خدمة النص القرآني

الرسم القرآني..مما لا شك فيه أن الرسم العثماني للمصاحف التي بين أيدينا اليوم يختلف عن الرسم العثماني لمصحف عثمان بن عفان رضي الله عنه ، وكلاهما مختلف عن الرسم الإملائي المتداول بأشكاله المختلفة المتطورة جيلاً بعد جيل..

والسؤال الملح المطروح الآن هو: هل رسم المصحف توقيفي؟ أم هو اجتهادي قابل للتطور؛ يمكن أن يواكب التغييرات والتحسينات المتتابعة التي ما زالت تطرأ على الرسم والخط على مر الزمن؟!

وإذا كان الرسم توقيفياً؛ فمن ذا الذي أوقفه؟ ومتى وعند أي كَتبة توقف؟ وهل يتوجب على الأجيال المتعاقبة دائماً أن تتعلم رسمين: أحَدهما للمصحف الذي تقرأ به القرآن، والآخرَ لسائر المعارف والعلوم التي تتلقاها؟!

وهل ثمة علاقة بين الرسم التوقيفي للقرآن،وما يحفِل به من زيادة وحذف وإبدال،وبين معاني الألفاظ ودلالاتها في سياق آياتها؛ بحيث يؤدي الرسم معنى إضافياً زائداً على المعنى المعجمي للفظ؟!

وهل ينسحب إعجاز القرآن في لفظه على إعجاز في رسمه،كما تخيله ابن البناء المراكشي (654721هـ) في كتابه الموسوم: (الدليل من مرسوم خط التنزيل)؟!

وهل التقدم العلمي، والأدوات التي وضعها عصر المعرفة اليوم في أيدي الباحثين؛ سوف تطوي صفحة الجمود الفكري الذي اكتنف الدراسات القرآنية دهراً،وتلهم الباحثين أوجهاً للإعجاز القرآني، لم يكن اكتشافها متاحاً للسابقين؟!

وقبل الخوض في الإجابة على هذه التساؤلات، أود أن أستعرض بعض تجارب شخصية حولها:

في عام 1959م، تعاقدت دار الفكر التي أشرُف بإدارتها مع السيد عبد الحميد الخطيب؛ سفير المملكة العربية السعودية في سورية، على طبع تفسيرٍ له في ثلاثين جزءاً، حرص على إيراد الآيات المفسرة فيه في زاوية كل صفحة، يحيط بها التفسير فيما تبقى من الصفحة،وأصر على رقن الآيات بالحرف المطبعي العادي،وبالرسم الإملائي المعتاد.. فاستهجنتُ ذلك للوهلة الأولى، ورحت إلى أستاذي الشيخ عبد الوهاب دبس وزيت، شيخ قراء دمشق يومها، أسأله عن جواز ذلك. فكان جوابه رحمه الله: «القرآن الكريم نزل وحياً يحفظ في صدور الرجال، بالتلقي جيلاً بعد جيل، ولك أن تكتبه بالإملاء الذي تريد مع العناية الواجبة لكتاب الله تعالى». وطُبع التفسير يومها بقواعد الإملاء الشامي، ووُزِّع من دون أن يثير حفيظة أحد أو استغرابه.

وذات يوم في مطلع القرن، سألني صبي في الثانية عشر من عمره: لماذا لا تضعون لنا النقطة والفاصلة في المصحف؛ يقصد علامات الترقيم الدارجة، فقلت له إن للمصحف علامات خاصة للوقف مفصلةً في آخره، فقال الصبي بنـزق: لا أفهمها.

ويبدو أن العز بن عبد السلام (ت 660هـ) قد تنبه لحاجة الصبيان إلى رسم إملائي للمصحف فأباحه لهم لأغراض التعليم؟!

الكَتبة الأولى

أول من جمع القرآن بين لوحين أبو بكر رحمه الله، وعهد بذلك إلى زيد بن ثابت.

قال زيد فجعلت أتتبع القرآن من صدور الرجال،ومن الرقاع، ومن الأضلاع، ومن العسب، ففقدت آية كنت أسمعها من رسول الله r لم أجدها عند أحد،فوجدتها عند رجل من الأنصار {مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ} [الأحزاب: 33/23] . فألحقتها في سورتها، فكانت تلك الصحف عند أبي بكر حتى مات،ثم كانت عند عمر حتى مات، ثم كانت عند حفصة.

قال حذيفة لعثمان: «سمعت الناس اختلفوا في القرآن.. فأرسل عثمان إلى حفصة: أرسلي إلينا بالصحف فننسخْها في المصاحف ثم نردها إليك.. فعهد إلى زيد ومعه أربعة من الصحابة بنسخ الصحف على لسان قريش، فنسخوها ورد عثمان الصحف إلى حفصة»[1].

وأكثر العلماء على أن عثمان لما كتب المصحف جعله على أربع نسخ وبعث إلى كل ناحية بواحدة منهن، فوجه نسخة لكل من الكوفة والبصرة والشام، وأمسك عنده بواحدة.

«سئل مالك رحمه الله: هل يكتب المصحف على ما أحدثه الناس من الهجاء، فقال: لا إلا على الكتبة الأولى.. ولا مخالف له من علماء الأمة»[2].

غير أن هذه الكَتبة الأولى لم تلبث – عند نسخها في الأمصار- أن تنوعت؛ من حيث نوع الخط وتطوره؛ الذي احتفظت لنا المتاحف بالكثير منه بين مجرد عن النقط ومنقوط؛ كلاهما تعسر قراءته، ومن حيث الزيادة والحذف في الرسم، فيعقد أبو عمرو الداني لذلك في المقنع بابين؛ أحدَهما لما اتفقت على رسمه مصاحف أهل الأمصار من أول القرآن إلى آخره[3].

وباباً آخر لما اختلفت فيه مصاحف أهل الأمصار بالإثبات والحذف[4].

نقط المصحف وشكله

ظلت المصاحف زمن الصحابة والتابعين خالية من النقط والشكل، إلى أن أحدث الناس ما أوجبه؛ عندما سمع أبو الأسود الدؤلي (ت 69هـ) رجلاً يقرأ {أَنَّ اللَّهَ بَرِيءٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ وَرَسُولُهُ} [التوبة: 9/3] بكسر لام الرسول، فاستعظم ذلك وقال: عز وجه الله أن يبرأ من رسوله، ثم اختار رجلاً من عبد القيس، فأملى عليه شكل حروف المصحف حتى أتى على آخره[5].

ثم جعل الخليل بن أحمد (ت170هـ) الهمز والتشديد والروْم والإشمام، واقتفى الناس أثرهما، وانتشر ذلك في البلدان؛ أخذه أهل المدينة من أهل البصرة، وعنهم أخذ عامة أهل المغرب والأندلس، وانتشر في سائر المصاحف العراقية والشامية[6].

وبين أبي الأسود الدؤلي (ت 69هـ) والرماني (ت 384هـ) ثمة خمسة عشر إماماً، كتبوا في نقط المصحف، لم يصلنا من أسفارهم شيء، ليظل أبو عمرو الداني (المتوفى 444هـ)[7] في المقنع والمحكم مرجعَنا في نقط المصحف بالإعجام وشكله بالحركات،تلك الفترة.

وعلى الرغم من كراهية الصحابة أن يُخلط القرآن بشيء، فقد روي عن مالك قوله: لا يزال الناس يسألونني عن نقط القرآن؛ فأقول: أما الإمام من المصاحف فلا أرى أن ينقط، ولا يزاد في المصاحف ما لم يكن فيها.. وأما المصاحف الصغار التي يتعلم فيها الصبيان وألواحهم، فلا أرى بذلك بأساً[8].

لكن للزركشي رأياً آخر يقول فيه:

«وقال الإمام أحمد رحمه الله: تحرم مخالفة خط مصحف عثمان في ياء أو واو أو ألف أو غير ذلك.. قلت: وكان هذا في الصدر الأول، والعلم حي غض.وأما الآن فقد يخشى الإلباس. ولهذا قال الشيخ عز الدين بن عبد السلام: لا تجوز كتابة المصحف الآن على الرسوم الأولى، باصطلاح الأئمة؛ لئلا يوقع في تغيير من الجهال»[9].

وإذ رخَّص أبو عمرو الداني نقط المصحف (وهو الإعجام)، فقد نهى عن نقطه بالسواد من الحبر ولم يستجزه، واستحب بدلاً منه استعمال صبغ يخالف المداد،فلا يحدث في المرسوم تغييراً ولا تخليطاً،وقد استعمل نقّاط أهل المدينة الحمرة للحركات والسكون والتشديد والتخفيف، واستعملوا الصفرة للهمزات خاصة.

أما الشكل بالحركات، فقد رأى أبو بكر بن مجاهد قصره على ما أشكل وليس على كل حرف، فإنما يقع الشكل على ما إذا لم يُشكل التبس.ولو شُكل الكتاب كله لأظلم[10].

ونقل أبو عمرو عن الأوزاعي القول: «كان القرآن مجرداً في المصاحف. فأول ما أحدثوا فيها النقط على التاء والياء،وقالوا: لا بأس به، هو نور له. ثم أحدثوا فيها نقطاً عند منتهى الآي. ثم أحدثوا الفواتح والخواتم»[11].

ويمضي أبو عمرو في محكمه، في تبيان طريقته في التعبير بالنقط والألوان عن إعجام الحروف ونقطها بالسواد، وعن الحركات بكل ما فيها من إشباع واختلاس، وتسكين، وتشديد، ومد، وتنوين، وإدغام، وعن الهمزات؛ بكل ما فيها من قطع، ووصل، وتطرف،وتوسط.

الزيادة والحذف

وفي المقنع، يفصل لنا أبو عمرو مواضع الحذف في رسم المصحف، بادئاً بالألف التي هي أكثر الحروف حذفاً، ثم الياء والواو. ومواضعَ الزيادة، للألف والواو والياء،ورسمَ الهمزة،وهاءات التأنيث، وما يرسم منها بالتاء المبسوطة.وغير ذلك من اختلافٍ في الرسم القرآني عن الرسم الإملائي.

ثم يعقد فصلاً مطولاً لما اتفقت مصاحف أهل الأمصار على رسمه؛ بادئاً بحذف الألف من {بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ} و{مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ} [الفاتحة: 1/4] في فاتحة الكتاب.. وفصلاً آخر مطولاً لما اختلفت فيه مصاحف أهل الأمصار بالإثبات والحذف؛ بادئاً بحذف ياء إبراهيم حيثما وردت في البقرة، وإثباتها في سائر السور بعدها، ومتتبعاً جميع ما اختَلف في رسمه أهل الكوفة وأهل البصرة وأهل المدينة وأهل الشام، ولم يكن عدده باليسير.

ويعقد بعد ذلك فصلاً يسوِّغ لنا فيه هذا الاختلاف، مؤكداً أن عثمان رضي الله عنه لما جمع القرآن في المصاحف، ثبت عنده «أن هذه الحروف من عند الله عز وجل، كذلك منـزلة، ومن رسول الله r مسموعة، وعُلم أن جمعها في مصحف واحد على تلك الحال غير متمكن إلا بإعادة الكلمة مرتين، وفي رسم ذلك كذلك من التخليط والتغيير للمرسوم مالا خفاء به. ففرقها في المصاحف لذلك. فجاءت مثبتة في بعضها ومحذوفة في بعضها؛ لكي تحفظها الأمة كما نزلت من عند الله عز وجل، وعلى ما سُمعت من رسول الله r. فهذا سبب اختلاف مرسومها في مصاحف أهل الأمصار»[12].

وبذلك يطوي لنا أبو عمرو صفحة توقيف رسم المصحف؛ عند ما ابتكره من نقط لتمييز الحروف وشكلها بالحركات، وعلى ما فيه من اختلاف في الرسم،ليكون أمراً مسلماً به، ولتبدأ بعده صفحات جديدة تستكشف الأسرار الكامنة وراء هذا الرسم التوقيفي.

من كتاب ( نحن والقرآن ومتغيرات عصر المعرفة )

إصدارات دار الفكر الحديثة

[1] المقنع في معرفة مرسوم أهل الأمصار: أبو عمرو الداني، دار الفكر بدمشق ط198324).

[2] المقنع ص9، البرهان في علوم القرآن للزركشي ج1 ص 459– دار الفكر بيروت ط2005.

[3] المقنع ص8392.

[4]     المقنع ص9299.

[5]     المحكم في نقط المصاحف: أبو عمرو الداني، دار الفكر بدمشق، ط 2/1997 ص9.

[6]     المحكم ص9.

[7]     أبو عمرو الداني: عالم أندلسي برع في علوم القرآن، ولد في قرطبة عام 371 وتوفي بدانية عام 444هـ. وله: المقنع والمحكم في نقط المصاحف.

[8]     المحكم ص 11.

[9]     البرهان في علوم القرآن للزركشي- دار الفكر بيروت ط2005، 1/460.

[10]    المحكم ص23.

[11]    المحكم ص17.

[12]    المقنع: أبو عمرو الداني، دار الفكر- دمشق ط1983– ص115.

You may also like...

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *