“من كتاب عاشق الفكر والثقافة الأُستاذ محمد عدنان سالم ودار الفكر وأُخوَّة عقود “

د. شوقي أبو خليل

بسم الله، والحمد لله، والصَّلاة والسَّلام على سيدنا رسول الله، وعلى آله وأصحابه ومن اتَّبع هداه، وبعد..

فإذا كتبت عن الأُستاذ محمد عدنان سالم ودار الفكر، أكتب بصفات ثلاث:

أُولاها : صفة المؤلِّف، فقد ربطتني بالأُستاذ عدنان هذه الصِّفة منذ عام ألف وتسع مئة وسبعين، حينما بدأت بنشر كتبي بدار الفكر، أي منذ ثمان وثلاثين سنة.

وثانيتها : صفة الصَّديق الذي متَّنت الأيام رابطته مع الدَّار.

وثالثتها : صفة الموظف الذي يدير إدارة النشر في دار الفكر منذ عام ألف وتسع مئة وتسعين، وهذه الصِّفات الثلاث، كانت وما زالت يكمِّل بعضها بعضاً إلى يومنا هذا، وفي قادمات الأيّام إن شاء الله.

ومن هنا، فإذا تكلَّمت عن الأستاذ محمد عدنان سالم وعن دار الفكر، فإنما أتكلّم من خبرة ومعرفة وتجربة.

تتلخَّص سيرة الأستاذ محمد عدنان سالم بجملة واحدة هي: «رسالة العلم والثَّقافة نحو سعادة البشرية»، ولهذه الرِّسالة عاش أيّامه، وحولها دارت حياته وأعماله ومشاريعه.

في دمشق الفيحاء وُلِدَ محمد عدنان سالم سنة ألف وتسع مئة واثنتين وثلاثين، وبها نشأ، وبها تزوَّد بثقافة واسعة، وبعد الثَّانوية العامَّة تاقت نفسه إلى كليَّة الحقوق، وفضَّلها على كليَّة الآداب.

ومع تفتُّح وعيه، تشكَّلت لديه في مرحلة الشَّباب تساؤلات قلَّما كانت تخلو منها نفس أقرانه، إلا أنَّها كانت في نفسه أعمق، ولعلها هي التي شكَّلت في عقله فكراً خاصّاً، بقي في ذهنه ينهل منه في كلِّ حياته:

–  لماذا تعاني مصطلحات الفقه غربة في العصر الحديث؟

–  لماذا يتشدَّدون في المذاهب الفقهية؟

–  ماذا تعني كرامات الأولياء؟

–  لماذا يهتم الناس بالأحلام والمنامات؟

–  لماذا لا ننفتح على الآخر، ونفتح معه باب الحوار؟

تأثر الشاب محمد عدنان سالم بالحياة الجامعية الثقافية الحاشدة التي كانت تحياها الجامعة السورية – جامعة دمشق – في الخمسينيات، وما صاحبها من فورة الطلاب السياسية والفكرية والاجتماعية بكل مظاهرها العنيفة، هذه الحياة ما كانت لتترك طالباً دون أن تمسك به في أحد تياراتها المتصارعة، فكيف بشاب متوثب الفكر، مرهف الأحاسيس مثل محمد عدنان سالم؟

وتركزت في ذهن الشاب الجامعي بكل حماسه واندفاعه أفكار متوثبة، على رأسها الإيمان بضرورة التغيير إلى

الأحسن والأمثل، من خلال الحوار والحجة.

ومع المحاماة، بدأ الرجل محمد عدنان سالم حياته العملية، إلا أنه لم يصبر على أجوائها وما آلت إليه أحوالها في المحاكم، فلم تعد تعتمد على العلم، بل على التأجيل والتسويف، وما يسمى عند كثير من الناس شطارة، ولذا، فلم يمضِ أكثر من ستة أشهر إلا وكانت المحاماة محطة من محطات رحلة الرجل، وراح يتساءل عن عمل يجد فيه نفسه، وسرعان ما وجد ضالته في الكتاب الذي أحبه وشغف به.

لماذا لا أخدم الكتاب والثقافة؟

فكرة لمعت في ذهنه ثمَّ نفِّذت مع مطلع عام ألف وتسع مئة وسبعة وخمسين، وجدت صداها عند أخيه الأستاذ محمد الزعبي، وأخيه أحمد الزعبي، فبدأت دار الفكر بمطبعة يدوية، تطورت إلى صالة عرض، فدار للنشر ضربت بجذورها في أرض العلم، وبفروعها وأغصانها في آفاق المعرفة المتجددة.

لم يكن الأستاذ محمد عدنان سالم ليسعى كي يكون بائع كتب لا يهمه المضمون، ولا يعنى بالفكر، وإنما كان يخطط لرسالة يقوم بأعبائها من مسؤولية تامة، هي مسؤولية الكلمة التي تبني الإنسان، وتنشئ الحضارة، وتواجه العدو، وتدافع عن البلاد والعباد، وخاصة أنه تأثر بفكر مالك بن نبي، وأعجب بطروحاته في مشكلات الحضارة، التي محورها الإنسان.

ووضعت دار الفكر منذ أيامها الأولى خطوطاً عريضة لأهدافها، انحصرت في نقاط هامة، على رأسها تقديم المهم النافع من الكتب، والحوار، والتجديد، والتواصل مع القارئ، واحترام الحقوق الفكرية، والطفولة الميدان الأهم.

وفي مجال التطبيق، اعتمدت الدار على معايير أساسية لم تخرج عنها، هي معايير الإبداع والعلم والحاجة، ومعايير التدقيق اللغوي لكل كتاب، ومعايير التخطيط للمستقبل، وهندسة الأبحاث والأفكار، وغلفت كل ذلك بمضمون الحديث الشريف: «إن الله يحب من أحدكم إذا عمل عملاً أن يتقنه».

وما لبثت المطبعة أن تطورت، فاستقدم الأستاذ عدنان مطبعة آلية، وتطورت دار الفكر في مجال الطباعة مع الأجهزة الحديثة، ثم خطت خطوة نوعية في مجال الطباعة، فأدخلت إلى دمشق، بل إلى سورية أول مرة في تاريخ طباعتها أجهزة للصف التصويري الضوئي في السبعينيات، وسارعت بعدئذ قبل كل دور النشر فاعتمدت الطباعة الحاسوبية، وعلى إثر ذلك، توسعت اتصالات الدار وصلاتها، فقامت بأعمال نشر مشتركة مع مؤسسات عديدة، كالمعهد العالمي للفكر الإسلامي، ومركز جمعة الماجد للثقافة والتراث في دبي، ودار صادر في بيروت، ومعهد غوته الألماني.

وقد بلغت منشوراتها حتى اليوم أكثر من ألفي عنوان، غطت جميع أنواع المعرفة، واهتمت بالأحداث الجارية المتعلقة بهموم الأمة، هذا غير السلاسل والموسوعات والنشر الإلكتروني.

ولم يكن الأستاذ عدنان تلقاء هذا الخضم من الكتب، وقد أصبحت الدار مَعلماً مشهوراً في دمشق، يستقطب المثقفين ورجال العلم، وهواة القراءة، ليفكر بحمل القلم والكتابة، مع مقدرته الفكرية، لكن الأحداث الأخيرة التي اضطربت لها الأمة، دفعته إلى الكتابة، فبدأ بكتابه الأول (القراءة أولاً)، وتوالت كتبه بعدئذ، فكتب: هموم ناشر عربي، وأضواء على كتاب الجهاد في الإسلام، والكتاب العربي وتحديات الثقافة، والكتاب في الألفية الثالثة: لا ورق ولا حدود، وأمريكة والإرهاب.

واشترك في تأليف كتب وأشرف عليها، منها: المعجم المفهرس لمعاني القرآن العظيم، وتسريع القراءة وتنمية الاستيعاب، ومعجم تفسير كلمات القرآن، والاستنساخ جدل العلم والدين والأخلاق، والتفسير الوجيز لمعاني القرآن العزيز، ومعجم كلمات القرآن العظيم، والموسوعة القرآنية الميسرة.

ولديه كتب في مسوداتها تحتاج إلى قليل عناية، تنتظر الوقت الذي يضيق على الأستاذ مع امتداد الأيام.

والكتابة التي يكتبها الأستاذ عدنان في مؤلفاته، مع متانة العبارة، ورشاقة الأسلوب، تنطلق من المبادئ التي آمن بها؛ قوة الكلمة، كتاب صغير يولِّد من النور ما لا يولِّده أي مصدر للطاقة، والعاقبة للحق مهما طال صراعه مع الباطل.

لكل ما تقدم، فإن دار الفكر بمديرها العام محمد عدنان سالم، لم تكن يوماً مجرد دار نشر، ولم يرد أصحابها أن تكون كذلك، وإنما كانت مؤسسة ثقافية ذات أهداف ذكرناها. وقد ترجمت هذه الأهداف إلى عمل واقع، صدق المبادئ التي قامت عليها الدار، ونمت مع الأيام وتطورت، لم يثنها عنها أبداً ما مر عليها من أزمات مادية ومعنوية، وما أتى عليها من مغريات في سوق الكتاب، استفادت منها جماعة، فقدمت الغثاء، وارتفعت به في دنيا المال لظروف خاصة.

الحديث عن دار الفكر اليوم يطول بعد أن تجاوزت الخمسين عاماً من عمرها، وصار لها على الإنترنت عدة مواقع، ولها تواصل مع قرائها؛ عبر بنك القارئ النهم، ونادي القراء الذين تجاوزوا عشرة آلاف قارئ على امتداد الوطن العربي والعالم، وجائزة دار الفكر السنوية للرواية، وتكريم المؤلفين في حياتهم كل سنة، والأسابيع الثقافية والندوات الفكرية المتصلة..

وأخيراً

شغل الأستاذ محمد عدنان سالم مهمات جرَّت عليه أعباء إضافية فوق أعباء الدار، فهو رئيس اتحاد الناشرين السوريين منذ عام ألف وتسع مئة وستة وتسعين، وهو نائب رئيس اتحاد الناشرين العرب، ورئيس اللجنة العربية لحماية الملكية الفكرية.

فمن صفتي الأولى مؤلفاً؛ كتبي كلها، وقد جاوزت المئة، نشرت في دار الفكر حصراً.

ومن صفتي الثانية أخاً وصديقاً، أبارك لدار الفكر ومديرها العام الأستاذ محمد عدنان سالم هذا التقدير والاحترام والتكريم، فهو لذلك أهل.

ومن صفتي الثالثة مديراً للنشر في دار الفكر، أشكر كل من قدر دار الفكر وكنَّ لها احتراماً، على تقديره واحترامه.

بارك الله بناشرينا وقرَّائنا وكتب لهم ولنا السَّلامة في الرأي.

والحمد لله ربِّ العالمين أوَّلاً وآخراً.

You may also like...

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *