الدراسات القرآنية والمناخ الملائم لازدهارها

«إن أكبر مصدر للطاقة لا يقدم لنا من القوة ما يقدمه كتاب صغير»[1].

والكتاب كلمة، والكلمة إنما تستمد قوتها من الحرية.. منها تكسب صدقيتها، وفي مناخها تظهر فعاليتها وتأثيرها، وبها تتمايز فتكون {كَلِمَةً طِيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ ¾ تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا}، أو تكون كلمة خبيثة {كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ اجْتُثَّتْ مِنْ فَوْقِ الأَرْضِ مَا لَهَا مِنْ قَرَارٍ} [إبراهيم 14/24-26] . ومن احتكاك الكلمة الطيبة مع الكلمة الخبيثة وتصادمهما تنبثق بارقة الحقيقة، وينمو الفكر، ويزيد الله في الخلق ما يشاء: {كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْحَقَّ وَالْبَاطِلَ فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً وَأَمَّا مَا يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الأَرْضِ} [الرعد: 13/17] .

هكذا يكون التعدد والاختلاف وحرية الرأي والتعبير فطرة الله التي فطر الناس عليها،والمناخ الملائم لتقدم الإنسان، ولأجل ذلك عدَّ الله تعالى الاختلاف آية من آياته، وغايةً للخلق {وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلاَ يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ * إِلاَّ مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ} [هود: 11/118-119] .

وبانتفاء التعدد والاختلاف، يخرج الإنسان عن غاية خلقه، ويعقم فكره؛ إذ النماء لا يكون إلا بالتزاوج، ولولا التعدد لعم الفساد {وَلَوْلاَ دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الأَرْضُ} [البقرة: 2/251] و{لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا} [الحج: 22/40] .

وفي غياب التعدد تنحرف الكلمات عن معانيها فترى الناس {يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ} [المائدة: 5/13] ، وتنقلب الكلمات إلى أقوال يعوزها التطبيق {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لاَ تَفْعَلُونَ * كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لاَ تَفْعَلُونَ *} [الصف: 61/2-3] ، أو تقال بالإكراه تقيةً، والقلب مطمئن إلى ضدها {إِلاَّ مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِيمَانِ} [النحل: 16/106] .

ويذكر لنا القرآن الكريم فرعون، نموذجاً للتفرد والاستبداد، يكرره في 74 آية، ليحذرنا من الركون إلى نظائره من الأنظمة: {وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَاأَيُّهَا الْمَلأَُ مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي} [القصص: 28/38] ، {مَا أُرِيكُمْ إِلاَّ مَا أَرَى وَمَا أَهْدِيكُمْ إِلاَّ سَبِيلَ الرَّشَادِ} [غافر: 40/29] ، {أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهَذِهِ الأَنْهَارُ تَجْرِي مِنْ تَحْتِي} [الزخرف: 43/51] . {فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطَاعُوهُ} [الزخرف: 43/54] ، {فَأَغْرَقْنَاهُمْ أَجْمَعِينَ ¾ فَجَعَلْنَاهُمْ سَلَفًا وَمَثَلاً لِلآخِرِينَ} [الزخرف: 43/55-56] .

ولعل من أهم نتائج التفرد تغليب الشكل على المضمون، والكم على الكيف؛ وهو ما يبدو واضحاً في موضوعنا عن الدراسات القرآنية؛ إذ نلاحظ في ظل هذا المناخ، اهتماماً بالرسم القرآني، ومعاهد تحفيظ القرآن، وفضائيات تلاوة القرآن آناء الليل وأطراف النهار، وتركيزاً على الزخرفة والتلوين في الطباعة وأحكام التجويد، وإقبالاً من الزعماء على طباعة مصاحف تحمل أسماءهم، وشيوعَ ظاهرة إهداء المصاحف في المناسبات؛ حتى تكدست المصاحف في البيوت؛ تشكو الوحشة والهجر، وتخصصت لتلبية الطلب المتزايد عليها مطابع ودور للنشر.

ولعل مما يبعث على الريبة في هذا الاهتمام الشكلاني بالقرآن، ما نلمس وراءه من تهميش واستبعاد لنصوصه من مناهج التعليم والكتب المدرسية والشواهد النحوية،واقتصارها على الدراسات الدينية.. وما نلمسه كذلك من تضاؤل الاستشهاد بآياته في القضايا العامة والدراسات المنوعة، بعد أن كان محوراً لحياة المسلم وفكره ونشاطه اليومي.

وإذ أحمِّل حقبة التفرد والاستبداد مسؤولية إقصاء القرآن عن حياة المسلم، وإحاطتِه بهالة من التقديس؛ تحنطه إذ تخرجه عن دائرة الفعل، فإني أرى عودته الفاعلة إلى ضمير الإنسان المسلم؛ أولوية قصوى لأجيال الغد المنتظر، ومسؤولية كبرى في أعناق الناشرين العربِ والمسلمين.

لقد بذلت الأجيال الأولى جهوداً خارقة في خدمة القرآن الكريم؛ كتابة ورسماً، وتفسيراً وقراءات، وبحثاً عن أسباب النزول، وإعراباً وبلاغة وإعجازاً؛ أضافت إليها الأجيال التالية إضافات تتفاوت بحسب مكتسباتها المعرفية المستجدة.

غير أن مسؤولية الجيل الراهن لخدمة القرآن الكريم واستخراج مكنوناته؛ تتضاعف:

1– نظراً للتحدي الكبير الذي خلقته جهود العلمنة الطاغية من جهة، وانحراف الخطاب الإسلامي عن منهجه الدعوي من جهة أخرى.

2– ولطول أمد التخلف والكلالة الذي عانت منه الأمة في مسارها خارج دورتها الحضارية.

3– وللإمكانات الكبيرة التي أمدته بها ثورتا المعلومات والاتصالات، ويسرت له سبل البحث والتحليل والإحصاء.

[1] (مقولة لليف فلا ديمير).

*من كتاب ( نحن والقرآن ومتغيرات عصر المعرفة )

محمد عدنان سالم

You may also like...

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *