القرآن وألف عام من القراءة الخاوية

* نقرأ القرآن في صلواتنا؛ أداءً لفروض مكتوبة وسنن مندوبة، لا نأتمر بمعروف أمرنا به، ولا ننتهي عن منكر نهانا عنه، لأننا لا نعي كلمة مما قرأناه فيها..

نقرأ وردنا اليومي من القرآن؛ همنا آخر الصفحة، لنسجل ختمة للقرآن؛ لا ننتفع منها بآية، ولا نفكر بمعنى..

نستمع إلى القرآن؛ تصدح به عشرات الفضائيات المتخصصة بتلاوته؛ نطرب لصوت القارئ؛ لا نجشم أنفسنا عناء قراءة المعاني المذيلة بهامشه..

نقرؤه على قبور موتانا.. نقرؤه في مجالس عزائهم.. نتوزع أجزاءه لنسجل ختمة جماعية نهب ثوابها لهم.. نقرؤه للتبرك، ونهمل الاهتداء بهديه..

نقرؤه؛ عرباً نزل بلغتنا {إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ قُرْآناً عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ} [يوسف: 12/2] كما يقرؤه أي أعجمي؛ لن تستطيع أي ترجمة له إلى لغته المحلية، أن تقدم له مواطن إعجازه..

* ألِمثل هذه القراءات أنزل {الْقُرْآنُ هُدىً لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ} [البقرة: 2/185] .؟!

أبمثل هذه القراءات بنى الجيل الأول أسرع حضارة في التاريخ الإنساني، وعهد إلينا بتبليغ رسالتها للعالمين إلى قيام الساعة؟!

أبمثل هذه القراءات سنستطيع المحافظة على أجيالنا في المهاجر؛ نجرعهم إياها صغاراً، وتتولى البيئات التي تحتضنهم إبعادهم عنها كباراً، بحسب مناهجها التي تقوم على الفهم والنقد والتساؤل؟!

أبمثل هذه القراءات، نقرأ نصوصنا الأدبية والعلمية، ونستطيع أن نتفهم مضامينها ونتذوقها؛ لنضيف إليها وننميها؟!

هل بمثل هذه القراءات سنستطيع الدخول في عصر المعرفة، واستثمار أدواته للغوص في أعماق القرآن وتفجير معانيه المتجددة؟!

* يجيبنا القـرآن بسـؤاله المثير: {أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ وَلاَ يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الأَمَدُ} [الحديد: 57/16] ، وباستنكاره الموجع: {أَفَلاَ يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا} [محمد: 47/24] ، وبشكوى كتابه المريرة: {يَارَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآنَ مَهْجُورًا} [الفرقان: 25/30] ، مؤكداً لنبيه المصطفى: أنه {كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الألْبَابِ} [ص: 38/29] ، ومقدماً لنا نموذج القراءة الذي يقوم به بناة الحضارات {الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلاَوَتِهِ أُوْلَئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ} [البقرة: 2/121] .

فما حق التلاوة؟ وما التدبر الذي يجب أن نفتح أقفال قلوبنا له؟!

*  *  *

منهج جديد لقراءة القرآن وتدبره

* ألا وإن حق تلاوة القرآن: أن نهتم بمضمونه كما نهتم بالشكل.. كلاهما مهم لأداء حق التلاوة..

أن نقـوِّم ألسنتنا بتجويد ألفاظه؛ ننطق بها كما نطـق بها الرسـول r؛ نخرج بها من اختلاف لهجاتنا المحلية، إلى لهجة موحـدة تحت راية القرآن، فذلك هو إتقان الشـكل..

وأن نلتفت – في الوقت ذاته – إلى وعي المضمون، فلا يليق بنا، ونحن نتلو كتاب الله، أن نردده كالببغاوات؛ تردد الأصوات ولا تعرف شيئاً من معانيها..

لنضع لقراءتنا للقرآن منهجاً جديداً؛ نتدرج به في الغوص على المعاني؛ فنضع لكل ختمة نبدؤها، هدفاً:

نبدأ ختمتنا الأولى بتحري معاني ألفاظ القرآن؛ نستعين لها بتفسير مبسط؛ يشرحها لنا على هامش الصفحة..

ونبدأ ختمتنا الثانية بتفسير وجيز يعطينا المعنى الكلي للآيات مع أسباب نزولها..

وفي ختمتنا الثالثة نستعين بتفسير وسيط، وفي الرابعة بتفسير أوسع، وفي خامسة نبحث لبعض ما أشكل علينا، عن آراء مختلفة في تفاسير أخرى، وفي سادسة نغوص في الأعماق لنستنبط – على بصيرة – ما استجد في الآفاق والأنفس من معاني القرآن، ولنصنع لأنفسنا تفسيرنا الخاص، محرراً من الإسرائيليات التي تغص بها بعض التفاسير، ومما فات أوانه من مفاهيم القرون السالفة.

على الرغم من كون القرآن قد نزل بلسان عربي مبين، فإن أبديَّته بوصفه الرسالة السماوية الخاتمة، قد دعت إلى سموِّه فوق مدارك البشر في لحظة التنزيل، ليظل كما وصفه الرسول r: «إن هذا القرآن هو حبل الله والنور المبين والشفاء النافع عصمة لمن تمسك به، ونجاة لمن اتبعه؛ لا يعوج فيقوَّم، ولا يزيغ فيستعتب، ولا تنقضي عجائبه، ولا يخلق عن كثرة الرد» [ابن أبي شيبة عن ابن مسعود رضي الله عنه ] .

لقد نشأت الحاجة إلى تفسير القرآن منذ عصر التنزيل، فكان صحابة الرسول يفهمون ظواهره، ويسألون الرسول عن بواطنه في حياته، وبعدما التحق الرسول r بالرفيق الأعلى، توسع المسلمون في تفسير القرآن؛ ليظل القرآن يزود كل جيل من الأجيال باحتياجاته العلمية والثقافية؛ بحسب مستواه المعرفي..

ونشأت للتفسير مدارس؛ بدأت بمدرسة التفسير بالمأثور، تلتها مدرسة التفسير بالرأي، ثم توالت مدارس التفسير: الاعتزالي، والصوفي، والفلسفي، والفقهي، والإشاري، والعلمي، إلى أن جاءت مدارس التفسير المعاصر المتعددة، وآخرها مدرسة التفسير الموضوعي التي لا تزال محاولات أولية تتناول موضوعات محددة في القرآن، نتطلع بواسطتها إلى مزيد من الحفر حول كنوز القرآن.

ولسوف نقدم أهم التفاسير مرتبة بحسب وفيات مفسريها؛ مع الإشارة إلى المدرسة التي ينتمي إليها (في الملحق رقم 1).

أحسب أنني بذلك أقدم مشروعاً جديداً لعلاقة المسلم بالقرآن؛ تجعله حياً فاعلاً يمشي على الأرض بما ينفع الناس، ويجعل المسلم متفاعلاً معه في صلاته، خاشعاً لخالقه في تلاوته؛ يقرأ كتابه كأنه ينزل عليه!!

من كتاب ( نحن والقرآن ومتغيرات عصر المعرفة )

محمد عدنان سالم

You may also like...

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *