قرآن عربي لأمة مسلمة

{وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلاَّ بِلِسَانِ قَوْمِهِ} [إبراهيم: 14/4] ، {وَهَذَا كِتَابٌ مُصَدِّقٌ لِسَاناً عَرَبِيًّا} [الأحقاف: 46/12] ، نزل به الروح الأمين جبريل على مسامع الرسول العربي في غار حراء في مكة المكرمة؛ لينذر به {أُمَّ الْقُرَى وَمَنْ حَوْلَهَا} [الشورى: 42/7] في خطاب عالمي {يَسَّرْنَاهُ بِلِسَانِكَ لِتُبَشِّرَ بِهِ الْمُتَّقِينَ} [مريم: 19/97] ؛ أصبحت بموجبه مكة المكرمة، أمَّ القرى وسرة الأرض؛ يتوجه المسلمون إليها من كل أنحاء العالم في صلاتهم، خمس مرات كل يوم، ويحج كل مسلم إليها مرة في العمر، في الموسم السنوي الذي أذن به إبراهيم أبو الأنبياء {وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالاً وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ * لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ} [الحج: 22/27-28] .. فكان أعظم وأقدم وأخلد مؤتمر في تاريخ الإنسان، مازال يكبر ويتعاظم عاماً بعد عام!!

لم تحُل اللغة العربية التي نزل بها القرآن دون بلوغ دعوته إلى كل أجناس البشر، وأن تحتل مكانتها اللائقة بها، وبكتابها المقدس، وأن تكون لغة عالمية معترفاً بها رسمياً من بين ست لغات للتخاطب في هيئة الأمم المتحدة، لما تتسم به هذه اللغة من دقة وتنوعٍ واستيعاب في مخارج حروفها، وتمييز لمدودها بين قصير يؤدى بالحركات وطويل يؤدى بأحرف المد، وقابلية للاشتقاق والتصريف والتصوير، لا تتوفر للغات الأخرى..

فما واجب المسلم الديني؛ عربياً كان أم أعجمياً، تجاه لغة كتابه المقدس (القرآن) الذي لا تصح صلاته إلا بها؟! وما واجب العربي التي هي لغته القومية تجاهها؟!

أما الواجب الديني الذي لا بد للمسلم فيه من الأذان للصلاة بالعربية، ومن قراءة الفاتحة وبضع آيات من القرآن في صلاته اليومية بلغته الأصلية (العربية)؛ فقد يكتفي للقيام به بحفظ ما لا تصح صلاته إلا به عن ظهر قلب، وقد يكتفي بتلاوة بعض سور من القرآن بالعربية لمجرد التبرك بها؛ يستوي في ذلك العربي والأعجمي.. أما الغوص في معانيه، ووعيه بوصفه دستور المسلم ومحور حياته، فإذا كان غير العربي يستطيع أن يحصل على مبتغاه منه بترجماته المتعددة إلى لغته، من دون أن يتذوقه ويستمتع بإعجازه وطلاوة لغته وأسلوبه، فهل يليق ذلك بالعربي الذي أكرمه الله بتنزيل القرآن بلغته؟!

هذا عن المقدس، وأما الجانب القومي المتعلق بالإنسان العربي؛ فالحديث عنه يتفرع فرعين اثنين:

أولهما يتعلق بالعربي ولغته التي ضيعها في أوطانه، ينبئك عن ذلك لافتات في الشوارع هجرت الحرف العربي إلى حرف لاتيني هجين، وعبارات كتبت على صدور الفتيان والفتيات وظهورهم بالحرف الأجنبي؛ لا يدرون ما تعنيه، ولغة متبادلة على الفيسبوك وغيره من وسائل التواصل الاجتماعي؛ اختلطت فيها العامية بالعربية والأجنبية بلا قاعدة ولا هوية، وعربية منقوصة بين أيدي المثقفين والمتعلمين؛ سُكنت فيها أواخر الكلم، وغابت عنها القواعد فأصبح الفاعل منصوباً والمفعول مرفوعاً.

وثانيهما يتعلق بالعربي المهاجر، وخاصة إلى أميركا التي تستقبله بالأحضان؛ فغالباً ما يكون من المتفوقين النوابغ الذين لم تستوعبهم بلدانهم، تستثمر نبوغه، وتتلقف أبناءه جيلاً بكراً؛ تمنحه الجنسية الأمريكية بالولادة، لتصوغه طبقاً لثقافتها؛ رضيعاً تتابع نموه، وإجراءات أمانه، ولقاحاته، وغذاءَه؛ لا تنقطع صلتهم به وبوالدته عند خروجها من مشفى التوليد.. ثم طفلاً تتولى فطامه عن أصوله؛ تتعهد لغته التي ينبغي أن لا تشوبها لكنة قد تعلق بها من لغة آبائه، وألا تزاحمها لغة أخرى تستميل لسانه ولهجته إليها، وتخرجها عن صفائها، وتتعهد مناهج تعليمه التي تتمحور حول تاريخ أمريكا، واكتشافاتها، وعلومها، واختراعاتها، وجذورها الحضارية الأوربية، وصورة قاتمة مشوهة عن العالم العربي والإسلامي، تحنطه عند قصص علاء الدين، وتعرض تخلفه، متجاهلة تطلعاته إلى اللحاق بالركب الحضاري العالمي، وإسهامه برفده وتنميته، بل وجاهدة في العمل على إطالة أمد تخلفه، وإثارة الفتن فيه، للإبقاء عليه سوقاً مفتوحة لتصريف منتجاته!!

هذه لمحة موجزة عن واقع قراءتنا للقرآن؛ عرباً وأعاجم، بلغته التي أنزل بها، وواقع اللغة العربية التي نزل بها القرآن؛ في عقر دارها وفي المهاجر، فأما قراءة العربي للقرآن في وطنه، فقد رسمنا منهجاً لتغييرها[1]، وأما قراءة أطفاله للقرآن في المهجر؟! فيجب الاهتمام أولاً بتمكين لغتهم العربية جنباً إلى جنب مع الإنجليزية؛ حرصاً على توثيق صلتهم اليومية بالقرآن الكريم؛ تلاوة وتدبراً، وعلى اطلاعهم على تاريخهم الإسلامي من معينه الصافي باللغة العربية، وعلى التواصل مع الثقافة العربية المتجددة، وإسهامهم في تنميتها، ولا بد لذلك من وضع نظام صارم لحصر التحدث بها في المنزل، والاستعانة ببرامج قوية لتعلُّمها من جهة، والإصغاء المشترك إلى برامج بالعربية في المنزل، لتعويد أسماعهم عليها؛ كالأناشيد الدينية الحديثة المختارة، وتلاوات القرآن المجودة والمفسرة، والقنوات التلفزيونية العربية المميزة، والحد من مشاهدتهم للمسلسلات الأجنبية، وخاصة المشبوهة منها!!

– وبالقدوة الصالحة: فلا يجوز أن يطلب الأهل من أبنائهم ما لا يلتزمون به في حياتهم الاجتماعية {أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ} [البقرة: 2/44] .. لا يجوز أن يقوم الأهل بتقديم التنازلات تلو التنازلات في علاقاتهم الاجتماعية وممارساتهم اليومية، ثم يطلبون من أبنائهم الالتزام بما لم يلزموا به أنفسهم..

– وبالإقناع والحجة والاصطبار والحوار؛ يمكن أن نصل مع أطفالنا إلى ما نصبو إليه؛ بقناعة منهم ورغبة، من دون أي إكراه؛ سوف يتجاوزونه حتماً، متى شبوا عن الطوق.

– وبالاعتزاز بإسلامنا من دون انتقاص للآخرين، وتعويد أطفالنا على قبول الآخر المختلف، والحوار معه دون الاندماج فيه {لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ} [الكافرون: 109/6] ، والانطلاق من المشترك الإنساني والكلمة السواء مع أهل الكتاب {قُلْ يَاأَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ} [آل عمران: 3/64] ..

– وبالإصغاء إلى أسئلة الأطفال، وخاصة في مرحلة المراهقة؛ مهما كانت غريبة أو جريئة، ومحاولة تفهمها والبحث عن أجوبة مقنعة لهم عنها، من دون قمع ولا إسكات، فذاكرتهم في موطنهم الجديد بكر، وخالية من قناعاتنا الأحادية التي تزودنا بها من أوطاننا الأصلية، ومناهج البحث التي يتلقونها في وطنهم الجديد، تشجعهم على التعدد والاختلاف والتساؤل؛ وعلينا التكيف معها؛ فنحن أولى بالشك من إبراهيم الذي قال: {رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِي الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي} [البقرة: 2/260] .

– وبتجنب إغراقهم بالغيبيات، وحصرِ توجيهاتهم لهم بالجنة والنار والآخرة؛ فالآخرة في عقيدتنا تسير مع الدنيا جنباً إلى جنب: {وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً} [البقرة: 2/201] والدنيا فيها هي دار العمل {خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً} [الملك: 67/2] ، والآخرة هي دار البقاء والخلود {وَإِنَّ الآخِرَةِ هِيَ دَارُ الْقَرَارِ} [غافر: 40/39] .

– وبتحصينهم من الانبهار بالحضارة الغربية، وتدريبهم على الأخذ بإيجابياتها مما ينفع الناس، وتجنب سلبياتها، والإسراف في متع الحياة الدنيا وزخرفها إلى حد الترف المفضي إلى هلاك الأمم {وَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيرًا} [الإسراء: 17/16] ، ولفت نظرهم إلى التوازن الخلاق لدى الإنسان المسلم {وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلاَ تُسْرِفُوا} [الأعراف: 7/31] ، {وَلاَ تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلاَ تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ} [الإسراء: 17/29] ، {قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ} [الأعراف: 7/32] .

*من كتاب نحن والقرآن ومتغيرات عصر المعرفة

محمد عدنان سالم

[1] رَ: القرآن وألف عام من القراءة الخاوية (ص15) وفي الفصل الثالث (حق التلاوة) ص54.

You may also like...

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *