الكتاب والقرآن

الكتاب: خزانة المعارف الإنسانية، ومستودع التجارب البشرية المتراكمة، يحفظها السلف للخلف، كي ينطلق الخلف منها، ويبني عليها؛ موفراً على نفسه عناء التكرار والإعادة.

و (الكتاب) إذا أطلق، فإنه يعني كلمة السماء. ففي الصحف الأولى بدأت الأرض تقرأ سطور الحضارة.

وليس شيء في الدنيا أشرف ولا أقدس من (الكتاب).

وكلُّ ما يتصل بالكتاب، أو يشتق لغوياً منه، أو يتعامل معه؛ صناعة أو استهلاكاً، فإنه يستمد منه هذا الشرف وهذه القداسة.

ولقد تكرر ذكر مصطلح (الكتاب) في القرآن الكريم أكثر من مئتي مرة، كما تكرر ذكر (القلم) وما يَسطر، و(الكلمة) الطيبة، وحق (التلاوة)، فضلاً عن مصطلحات: القراءة، والتدبر، والعقل، والنظر، والتفكر، والسمع، والبصر، والفؤاد، بوصفها وسائل المعرفة الموصلة إلى (العلم).

وأما مصطلح (أهل الكتاب) فقد تكرر في القرآن الكريم إحدى وثلاثين مرة.

والأديان السماوية التي أطلق عليها القرآن الكريم مصطلح (أهل الكتاب)؛ ثلاثة:

أولها: اليهودية، وكتابها (التوراة)، العهد القديم، وهو الألواح التي تلقاها موسى (كليم الله) عليه السلام، من الله عز وجل.. تكرر وروده في القرآن الكريم ثمانية عشر مرة.

وثانيها: النصرانية، وكتابها (الإنجيل) الذي بعث به عيسى ابن مريم صارخاً {يابَنِي إِسْرَائِيلَ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ فَلَمَّا جَاءَهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ قَالُوا هَذَا سِحْرٌ مُبِينٌ} [الصف: 61/6] .. تكرر لفظه في القرآن الكريم اثنتي عشرة مرة.

وثالثها: الإسلام، وكتابه (القرآن)، الذي أنزل على محمد رسول الله وخاتم النبيين r، {قُرْآناً عَرَبِيًّا غَيْرَ ذِي عِوَجٍ} [الزمر: 39/28] .. تكرر لفظه في القرآن سبعين مرة.

* لم يقيض لليهودية والنصرانية أن تحتفظ كل منهما بكتابها موثقاً كما نزل من عند الله، فلا ألواح موسى (التوراة)، ولا كتاب عيسى (الإنجيل)؛ وصلا إلينا بصيغة واحدة معترف بها، فقد كتبا بعد زمن طويل من نزولهما، واختلفت رواياتهما باختلاف الرواة الذين كتبوهما، فاعتراهما كلُّ ما يعتري تعدد الروايات من التحريف!!

وحده القرآن الكريم وصل إلينا؛ مكتوباً موثقاً محفوظاً{إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ} [الحجر: 15/9] .

* كانت رسالة كل من موسى وعيسى، عليهما السلام، موجهة إلى بني إسرائيل، وكان بنو إسرائيل وحدهم المخاطبين بهما.. وحدها رسالة محمد عليه الصلاة والسلام، كانت موجهة إلى كل الناس؛ من كل الأعراق والأجناس، نادى بهم: {يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا} [الأعراف: 7/158] .

و (القرآن) آخر كتاب تلقته البشرية من السماء؛ يمثل الثابت من القيم، والفرقان من الكلم، لا يزيغ فيستعتب، ولا يعوج فيقوَّم، ولا تنقضي عجائبه، ولا يخلَق من كثرة الرد، وهذا هو سرّ إعجازه. وبذلك بقي (القرآن) وسيبقى ملهماً للبشرية في أجيالها المتعاقبة؛ يرتشف منه كل جيل ما يضيء له السبيل، ويرتقي بفهمه وتفسيره له، على قدر ارتقاء معرفته ونمو طاقته العلمية.

* أكد القرآن وحدة الرسالات السماوية كلِّها، ودعوتَها الموحدة إلى توحيد الله تعالى، وإفرادِه بالعبودية {مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ} [الحج: 22/78] ، كما اعترف بكل الأنبياء السابقين – خلافاً لليهود الذين أنكروا نبوة عيسى، مثلما أنكروا نبوة محمد من بعد – {قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيْسَى وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لاَ نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ} [البقرة: 2/136] .

* لم يلغِ القرآن ما كان قبله من الديانات، ولم يحرِم أتباعها من الجنة {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ *} [البقرة: 2/62] .

* ألغى القرآن الوساطة بين الله والإنسان، وجعل العلاقة مباشرة بينه وبينه، فلا كهنوت فيه ولا أحبـار ولا رهبان {وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ} [البقرة: 2/186] ، {ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ} [غافر: 40/60] .

* أنهى القرآن عصور الخوارق والمعجزات؛ معلناً بلوغ الإنسانية رشدها ونضوجها، وتجاوزها الحاجة إلى المعجزات لإثبات صدق أصحاب الرسالات: {وَقَالُوا لَوْلاَ أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَاتٌ مِنْ رَبِّهِ قُلْ إِنَّمَا الآيَاتُ عِنْدَ اللَّهِ وَإِنَّمَا أَنَا نَذِيرٌ مُبِينٌ * أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ يُتْلَى عَلَيْهِمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَرَحْمَةً وَذِكْرَى لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ} [العنكبوت: 29/50-51] .

* وببلوغ الإنسانية رشدها، انقطعت حاجتها إلى الوحي، فأعلن القرآن الكريم ختم النبوة {مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ} [الأحزاب: 33/40] ، وعهد إلى الإنسان بمتابعة كفاحه لإثبات جدارته بحمل المسؤولية التي تصدى لها: {إِنَّا عَرَضْنَا الأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولاً} [الأحزاب: 33/72] .

ولقد كان انقطاع الوحي من السماء، بمثابة الإجازة العلمية للعقل البشري كي يبدأ بالعمل، وكان إعلاناً عن محو (الأمية)، وإيذاناً ببداية عصر (العلم).

* إنه الإسلام (سلة الأديان) ؛ المشتمل عليها والجامع لها جميعاً، دين التوحيد الخالص، والإيمان برب العالمين، ووحدة الأصل الإنساني، والدعوة إلى التعايش والتسامح والتكامل بين الشعوب، وقبول الآخر والاعتراف بحقه في الاختلاف، والحوار المتكافئ معه {قُلْ إِنْ كَانَ لِلرَّحْمَانِ وَلَدٌ فَأَنَا أَوَّلُ الْعَابِدِينَ} [الزخرف: 43/81] .

محمد عدنان سالم

من كتاب ( نحن والقرأن ومتغيرات عصر المعرفة )

You may also like...

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *