معاجم المعاني

ما حظي كتاب في تاريخ البشرية بمثل ما حظي به القرآن العظيم،عناية ورعاية؛ من حيث جمعه وحفظه، وكتابة آياته، ورسم حروفه، وإعراب كلماته،وضبط قراءاته، وشرح مفرداته وتفسير آياته وسوره، ودراسة لغته، وتذوق بلاغته، وإظهار إعجازه،وبيان أحكامه، وفهرسة ألفاظه، واستخراج موضوعاته، والعناية بطبعه وزخرفته وجمال منظره، إلى غير ذلك من الخدمات التي يتقرب بها إلى الله عز وجل.

غير أن المكتبة القرآنية ما زالت مفتقرة إلى خدمة القرآن العظيم من ناحية استخراج المزيد من كنوزه، وتوليد معانيه، وفهرسة موضوعاته، إذ من المعلوم أن كل موضوع في القرآن يشكل وحدة متكاملة، متناثرة في آيات القرآن وسوره.

ولئن كان الاجتهاد في معاجم كلمات القرآن محدوداً؛ لا يعدو طريقة ترتيب الكلمات على جذورها، أو على صورتها الواردة كما هي من دون رد إلى أصل أو جذر، فإن بابه في معاجم المعاني مفتوح على مصراعيه، يدعو الباحثين إلى ولوجه بفعالية وهمة.

ذلك أن كتاب الله تعالى الذي لا تنقضي عجائبه، ولا يخلق من كثرة الرد؛ بحر زاخر بالمعاني، متجدد يُمد كل جيل من أجيال البشرية بأجوبة على أسئلتها المستجدة، وبمعان جديدة لآياته؛ يصقلها النظر المتعمق،ونمو المعارف البشرية المتواصل، وبحلول لمشكلاتها الطارئة؛ تلبي احتياجاتها المتنامية.

وعلى الرغم من اهتمام السلف بموضوعات القرآن والتأليف فيها كلاًّ على حدة، فإن إسهاماتهم في معاجم المعاني كانت محدودة، وأول من ألف فيها في العصر الحديث المستشرق جون لابوم في كتابه (تفصيل آيات القرآن)، الذي وزعها على عشر موضوعات رئيسية، فرَّع منها موضوعات فرعية؛ تُرتب على الباحث أن يقرر الفرع الذي يندرج فيه موضوعه،وأن يكرر محاولته كلما أخفق في تحديد هذا الفرع.

ثم سار على نهج جون لابوم عدد من المؤلفين المسلمين،أمثال د.محمد فارس بركات في الجامع لمواضيع آيات القرآن الكريم، وأحمد إبراهيم مهنا في تبويب آي القرآن من الناحية الموضوعية، ومحمد زكي في الترتيب والبيان عن تفصيل آي القرآن الكريم، ومحمد محمود إسماعيل في تصنيف آيات القرآن الكريم، ود. محمد حسن الحمصي في تفسير وبيان مفردات القرآن.

إلى أن قامت دار الفكر عام 1995 بإصدار (المعجم المفهرس لمعاني القرآن العظيم) في جزأين من إعداد محمد بسام رشدي الزين، وإشراف محمد عدنان سالم. ويهدف هذا المعجم إلى جمع الآيات القرآنية التي يربطها موضوع واحد،وفرزها إلى موضوعات فرعية وأفكار جزئية، تظهر من خلالها وحدة الموضوع وترابطه المنطقي؛ ثم إخراج هذه الموضوعات الرئيسية والفرعية مرتبة ترتيباً معجمياً ألفبائياً.

يسعى هذا المعجم إلى خدمة الباحثين والدارسين، والخطباء والواعظين، وكل طالب علم، وطالب فهمٍ وتدبُّر لكتاب الله عز وجل، إذ يخفف على الباحث عناء البحث عن مراده إذا أراد تناول موضوع تطرق إليه القرآن العظيم، ويضع بين يديه مخطط البحث، وأفكاره الرئيسية.

وإذا كان المرحوم الأستاذ فؤاد عبد الباقي قد يَسَّر للباحثين مهمة الرجوع إلى آيات القرآن العظيم من خلال ألفاظه؛ فإن هذا المعجم ييسر لهم مهمة الرجوع إلى آيات القرآن العظيم من خلال موضوعاته؛ الرئيسية منها والفرعية.

فإذا رام الباحث التعرف على آيات الموضوع الذي يهمه، وليكن الحوار (على سبيل المثال) فإنه لن يجد في معجم كلمات القرآن غير آيتي الكهف {فَقَالَ لِصَاحِبِهِ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ} [الكهف: 18/34] ، و{قَالَ لَهُ صَاحِبُهُ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ} [الكهف: 18/37] ، وآية المجادلة {وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا} [المجادلة: 58/1] .

لكنه في معجم معاني القرآن العظيم سيجد حوالي 80 صفحة على عمودين في موضوع الحوار؛ يتفرع منه على المستوى الثاني خمسة عشر موضوعاً؛ هي: الحوار: أسلوبه، حوار الإنسان مع الكائنات الأخرى، الحوار الإنساني، الحوار بين الله وإبليس، الحوار بين الله والأنبياء، الحوار بين الله والإنسان، الحوار بين الله والملائكة، الحوار بين أهل النار، الحوار: شكله، ضرورته، قطعه، قواعده، الحوار المذموم، الحواريون.

ثم يتفرع من كل منها موضوعات على المستوى الثالث: فالحوار: قواعده (على سبيل المثال): يتفرع منه ثمانية فروع هي: الأدب، إظهار الحق، البعد عن التناقض، البعد عن المكابرة، التجرد، الصدق، طلب الدليل، العلم.

ثم يتفرع منها على المستوى الرابع موضوعات، فالحوار، الإنساني، الدعوي (على سبيل المثال) يتفرع منه: بين إبراهيم وقومه، بين شعيب وقومه، بين صالح وقومه، بين لوط وقومه، بين موسى وفرعون، بين موسى وقومه، بين موسى وهارون، بين نوح وابنه، بين نوح وقومه، بين هود وقومه، مع أهل الكتاب.

وعلى الرغم من انتفاع عدد كبير من الباحثين والخطباء بهذا المعجم، وإعادة طبعه؛ فإن الحاجة ماسة إلى تطويره،وتزويده بمداخل جديدة لموضوعات: إما أن عناوينها المفتاحية قد تغيرت بتغير الزمان، أو أن اكتشافات جديدة أضافت إليها معاني جديدة كالتي ستأتي الإشارة إليها في فصل الإعجاز القرآني[1].

ولا شك أن كل قراءةٍ جديدة واعية للقرآن سوف تضيف مفاتيح جديدة لكنوزه التي لا تنفد، تكون نواة لمكنـزٍ يتنامى على مر الدهور.

من كتاب ( نحن والقرآن ومتغيرات عصر المعرفة ) الصادر حديثا عن دار الفكر بدمشق.

[1]     لقد أنجزت دار الفكر هذا التطوير، ليصدر المعجم قريباً في طبعة جديدة منقحة، تم تعديلها جذرياً؛ لتجنب التكرار لبعض الآيات اكتفاء بالإحالة إليها، ولحذف المداخل المتعلقة بالألفاظ اكتفاءً بورودها في معجم كلمات القرآن، وإضافة مداخل جديدة شاع استخدامها حالياً.

محمد عدنان سالم

You may also like...

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *