عدنان سالم وثلاثون عاماً من التعامل مع دار الفكر

عمر مسقاوي

ارتبط اسم عدنان سالم بمؤسسة دار الفكر في دمشق؛ حين كانت هذه الدار أول من وزع في سورية إصدارات دار العروبة لكتب مالك بن نبي في القاهرة منذ عام 1957.

ففي 20 حزيران/ يونيو 1959 رافقت مالك بن نبي في أول زيارة له إلى دمشق، وكان قد صدر له باللغة العربية الكتب التالية: شروط النهضة 1957، الظاهرة القرآنية مع مقدمة الأستاذ شاكر 1958، الفكرة الإفريقية الآسيوية 1958، مشكلة الثقافة 1959.

 

 

 

 

وهكذا، ومنذ عام 1957 كان على غير موعد ولادتان؛ ولادة دار الفكر في دمشق وولادة فكر مالك بن نبي في المشرق العربي.

كان بن نبي قد أسس صلات وثيقة في القاهرة مع مجموعة فكرية إسلامية في إطار الباحث اللغوي الإسلامي الكبير محمود شاكر، وكان صلة الوصل صاحب دار العروبة الأستاذ إسماعيل عبيد، رحمه الله، حين كان مهتماً بطبع كتاب (الظاهرة القرآنية) مترجماً بإشراف الأستاذ مالك. وهكذا كانت مكتبة دار الفكر في دمشق، في موقعها على كتف شارع بالقرب من محطة الحجاز؛ حفية بإنتاج دار العروبة بالقاهرة، وفي ظني أن إسماعيل عبيد صاحب دار العروبة في القاهرة كانت تربطه بالأستاذ عدنان سالم زمالة مهنة وخلفية فكرية إسلامية، فكانت بينهما زمالة فكر ومهنة.

حينما وصل مالك بن نبي إلى دمشق وجد نفسه في محيط يألف فكره وحضوره لدى الرواد الأوائل في جامعة دمشق، وكان ذلك أول اتصاله برجال الجامعة حين اقترحت عليه الاتصال بالدكتور صبحي الصالح رحمه الله الذي كان يدرِّس في كلية الآداب. وإذ وصلنا إلى كلية الآداب ومكتب الدكتور صبحي الصالح وطلبنا من الآذن إبلاغ الدكتور رغبتنا في لقائه، سألنا عن الأسماء، قلت له: مالك بن نبي وعمر مسقاوي، كان صوتي مسموعاً في جمع من الطلاب يقف في ممشى كلية الآداب، وما إن سمعوا اسم مالك بن نبي حتى تلفت جمع منهم وسألني أحدهم: هل هذا هو مالك بن نبي؟

لقد سرني سماع السؤال وأجبت بشيء من التأكيد، وأحسب أن مالكاً سمع الحوار فتبسم إذ سبقت أفكاره إلى شباب الجامعة.

وهكذا كانت حفاوة الدكتور صبحي الصالح كبيرة، حين كان مجتمعاً في مكتبه مع كل من الدكتور شكري فيصل وصالح الأشتر، ثم تعرف على الدكتور عادل العوا أستاذ الفلسفة.

كان هؤلاء جميعاً مع سواهم من رجال العلم والثقافة؛ يجدون في دار الفكر ساحة يفد إليها المهتمون بالثقافة والتراث، وما يؤسس ويجدد فكراً، ويسدد ويقارب تبليغاً لرسالة الإسلام.

في هذا المحيط كان فكر بن نبي يدخل حلبة دمشق من أبوابها، ويبدو لي أن باب دار الفكر كان سابقاً عام 1959، وهكذا توالت المناسبات بالترحيب بمالك بن نبي في مساحة شهر تموز/ يوليو من عام 1959، وكان الدكتور مصطفى السباعي أقام على شرفه مائدة في منتزه مدخل دمشق حضرها الدكتور معروف الدواليبي، ووزير العدل نهاد القاسم، والدكتور شكري فيصل، ثم كان أن تعرف الأستاذ مالك على رئيس محكمة التمييز في دمشق القاضي صلاح الدين الشاش، الذي ظل على صلة وثيقة بالأستاذ مالك ورعايته هو وعائلته إلى حين وفاته.

وهكذا كان أول لقائي بدار الفكر يرتبط بذلك الإطار في صحبة الأستاذ مالك في زيارته الأولى إلى دمشق عام 1959، وقد دعته الجامعة لإلقاء محاضرة في صيف تموز من ذلك العام؛ حين رأت في الاستماع إلى فكره، ما يحملها على الاستفادة من زيارته رغم عطلة الصيف، وكم كان بن نبي متأثراً بحفاوة الجامعة ومديرها الدكتور حكمت هاشم؛ ثم وزير التربية أمجد طرابلسي، مما لم يكن متاحاً له في القاهرة، من اللقاء مع أساتذة جامعاتها طوال إقامته في القاهرة سوى ما كان في مجالس الأستاذ محمود شاكر. وقد دوَّن في مذكراته شكراً خاصاً لحضور الدكتور مصطفى السباعي المحاضرة رغم مرضه وصعوبة انتقاله، وكان متأثراً كثيراً بحجم الحضور ونوعيته؛ أمثال مدير جامعة دمشق وعميد كلية الآداب، والدكتور معروف الدواليبي.

في عام 1963 عاد الأستاذ مالك إلى الجزائر وكانت زياراته إلى سورية قد تكررت عام 1960 ثم 1961 ثم 1962، وألقى محاضرات نشرت في عداد تراثه.

ومع ذلك فقد ظلت الصلة وثيقة بدار الفكر والأستاذ عدنان سالم، ثم كان أن امتدت دار الفكر إلى السودان فافتتحت لها فرعاً في مدينة الخرطوم، وإذ كان مفكرنا يزور الخرطوم عام 1969 فقد اتفق مع دار الفكر لتقوم برعاية توزيع كتبه في طبعتها القاهرية، وقد وضع في هذه الزيارة أسس ترتيب كل ما يتعلق بذلك، وتوزيع كتبه الصادرة باللغة العربية، والتي صدر معظمها بترجمته المباشرة إلا ما كان في بداية إصداراته الأولى بترجمة الأستاذ عبد الصبور شاهين في القاهرة وبإشرافه المباشر. وحينما عاد مالك بن نبي إلى القاهرة حرر بقلمه وتوقيعه تفويضاً إلى دار الفكر والأستاذ عدنان سالم وشقيقه محمود لإعادة طبع كتبه في بيروت[1]، ثم زارنا في مدينة طرابلس عام 1971 وأصدر وصيته الشهيرة وسجلها في المحكمة الشرعية في طرابلس، وأوكل إليّ رعاية تراثه باللغة العربية كاملاً.

بعد وفاة مالك بن نبي رحمه الله كانت رعاية كتب مفكرنا تلقي عليَّ مسؤوليةَ متابعة الحفاظ على هذا التراث وانتشاره.

كانت دمشق بما خلف بن نبي من تلاميذ، وأبرزهم الكاتب والمفكر الإسلامي جودت سعيد، هي البيئة التي وجدت منار انتشارها في دار الفكر؛ بإشراف وحماس وتأييد من الأستاذ عدنان سالم شخصياً. وقد سهل ذلك مهمتي في الحفاظ على تراث بن نبي في وجهين، نصت عليهما وصية مالك بن نبي.

1–       مسؤوليتي في نشر أفكاره.

2–       وحقوق عائلته بعد وفاته من عائدات كتبه؛ إذ كانت تشكل مصدراً أساسياً لهم.

وهكذا وجدت في دار الفكر والأستاذ عدنان سالم كل ما يؤسس لمرجعية تحقق الأمرين معاً، وهكذا بدأنا العمل معاً؛ اعتباراً من أول كتاب أعدت طبعه، هو كتاب ميلاد مجتمع.

وها نحن أولاء بعد ما يقرب من ثلاثين عاماً من العمل المشترك؛ نتطلع إلى المدى الذي انتشرت به أفكار مالك بن نبي باللغة العربية من منارة دار الفكر.

لقد استطاع الأستاذ عدنان سالم الناشر للكتاب؛ أن يمنح حركة النشر معناها الحضاري والثقافي. هذا المعنى الذي يتجلى في ذلك التعريف بدور النشر المتداول عالمياً، في ثقافة المطبعة وتداول الأفكار في العالم، وهو أن دار النشر هي التي تستكتب الكُتّاب والمؤلفين ما تريد تناوله من قضايا ومشكلات باعتبارها من حراس الفكر في عالم الأفكار.

وإذ كنت من متابعي جهود الأستاذ عدنان سالم فإنني أرى فيه أكثر من ناشر في المفهوم التجاري، فقد أنشأ مع إصداراته صلة بالقارئ، تحثه على القراءة وتعرفه بقيمتها في مسار رسالة ثابتة؛ إنها رسالة تبليغ الثقافة الإسلامية لقارئ أوعى من مؤلف، ومفكر أوسع من مقتبس وناقل.

*من كتاب ( عاشق الفكر والثقافة )

[1] وثائق بخط مالك.

كاتب المقالة:

You may also like...

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *