منهج جديد لتعليم القرآن للأطفال

ما زال على أطفالنا أن يحفظوا الأجزاء الأخيرة من القرآن، كما كانوا يفعلون طوال القرون الأولى، بذريعة أن سورها من القصار، بغضِّ النظر عن صعوبة مفرداتها ومدى قدرتهم على فهم معانيها، بل إن حفظهم لها مرتبط غالباً بالألفاظ والمباني؛ يرددونها كالببغاوات، دون أي إدراكٍ لمعانيها.. وربما شاب أحدهم من دون أن يتعرف معنى: {غَاسِقٍ إِذَا وَقَبَ} [الفلق: 113/3] في سورة الفلق، أو معنى كلمة {وَأَبًّا} [عبس: 80/31] . وهذا المنهج في تحفيظ النصوص معزولةً عن معانيها مخصص لتدريس القرآن الكريم في المدارس، يقابله الحرص على تفهيم المواد الدراسية الأخرى. الأمر الذي يرسخ هذا الانفصام بين الألفاظ والمعاني في ذاكرتهم، كلما كان الأمر متعلقاً بالقرآن الكريم.

وقد سبق لأحد كبار المربين أن حدثنا عن الصعوبة التي كان يلاقيها في استجلائه معاني سورة (يس)؛ إذ كانت الألفاظ تسابقه فلا تدع له مجالاً للتدبر، وذلك بسبب حفظه المبكر، وتلاوته المتكررة لها.. الأمر الذي دعاه للتفكير بمنهج آخر لتعليم القرآن للأطفال.

وقد أطلعنا يومها على تجربته مع طفلة في سن السابعة: قصَّ عليها قصة أصحاب الجنة إذ أقسموا ليصرمنها مصبحين.. قصها أولاً بأسلوبه الخاص وكلماته المبسطة، ثم طلب منها أن تحكيها لنا فحكتها، ثم أعاد قصّها عليها، مستبدلاً بكلماتها القرآنية كلماته المبسطة،واستعادها منها فأعادتها مع بعض التعثر، ثم قال لها: اسمعي القصة كما حكاها لنا القرآن الكريم،فاستمعت واستمتعت، وأعادت القصة القرآنية بيسر وثقة.

وفي رأي الدكتور أمين المصري صاحب التجربة؛ أن تعليم القرآن للصغار ينبغي أن يتدرج بهم من القصص القصيرة والمتوسطة؛ كرحلة الشتاء والصيف لقريش،وقصة أصحاب الفيل، وقصة أصحاب الأخدود.. إلى القصص الطويلة، كقصص موسى وفرعون، وقصة يوسف وإخوته الغنية بالمعاني.

هذا للمستوى الأول، ثم تليه آيات الأخلاق والقيم للمستوى الثاني، ثم المفاهيم المجردة والأحكام للمستوى الثالث.

إن ولع الطفل بالقصة كبير لا حدود له، والقرآن الكريم على الرغم من كونه حافلاً بالقصص الواقعية المثيرة لخيال الطفل، فإن له هدفاً تربوياً لا يخفى؛ يُستخدم لتحقيقه التصوير الفني وأسلوب الحوار والإيحاء.

فإذا أحسنّا إيصال مشاهد القصص القرآني إلى نفوس الأطفال بلغة قريبة من مداركهم، ثم تلونا عليهم الآيات الواردة فيها، مع تفسير لبعض ألفاظها الغريبة، فإن ذلك سيرسخها في نفوسهم، مع كل مضامينها وأهدافها التربوية والأخلاقية.

وقد صرح القرآن بالهدف في بعض قصصه، وترك للقارئ أن يستخرجه في بعضها الآخر.

«وربما ترد القصة القرآنية الواحدة مكررة في مواضع شتى من القرآن الكريم، وهي في كل موضع من هذا التكرار تحقق غرضاً أو هدفاً غير الأهداف التي حققتها في المواضع الأخرى»[1]. ومن أمثلة هذا النوع قصص موسى عليه السلام التي يوردها القرآن على حلقات؛ في كل منها عدة مشاهد.

وقد تكون القصة طويلة كقصة يوسف عليه السلام، وقد استغرقت سورة بكاملها؛ عرضت لنا في حلقة أولى كيد إخوته الذين ألقوه في غيابة الجب،وفي حلقة ثانية: يوسف في بيت عزيز مصر،ومحنته مع امرأة العزيز، ثم مرحلة السجن في حلقة ثالثة، ليخرج بعدها إلى سدة الرئاسة أميناً {عَلَى خَزَائِنِ الأَرْضِ} [يوسف: 12/55] ، في الحلقة الرابعة.

هكذا نجد في القرآن عشرات القصص التي تشكل نبعاً ثراً غنياً لتحفيظ الأطفال، مع تحقيق الأغراض التربوية الأخرى، من الاستمتاع، والفهم، والتدبر، والاعتبار.

ويبقى أن يقدم الباحثون من الزاد المعرفي، ما يحقق هذا المنعطف الكبير في تاريخ تعامل الأمة الإسلامية مع كتاب الله تعالى، وإعادته إلى نطاق الفعالية والتأثير.

محمد عدنان سالم 

من كتاب ( نحن والقرآن ومتغيرات عصر المعرفة )

[1]     التربية بالقصة: عبد الرحمن النحلاوي، دار الفكر- ط1/2008– ص17.

You may also like...

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *