عملاق…

بقلم سحر مهايني… كثيراً ما تمر بنا لحظات من الحيرة توقفنا لنتساءل عن السبب في التراجع الحاصل اليوم في المبنى الإيماني والذي يبدو جلياً في ظاهرة خلع الحجاب – شرقاً وغرباً- أو في ظاهرة الارتداد الكامل لبعض الشباب عن الدين جملة وتفصيلاً !!!!!ولكن مقابل تلك الصور القاتمة السلبية ، نجد الكثير من الظواهر الإيجابية الناصعة والتي نراها من خلال  تقاطر الكثيرين في الغرب  إلى قافلة الإسلام  ،أو من خلال ثبات كثيرات على صبغة الحجاب رغم المضايقات !

ورغم ما يعصف بالساحة اليوم من إفتاءات عن عدم فرضية الحجاب !!! والتي لاقت قبولا ً لدى من غلبت أهواؤهن – عقولهن – أو ممن قصرت قدراتهن اللغوية عن فهم الآيات الكريمة الدالة على فرضية سلوك العفة الملتف بثياب الحشمة! إلا أن قافلة الإيمان مازالت تتقدم بثبات ، وفي هذا دلالة أن الله عز وجل ناصر دينه وبالغ أمره شاء من شاء وكره من كره..

ولكن الخسارة الحقيقة أن يستبدل الله بنا –لا قدر الله- قوماً يحبهم ويحبونه؛ أذلة على المؤمنين أعزة  على الكافرين ، لا يعصون الله ما أمرهم ، ولا يخافون في الله لومة لائم …

 أنا لست اليوم بمقام تفنيد أسباب الاهتزاز في البناء العقيدي للكثير من شبابنا وفتياتنا والذي يعود في الغالب إلى عدم قدرتنا على الرد على تساؤلاتهم ، إما بسبب ضحالة معلوماتنا الدينية ! أو لتشددنا في أمور ما كان يُفترض فيها التشديد ، مقابل تراخينا في أمور كان يفترض فيها الحزم !  ….

ما أود الحديث عنه اليوم، هو مضمون الكلمة التي ألقاها في مسجد ايرفاين يوم الجمعة الشاب “حسام”  رئيس منظمة ( كير ) غير الربحية ، والتي قد يجد فيها القارئ  دعماً وحافزاً على الثبات ، لكل من بدأ يشعر بالتراخي أو الاهتزاز ….

لاشك أن الأستاذ حسام ، وهو في منتصف الأربعينيات ، يتمتع ب ( كاريزما ) قوية ، وصوت جهوري واضح يشد انتباهك و يرغمك  على الاستماع  ،عدا عن التحضير الجيد للكلمة الذي يراعي  تبليغ الفكرة بوقت محدد دونما إطالة أو شطط عن الموضوع ، والذي يدور في الغالب حول مواضيع الساعة..

تناول الأستاذ حسام بداية ً ظاهرة  الهجوم الشرس على الإسلام  ، شرقاً وغرباً ، وكيف أن الإعلام الغربي لا يأبه لكوارث المسلمين ولا يسلط عليها الضوء ، بل يقوم عامداً بتهميش المعاناة والمآسي التي يعانيها المسلمون!! ناهيك  عن حالة ( البارانويا ) أو الذعر المتنامي في أمريكا من الإسلام وأهله ، والتي أدت مؤخراً إلى مقتل إمام مسجد في نيويورك مع معاونه !!

 هذا عدا عن المضايقات الكثيرة هنا وهناك ضد المحجبات!

 وأشار الداعي ( حسام ) إلى أن ثلاثة وثلاثين منظمة في أمريكا يُنفق عليها حوالي ٤٠٠ مليون دولار سنوياً مهمتها فقط تصعيد ما يسمى ب ( الإسلاموفوبيا) أي  الرهاب من الإسلام !!!! بل إن مما يشاع عن حدوثه مستقبلاً ضمن مخطط تهميش الإسلام وأهله ، هو مواجهة كل أمريكي مسلم بالسؤال حول موقفه من الشريعة الإسلامية ، فإن كان مؤيداً لها فإنه سيكون حينها في موضع شبهة !!! لأن الشريعة الإسلامية – برأيهم -تروج للعنف وعليه أن يكون منكراً لها إن كان يريد أن يحتفظ بحق المواطنة !!! وقد أدت مواقف الجهل بسماحة الشريعة من جهة ، والخوف على خسارة حق المواطنة في أمريكا ، أو الخوف على النفس من مواقف التعصب  ضد المسلمين ، إلى  خلع  الكثيرات من المسلمات الحجاب  حرصا ً على  عدم إبراز الصبغة  الدينية! بل وظهرت عند الكثير من  المسلمين مواقف المساومة على الدين؛ من خلال تمييع مواقفهم الدينية وعدم الرغبة بإبراز انتمائهم الديني، بل التخلي  حتى عن أسمائهم العربية خوفاً على وجودهم في أمريكا!!

  ولكن، ( هنا ارتفع صوت حسام قائلاً :  “- ليش عيشتك أصلاً؟!” ، وما معنى أن نعيش الحياة إن لم يكن لدينا القناعة والاعتزاز بهويتنا الإسلامية  وصبغتنا الإيمانية؟!

سيدنا عمر بن الخطاب  قبل أن يعلن إسلامه في العام السادس بعد البعثة، كان هو وصناديد  قريش ينظرون إلى الإسلام على أنه تهديد ،  ( إسلاموفوبيا)  ولكن ما إن دخل الإسلام حتى أصبح إسلامه عزاً وهجرته نصراً ، فعندما هاجر المسلمون سراً، هاجر هو وحده جهاراً في وضح النهار ، متنكباً سيفه يدور حول الكعبة وسط صناديد مكة وزعمائها الكفرة وهو يقول : شاهت الوجوه ، لا يرغم الله إلا هذه المعاطس ، من أراد أن تثكله أمه ويُيتم ولده أو يرمل زوجته فليلقني وراء هذا الوادي )، فلم يتبعه أحد !!!!

 لماذا لم يتبعوه؟؟ ما الذي جعلهم يهابونه وهو وحيد بين جمهرة كثيرة؟!

ما الذي جعلهم يرونه عملاقاً؟!

إنه الإيمان؛ الإيمان الذي منحه كل تلك القوة والمهابة ، الإيمان الذي لا يقبل التنازل أو المساومة،  الإيمان  الذي لا يسمح للآخرين بإخافته وزعزعة موقفه؛  إنه ذاك الإيمان الراسخ واليقين  الثابت بالله وبعظمة ما يحمل من قيم إيمانية هو ما جعل عمر بن الخطاب (رضي الله عنه )يبدو”عملاقاً” في أعينهم!

إن المهزوم من داخله يبقى مهزوزاً في أعين الناس  مهما حاول أن يتملق إعجابهم !

 إما الثبات والاعتزاز بالمبدأ فهو الذي سيجعله محترماً بين الناس ،لأنه هو نفسه يشعر باحترام الذات، ولديه الثقة بقيمة ما يحمل من مبادئ ومواقف إسلامية إنسانية…

قد يقول قائل أنت تتحدث عن عمر ، عن إنسان قال له رسول الله صلى الله عليه وسلم  :” والذي نفسي بيده ما لقيك الشيطان سالكاً فجاً قط إلا سلك غير فجك “

أي أنت تتحدث عن نموذج عاصر النبوة وتلقى من أنوار سيد الرسل !

ولكن ، لدينا الآن نماذج رائعة ومن عالمنا المعاصر أظهرت ثباتا عجيباً جعلها موضع احترام حتى من قبل المخالفين في الفكر والعقيدة، من مثل محمد علي كلاي – رحمه الله- الذي أجمع كافة الرؤساء والسياسيون ورجال الدين على أنه واحد من أهم الشخصيات الإنسانية التي أثَّرت وأثْرت المجتمع الأمريكي ، وذلك من خلال مواقف الثبات ضد التمييز العنصري ، وضد الحرب في فيتنام  ، وضد مواقف التعصب نحو المسلمين.

كان  محمد علي يفاخر  باسمه وبإسلامه في كل مناسبة، وقد أثمر إيمانه عن أعمال خيرية ومواقف إنسانية لا تعد ولا تحصى ، فاكتسب احترام الجميع ومحبة الناس، بل وبدل نظرة الكثيرين تجاه الإسلام، وكان في مواقفه النبيلة سبباً في دخول المئات من الأمريكان السود في الإسلام!

وهاهي (ابتهاج محمد) في حجابها تدخل الأولمبياد وتحظى بمحبة وتشجيع  الجماهير الأمريكية بثبات موقفها ومهارتها الرياضية..

إن أمريكا اليوم مستعدة لأن تسمع وتحتفي بالحقيقة إذا ما قدم الإسلام  بقوة حجة وثبات موقف..

بل بتنا نلحظ بوادر التغيير اليوم ، عندما أعلنت ولاية كاليفورنيا عن  شهر آب ليكون شهر “التقدير والحفاوة بالإسلام “!

واليوم ولأول مرة تصل امرأة “محجبة” إلى مجلس النواب الأمريكي ؛إنها (إلهام عمر ) المسلمة الصومالية الأمريكية..

نعم ، إن ثبات مواقفنا الإيمانية وما تحمله من ثمرات صلاح وإصلاح هو ما سيحدث فرقاً ، وعلينا أن نكون أصحاب رسالة، وأن نوجه للعالم رسالة  تقول بوضوح : إننا لن نتخلى عن صبغتنا الإيمانية ، ولدينا مثل أي مواطن أمريكي ذات الحقوق  ، ولن نتخلى بالتالي عن واجبنا تجاه مجتمعنا الأمريكي الذي نعيش فيه، ولكننا لن نتبنى  موقف الدفاع أو موقف “الضحية” ، لأننا أصحاب حق  والله معنا، وهذا وحده كفيل بأن يجعلنا نشعر بالقوة والاعتزاز  لنقف بثبات من أجل عقيدتنا …

 انتهى.

You may also like...

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *