الجيل الثاني من المهاجرين في خضم ثقافة أمريكية طاغية

ألقاه في اليم مكتوفاً وقال له      إياك إياك أن تبتل بالماء

يسافر الجيل الأول-وغالباً ما يكون من الشباب- إلى أمريكا؛ طلباً للعلم أو للرزق، وقد يعود إلى بلده بعد حصوله على الشهادة، أو إخفاقه في مشروعه للرزق، أو قد يستهويه زخرف الحياة الأمريكية فيمدد إقامته فيها بذريعة التخصص، ثم الممارسة بذريعة التدريب، ويسعى للحصول على البطاقة الخضراء (Green card)،تمهيداً للحصول على الجنسية بعدها.

وغالباً ما يقنعه أهله، أو يطلب هو إلحاقه بزوج ، تحصيناً له من الانحراف أو الانجراف إن كان متديناً، أو يبحث هو عن زوجة أمريكية مسيحية، بكل ما يثيره هذا الخيار من مشكلات حول دين الأولاد، أو يكتفي بعلاقات عابرة يرضي بها نزواته إن لم يكن متديناً، وما أيسر هذه العلاقات في بلد بات يفتخر بإطلاق الحرية الجنسية؛ ضمن منظومات الحريات العامة التي يتغنى بإطلاقها.

وأول ما يبحث عنه الوافد المتدين؛ مسجد يلتحق به لأداء صلاة الجمعة، إن وجد، أو يتعاون مع زملائه على إيجاده في شقة سكنية مناسبة، إن لم يكن موجوداً.

وبغض النظر عن المشكلات التي سيثيرها المسجد مع الجوار، أو الخلافات التي ستثور بين أهله حول إدارته؛ مذهبيةً كانت، أو جهوية، أو غير ذلك، فإن هذه الإدارة ستكون حتماً بحسب المعايير التقليدية المتبعة في بلدانهم الأصلية.

وعما قليل سيرزق أفراد الجيل الأول- الوافد أو المهاجر- بأطفال أمريكيين؛ اكتسبوا شرف الجنسية الأمريكية بالولادة: إنهم الجيل الثاني الذي ولد أمريكياً، ولسوف تتولى أمريكا تربيته، وتغذيته بثقافتها، وفطامه عن الثقافة الأم لوالديه.

سوف تستغرق فترة الفطام، فترة التحاقه بالروضة والمدرسة الابتدائية، وربما الإعدادية. ولسوف يُطلب من الأهل عدم التحدث إلى طفلهم بلغتهم الأصلية، لكي لا يفسدوا عليه لغته الأمريكية، ولسوف يسعد الأهل بطفلهم وقد أتقن لغة أمريكا، وكل ما وراءها من ثقافة، تشمل العادات والتقاليد وأساليب التواصل والتفاهم التي نقشت في ذاكرته.

وإلى هنا، لا يزال الطفل يعيش شخصية مزدوجة بين البيت والمدرسة؛ ولديه القدرة على التوفيق بينهما، وتحقيق متطلباتهما. فهو يرافق والديه إلى المسجد ليلعب مع أقرانه فيه، ويحفظ الفاتحة، والتين والزيتون، وبعض السور القصار، لا يجاوزها إلى غيرها، ولا يفقه شيئاً من معانيها، وقد يؤدي الصلاة ويصوم رمضان مع والديه، ليبقيا شكلاً بلا مضمون. وطقساً بلا معنى.

وفي المرحلة الثانوية يكون الطفل قد بلغ سن الفطام: قد زودته المدرسة بمناهج البحث الحديثة المبنية على حرية الفكر والتعبير، وحق التساؤل والشك، وبثقافة المجتمع الأمريكي وقيمه، المنفلتة من كل القيود. ولم يعد المسجد يعني له شيئاً، لأنه لا يجد عنده أي جواب على أسئلته سوى  ) بَلْ وَجَدْنا آباءَنا كَذَلِكَ يَفْعَلُونَ( [ الشعراء 26/74]. ولن يجديه البحث عن أسئلته بلغة قومه، فقد انقطعت صلته بهذه اللغة. ولم يبق أمامنا سوى الاستماع إلى سهيل يحكي لنا حكايته مع أبنائه يعتصره الألم: ” ألِفت أن أكون قريباً جداً من أولادي كانوا دائماً أطفالاً مسلمين نموذجيين، وكانوا على نشاط واسع في مسجدهم. وكانوا جزءاً من كل عمل تقوم به الجالية”. لم يستطع سهيل أن ينظر إلي وهو يتحدث عن ابنته، وتوقف ليستجمع نفسه. قال كم كانت رائعة الجمال نقية، وتبدو كملاك في حجابها، حتى إن آباء زميلاتها وأمهاتهن كانوا يتعجبون من جمالها، وإن العديد من الأصدقاء كانوا يأملون أن يقترن أحد أولادهم بها.

وكما يتوقع القارئ، أخذت الأمور تتغير. وعندما صار الابن في الثانوية وجد أبوه، ذات يوم، في جيبه علبة سجائر، فواجهه بذلك، فادعى أن العلبة لأحد طلبة المدرسة. وبعد ذلك بوقت قصير اكتشف أنه كان يكذب. فشعر بطعنة عميقة. فقال في نفسه مستغرباً:” كيف يكذب ابني علي؟”.

ولكن سرعان ما تبين له أن الآتي أعظم. ففرض عليه قيوداً قاسية، وتوترت علاقتهما.

أما علاقته مع ابنته فظلت قوية، ثم ذهبت إلى الكلية، وأخذت تبتعد عنه رويداً رويداً، وشرعت تتساءل عن الإسلام أكثر وأكثر، وكثيراً ما كانت لا ترد عليه إذا اتصل بها على الهاتف في الليل. قالت: إنها لا تستطيع المجيء إلى البيت في عطلة الربيع، لذلك ذهب سهيل بسيارته إلى الجامعة ليبحث في المشكلة. تبين أنها وقعت في حب فتى غير مسلم؛ التقته في الصف وسكنت معه.. شعر سهيل أن الدمار حل به. قال: إنه وصمها بكل اسم بائس في اللغة، بكلمات ما يمكن أن يقولها لأرذل متسكع في الشوارع. صرخ قائلاً: ” كيف تفعلين ذلك بي؟”،ولم يعد يكلمها منذ ذلك الحين، بالرغم من محاولاتها الكثيرة للاتصال به.

أما ابنه فقد تخرج في المدرسة الثانوية منذ بضع سنين،وكان يتلقى سهيل من حين إلى حين مكالمات من الشرطة تستدعيه ليتسلم ابنه، بعد أن وجدوه ثملاً متسكعاً في المدينة. قال سهيل وكأنه يتوسل: ” كيف يخونني أبنائي. أنا لا أستطيع حتى التحدث إليهم، بل لا أستطيع البحث معهم ،ماذا سأفعل؟”(1).

لن تستطيع أن تفعل شيئاً!! فقد زججت طفلك في أكثر الثقافات ديناميكية؛ حيث الإباحية والممارسات الجنسية تعد أمراً مقبولاً في ثقافة الطفل الأمريكي التي تحثه على أن يبحث عن (البوي فرند) و الـ (جيرل فرند)، ثم يغض الطرف عن ضربه مواعيد الغرام منذ نعومة أظفاره في المدرسة الابتدائية ،وفي المجتمع حيث شرب الخمر مرحب به، والأزياء الفاضحة تعتاد البنت ارتداءها منذ الصغر، والتعري وكشف العورات يتم من دون أي تحفظ، والآباء يعامَلون بكثير من عدم المبالاة والوقاحة. لم يسلحه المجتمع بأي استهجان أو تحذير، بل أغدق عليه المكافآت، فصدق فيه قول الشاعر:

إن الشباب والفراغ والجدة      مفسدة للمرء أي مفسدة!!

كيف يمكن للمسلم أن ينأى بأطفاله عن عيد الميلاد، وشجرة رأس السنة وبابانويل، والهيلووين، وعيد الشكر، وعيد الحب؟!

هل يمكن لطفل مسلم- لم يلقَّح بلقاحات مضادة- أن يتجنب مشاطرة رفاقه كل هذه الموبقات؛ ما لم يكن مؤمناً بحرمتها، مقتنعاً بضررها، شاعراً بدونيتها، محتقراً للثقافة التي تنتجها، واثقاً من قدرته على تسويغ رفضه لها، مستعلياً على من يمارسها؟!

ومن المؤكد أن تزويد طفل مسلم بهذه المشاعر الإيجابية الفاعلة؛ لن تقوم به أسرة عادية؛ منشغلة بهموم العيش، والتكيف مع الحياة الجديدة، مأخوذة بزخارف الحضارة الأمريكية

وجاذبياتها.. لا بدله من منظمة إسلامية واعية؛ ترسم أهدافها، وتضع لها مناهجها وخططها للوصول إلى أطفالها المستهدفين، وتبتكر لها مؤسساتها الكفيّة في إطار القوانين الأمريكية، وثقافة الحريات؛ المستقرة في الضمير الأمريكي.

إن منظمة كهذه يمكن أن تكون نواة لتشكيل تجمع إسلامي أمريكي؛ يحاكي اللوبي الصهيوني ويتجاوزه؛ نظراً لقوة الحق الذي يرتكز عليه، وهشاشة الباطل الصهيوني الذي يتكلف ذاك اللوبي تمويهه وتزيينه، ونظراً – كذلك- لقوة العقيدة الإسلامية وإنسانيتها وانفتاحها على العالم، مقابل ثقافة (شعب الله المختار).

(1) ضياع ديني ص 216-217.

*من كتاب ( أبناؤنا في المهاجر)

محمد عدنان سالم

You may also like...

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *