه صوفي وجداني، ينـزع إلى الاستبطان والتأمل الذاتي، ومن خلال ثقافته تلك وصل إلى ذلك التفسير الباطني لظواهر الرسم.

*  *  *

وعلى الرغم من الصورة المنطقية التي يعرض فيها ابن البناء مذهبه، والتي استهوت الكثيرين من بعده، وأسرتهم فوجهوا بحوثهم إليها، وجمدت اجتهادهم حولها.. فإن من الواضح أن هذه الصورة بعيدة كل البعد عن طبيعة الموضوع، فلم يدر في خلد الصحابة- رضوان الله عليهم- شيء من تلك المعاني التي حاول أبو العباس أن يعلل بها رسم الكلمات في المصحف، بصورتها الفلسفية الباطنية الغامضة،ولم يكن الهدف الأول لتسجيل النص القرآني سوى تمثيل ألفاظ التلاوة التي من خلالها- لا من خلال الرسم- تتجلى معاني القرآن العظيم.

وقد مرت قرون طويلة على كتابة القرآن دون أن ينقل أحد شيئاً من تلك المعاني. حتى جاء المراكشي ليكشف عنها بتأمل ذاتي باطني غامض متكلف،بعيد كل البعد عن طبيعة الكتابة التي هي وسيلة لتخليد الألفاظ الدالة على المعاني، دون أن يكون للكتابة- أصلاً- أي دور في تحديد المعنى أو الإيحاء بمعانٍ دقيقة عن طريق التصرف في هجاء الكلمات وتحويره.

هكذا يتضح لنا أن الأساس الذي قام عليه منهج أبي العباس المراكشي في دراسة ظواهر الرسم،وتابعه الناس عليه حتى يومنا هذا، أساس مردود، إلى جانب أن التعليلات التي أوردها لاختلاف صور هجاء بعض الكلمات، توقع أحياناً في تناقض حاد، فإذا سلمنا- مثلاً- بأن علة حذف الواو في {وَيَمْحُو اللَّهُ الْبَاطِلَ} [الشورى: 42/24] ، سرعة وقوع الفعل، فهل يدل إثباتها في {يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ} [الرعد: 13/39] على التراخي في المحو والإثبات.

وإذا انتقض الأساس انتقض سائر ما بني عليه. وإن نتيجة واحدة يقود إليها الدليل العلمي الواضح، خير وأجدى في فهم المشكلة من كل ما قاله المراكشي، ورددته وراءه أجيال من العلماء.

وإن الرسم الحالي للقرآن، لا يعدو أن يكون مرحلة من مراحل الرسم التي نقلتها لنا المخطوطات منذ الكتبة الأولى التي طورتها الأجيال وأضافت إليها تحسينات كثيرة، فهل يجب الوقوف عندها؟! أم يجوز تمحيصها والإضافة إليها استثماراً لإمكانات العصر الراهن.

زبدة القول في الرسم القرآني

«لم يكن رسم المصحف يختلف في شيء عما كان يستعمله الناس في غير المصحف من الخط.. وهناك جملة نصوص ترجع إلى القرنين الأول والثاني الهجريين تدل على ذلك»[10].

«وقد صار مصطلح الرسم في مجال الدراسات القرآنية يدل على الجانب الذي يهتم بكيفية كتابة الكلمات في المصحف، من حيث عدد الحروف ونوعها، لا من حيث أشكال الحروف وصورها»[11].

«وغايته تصوير الأصوات العربية بحروف مرسومة،وتخصيص كل صوت برمز كتابي يدل عليه»[12].

و «إننا لا نكاد نتصور اللغة دون صورتها الكتابية، لما للكتابة من أهمية فائقة في الحياة البشرية»[13].

«لقد واجهت الكتابة العربية – حين استخدمت لتدوين القرآن الكريم – أول فرص الاستخدام الواسع في عمل ضخم يستغرق مئات الصفحات، بعد أن كانت حبيسة استعمالات محدودة؛ لا تتيح توحيد القواعد ليلتزمها الكتاب فيما يكتبون»[14].

«وكان الخط العربي لأول الإسلام غير بالغ إلى الغاية من الإحكام والإتقان»[15] – كما رأى ابن خلدون (ت808هـ) – فلما كتب الصحابة المصحف بخطوطهم، «خالف الكثيرُ من رسومهم ما اقتضته رسوم صناعة الخط عند أهلها. ثم اقتفى التابعون من السلف رسمهم فيها تبركاً بما رسمه أصحاب رسول الله r، وخير الخلق من بعده المتلقون لوحيه،كما يُقتفى خط وليٍّ أو عالم تبركاً.. فاتُّبع ذلك وأثبت رسماً، ونبه العلماء بالرسم على مواضعه».

ولا يُلتفت إلى ما يزعمه البعض من أن مخالفة خطوطهم لأصول الرسم لها وجه «ويقولون في مثل زيادة الألف في {لأَذْبَحَنَّهُ} إنه تنبيه على أن الذبح لم يقع،وفي زيادة الياء في (بأييد) إنه تنبيه على كمال القدرة الربانية،وأمثال ذلك مما لا أصل له إلا التحكم المحض.وما حملهم على ذلك إلا اعتقادهم، أن في ذلك تنـزيهاً للصحابة عن توهم النقص في قلة إجادة الخط.. إذ الخط من جملة الصنائع المدنية المعاشية.. والكمال في الصنائع إضافي وليس بكمال مطلق»[16].

ولقد ارتقت الإجادة في الخط، مع ارتقاء الدولة الإسلامية وازدياد الفتوحات، فبلغت في الكوفة والبصرة درجة من الإتقان، والخط الكوفي منسوب إليها. ولما اختط بنو العباس بغداد ترقت الخطوط فيها،وخالفت أوضاع الخط الكوفي، في الميل إلى إجادة الرسم وجمال الرونق.. «إلى أن رفع رايتها ببغداد ابن مقلة الوزير (ت 328هـ)، ثم تلاه في ذلك علي بن هلال الكاتب الشهير بابن البواب (ت 423هـ)، ووقف سند تعليمها في المئة الثالثة وما بعدها، وبعدت رسوم الخط البغدادي وأوضاعه عن الكوفة، حتى انتهت إلى المباينة.. وطما بحر العمران والحضارة..ونفقت أسواق العلوم وانتسخت الكتب، وأجيد كَتبها وتجليدها..وتنافس أهل الأقطار في ذلك وتناغـوا فيه»[17] فنالَ المصحفَ من هذه الإجادة، كلُّ ما تعلق بحسن الخط، ونقط الحرف،وشكله بالحركات،وعلامات الوقف، والفواصل بين الآيات والسور، وعدِّها،والتجزئةِ إلى أرباع وأخماس وأجزاء وأحزاب،والتلوينِ لأغراض شتى، والتذهيبِ والزخرفة بأجمل الزخارف.

لقد تقبل علماء الأمة وعامتها ذلك كلَّه بوصفه من العناية التي تليق بكتاب الله تعالى. ما عدا ما يتعلق بالزوائد والنواقص والإبدالات؛ التي سبق الحديث عنها، فقد توقفوا عندها،وأضفوا عليها من القداسة ما فصل بين النص المكتوب،والنص المتداول المستخدم يومياً في حياة المسلمين؛ تلاوة، واستشهاداً في محادثة أو محاضرة أو خطبة أو رسالة أو كتاب.

فلا يمكن لخطيب يسـتشـهد في خطبته بقوله تعالى: {وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ} [الذاريات: 51/47] أن يخطر له معنى للأيْد غير معنى القوة،ولا حاجة به إلى إضافة ياء أخرى إلى الأيد ليميز بينها وبين الأيدي جمع يد- كما يتكلف ابن البناء-.

هذا فضلاً عن اللبس الذي قد يوقعه به الرسـم العثماني، في مثل قوله تعالى: {أَزِفَتِ الآزِفَةُ} [النجم: 53/57] ، و{وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الآزِفَةِ إِذِ الْقُلُوبُ لَدَى الْحَنَاجِرِ كَاظِمِينَ مَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلاَ شَفِيعٍ يُطَاعُ} [غافر: 40/18] . فيقرؤها همزة بفتحة دون مدّ لغياب المدّ عنها.

فما مسوِّغ الإقبال على تحسين كتابة المصحف من كل الوجوه، والضنِّ عليه بتخليصه من هذه الإشكالات في الرسم؟! وقد نزل القرآن ليرافق البشرية حتى نهاية وجودها على الأرض، فلماذا الوقوف بكتابته عند جيل مضى بإمكاناته الكتابية المحدودة التي تجاوزها الزمن؟!

تلك مسألة جوهرية يجدر الاهتمام بها، للإسهام في خدمة كتاب الله تعالى، ومواكبته لاحتياجات العصر ومستجداته.

ولسوف ينجم عن مسألة الرسم الإملائي إشكالات جديدة، فأي إملاءٍ سيعتمد؟! الإملاء الشامي أم المصري؟ وكلاهما زاحف متغير خاضع للاجتهاد والتطوير، ولا بد أن تكون هذه الإشكالات موضوع أبحاث يستكتب لها الخبراء والمتخصصون من المؤلفين.

محمد عدنان سالم

*من كتاب نحن والقرآن ومتغيرات عصر المعرفة

[1]     مخطوط، ذكر الزركلي في الأعلام أنه اطلع عليه. كما ذكره الزركشي (ت 794هـ)، والسيوطي (ت911هـ).

[2]     البرهان في علوم القرآن: للإمام الزركشي، دار الفكر بيروت ط2005، 1/461.

[3]     البرهان 1/381.

[4]     البرهان 1/ 463.

[5]     البرهان 1/464.

[6]     البرهان 1/465.

[7]     البرهان 1/466.

[8]     البرهان 1/467.

[9]     البرهان 1/469.

[10]    رسم المصحف: دراسة لغوية تاريخية: غائم قدوري الحمد، ص155.

[11]    [المصدر نفسه ص156].

[12]    [المصدر نفسه ص157].

[13]    [المصدر نفسه ص160].

[14]    [المصدر نفسه ص161].

[15]    مقدمة ابن خلدون، نهضة مصر، 2/882.

[16]    المصدر السابق ص883.

[17]    المصدر السابق ص884.

You may also like...

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *