مستقبل الدراسات القرآنية وأسئلة عصر المعرفة

محمد عدنان سالم…في حياة البشرية – منذ أن {أَتَى عَلَى الإِنْسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئًا مَذْكُورًا} [الإنسان: 76/1] – تحوُّلات كبرى؛ تقلَّب فيها من عصر الصيد، إلى عصر الرعي، إلى عصر الزراعة، إلى عصر الصناعة.. كان في كل تحولٍ منها، يبدِّل أدواته، ووسائله، وطرق إنتاجه، فتتبدل معها عاداته وتقاليده وعلاقاته وقيمه، ويتضاعف إنتاجه خمسين ضعفاً عما كان عليه في العصر السابق.

والكتاب أحد وسائل الإنسان التي رافقت التحولات كلها، وتطورت معها، مستفيدة من تقنياتها الجديدة كلها؛ من الرمز إلى الحرف إلى النقش على الحجر، إلى الكتابة على الطين والعظام وجلود الحيوانات، وسعف النخيل، إلى الكتابة على الورق منذ اكتشافه، إلى الطباعة منذ غوتنبرغ، وقد ذكر لنا القرآن الكريم الكتاب، وكل ما يتصل به من صفات وأدوات {كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ} [الأنبياء: 21/104] ، {وَمَا كُنْتَ تَتْلُو مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتَابٍ وَلاَ تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ} [العنكبوت: 29/48] ، {وَلَوْ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ كِتَابًا فِي قِرْطَاسٍ} [الأنعام: 6/7] ، {وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَابًا يَلْقَاهُ مَنْشُورًا} [الإسراء: 17/13] . {ن وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ} [القلم: 68/1] ، و{قُلْ لَوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِكَلِمَاتِ رَبِّي} [الكهف: 18/109] .

الآن؛ والعالم يشهد أعظم تحوُّلٍ في تاريخ البشرية؛ من عصر الصناعة إلى عصر المعرفة، في طريقه إلى عصر الحكمة-الذي سيختتم به وجوده على هذه الأرض، وكفاحه المرير لأداء الأمانة التي تصدى لحملها، بعد أن أبت السماوات والأرض والجبال أن يحملنها وأشفقن منها- كيف سيتكيف مع هذا العصر ومستجداته ومتغيراته ومتطلباته؟!

العصر الصناعي، كان يعتمد على الأشياء المتمثلة في الآلة والمواد الأولية، وعلى العمالة اليدوية، وكل منها متفاوت الوجود بين الأمم، أما عصر المعرفة فهو يعتمد على الأفكار والعمالة الفكرية، والفكر موزع بين الأمم بالتساوي، يفوز بالسباق فيه من كان أكثر إعمالاً لعقله!!

«إنه التغيير غير المسبوق في الطبيعة الإنسانية؛ أول مرة يمتلك الخيارات عدد كبير من الناس؛ يتزايد بسرعة.. أول مرة يدير الناس أنفسهم بأنفسهم،والمجتمع لم يتهيأ لذلك بعد»[1].

ولعل السبب الرئيسي في الأزمة الاقتصادية العالمية الراهنة، أن العالم الذي يعيش الآن عصر المعرفة ما يزال يدير مؤسساته بعقلية العصر الصناعي. «إن منظومة التفكير التي كانت سائدة في العصر الصناعي.. لن تعمل في عصر عمال المعرفة والاقتصاد الجديد»[2].

وربما كان التحدي الكبير الذي يواجهنا، ونحن نحاول رسم مستقبل الدراسات القرآنية، الأسئلة التي يطرحها التحول إلى عصر المعرفة الرقمي:

– فكيف ستفهم أجيال عصر المعرفة الطي الرقمي للكتب؟ والكتاب المسطور في رَقٍّ منشور؟! والخط باليمين؟ والسطر بالقلم وبالمداد؟ بعد أن أصبح القلم أزراراً تكتب بأحرف من نور، وأصبح الرَّق المنشور شاشة افتراضية تبرز لقارئها من جواله المحمول في الهواء الطلق؟!

– وكيف ستكون تلاوتهم للقرآن وتدبرهم له، وقد أمدهم جهازهم الصغير بكل ما يطمحون إليه من الوسائط من صوت ولون وصورة، وقدرة فائقة على الحركة والتقدم أو الاسترجاع، والتفرع؛ تفسيراً وكلمات ونظائر ومعاني؟!

– هل ستكون قراءتهم أوعى؟ وهل سيكونون الأقدر على الاستيعاب والتطبيق والدعوة والتبليغ؟!

– هل ستنحو الدراسات القرآنية منحى الدراسات الفقهية؛ فتحتفظ بمصطلحات القرون الأولى؛ كالقلة والصاع والذراع الهاشمي في المقاييس، واستعمال الحجر والخرقة والتراب في التطهير، واشتراط الحرية (بمعنى عدم الرق) في الحاكم؟!

– كيف ستتعامل الدراسات القرآنية المستقبلية، مع النصوص القرآنية التي انقضت الحاجة إليها لزوال مقتضاها؛ كالرق الذي جفف القرآن ينابيعه؛ فلم ترد فيه آية واحدة عن الاسترقاق من جديد، بينما فتح الأبواب مشرعة على مصراعيها لتحريره؟!

من كتاب ” نحن والقرآن ومتغيرات عصر المعرفة ” تاليف محمد عدنان سالم

[1] العادة الثامنة؛ ستيفن كوفي، دار الفكر، ص39.

[2] العادة الثامنة، ستيفن كوفي، دار الفكر، ص43.

You may also like...

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *