أزمة القارئ العربي في حياتنا المعاصرة

محمد عدنان سالم

07/12/2009

يدعونا العنوان أزمة القارئ العربي في حياتنا المعاصرة إلى أن نتساءل:

-هل الإنسان العربي يعاني فعلاً من أزمة قراءة؟!

-فإن كان ذلك كذلك، فمنذ متى بدأت معاناته؟!

-أهي أزمة مزمنة أم هي أزمة طارئة؟

-ما أعراضها؟ ما العوامل التي أدت إليها؟ وما النتائج التي ترتبت عليها؟!

-وقبل ذلك كله: ما ضرورة القراءة؟ ما أهميتها؟ ولماذا علينا أن نقرأ؟!

منذ هبط آدم إلى الأرض، لم يكن فيها شيئاً مذكوراً، كان عليه أن يعمل عقله لاستثمار الطاقة الكامنة في الكون الذي سخره الله له، وأن ينقل معلوماته وتجاربه من ذاكرته الداخلية إلى الآخرين عبر الإشارة والصوت، ثم يبتكر لها النقش والصورة والحرف ذواكر إضافية كي ينقلها إلى الأجيال التالية ضناً أن يذهب بها النسيان أو تندثر بموته، فكانت اللغة والكتابة، وكان الحجر والطين وجلود الحيوانات وسعف النخيل أوعيته الأولى التي أودعها الإنسان معلوماته قبل أن يبتكر الورق والطباعة والوسائط الرقمية الراهنة.. وكانت القراءة وما تزال سبيل الأجيال المتلاحقة لاستيعاب معلومات الآباء والإضافة إليها. ولا تسمى القراءة قراءة ما لم تسجل إضافة باسم الجيل الذي أنتجها. وبهذه القراءة تتراكم المعرفة الإنسانية وتنمو..

إنها أشبه ما تكون بالقَزَم يتسلق كتفي أبيه العملاق ليرى أبعد مما يراه، ثم يقول له قولة إبراهيم لأبيه﴿ يا أَبَتِ إِنِّي قَدْ جاءَنِي مِنَ الْعِلْمِ ما لَمْ يَأْتِكَ ﴾ [مريم 19/43] فيصبح هو العملاق ليطأطئ كتفيه من جديد لقزم جديد. فإن عجز الجيل الجديد عن قراءة المخزون المعرفي للآباء، وإضافة جديد إليه، تجاوزه التاريخ وألقى به في حاويات الإهمال..

قد يكون العجز ناجماً عن إعاقةٍ ذاتية، وقد يكون استرخاءً لدى أمة سئمت من أعباء مدها الحضاري، فانسحبت من دورتها الحضارية، لتخلد إلى الراحة خارجها، وقد يكون قسـرياً على طريقة فـرعوْن يقـول لقومـه: ﴿يا أَيُّها الْمَلأُ ما عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي ﴾ [ القصص28/38]  ﴿مـا أُرِيـكُمْ إِلاّ ما أَرَى وَمـا أَهْـدِيكُمْ إِلاّ سَبِيلَ الرَّشـادِ﴾ [ غافر40/29]..سوف أقرأ نيابة عنكم ، وأفكر نيابة عنكم. أريحوا عقولكم وأعملوا عضلاتكم. ثم في خطوة أشبه ما تكون بمسرحيات الاستفتاء على الزعامة يناديهم ﴿يا قَوْمِ أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهَذِهِ الأَنْهارُ تَجْرِي مِنْ تَحْتِي أَفَلا تُبْصِرُونَ﴾[ الزخرف 43/51] ﴿فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطاعُوهُ إِنَّهُمْ كانُوا قَوْماً فاسِقِينَ﴾[ الزخرف 43/54].

وفي أجوبة سريعة لتساؤلاتنا الأولى عن القراءة لدينا؛ أقول:

-من المؤكد أننا نعاني فعلاً من أزمة قراءة مخجلة، فقد وضعنا تقرير التنمية البشرية لعام 2003 في أسفل سلم الإنتاج الفكري العالمي، وفي مقارنته لمعدلنا القرائي مع معدل القارئ الإسرائيلي؛ أشار إلى أن كل ثمانين عربي يقرؤون في السنة كتاباً واحداً مقابل أربعين كتاباً يقرؤه كل إسرائيلي، لتصبح المعادلة أن الإسرائيلي الواحد يقرأ ما يقرؤه 3200 عربي، وهو ما يفسر لنا أسباب انهزامنا أمامه، كما يفسر لنا أسباب ضعف صناعة النشر في الوطن العربي، التي تعمل على إنتاج سلعة لا رواج لها ولا طلب عليها. وبعيداً عن الإحصاءات الرسمية فإن إحصاءات الناشر تشير إلى أنه يطبع سنوياً من كل عنوان ينشره نسخة واحدة لكل مليون عربي.

-ومن المؤكد كذلك أن أزمة القراءة لدينا أزمة طارئة، فقد قرأنا على وقع نداء ﴿اقرأ﴾ المخزون الثقافي للعالم القديم، وأعدنا إنتاجه مضافاً إليه ومطبوعاً بطابع قيمنا وثقافتنا، وظلت دمشق وبغداد وقرطبة وعواصم الإسلام وبلداته منارات للعلم إلى عهد ليس ببعيد؛ تشهد لذلك رسالة الملك جورج الثاني ملك إنكلترة إلى هشام الثالث (الخليفة الأموي):

” من جورج الثَّاني ملك إنكلترة والغال والسُّويد والنرويج، إلى خليفة المسلمين في الأَندلس، صاحب العظمة هشام الثَّالث الجليل المقام.

بعد التَّعظيم والتَّوقير فقد سمعنا عن الرُّقي العظيم الذي تتمتَّع بفيضه الصَّافي معاهد العلم والصِّناعات في بلادكم العامرة، فأردنا لأبنائنا اقتباس نماذج هذه الفضائل، لتكون بداية حسنة في اقتفاء أثركم، ولنشر أنوار العلم في بلادنا التي يحيط بها الجهل من أربعة أركانها، وقد وضعنا ابنة شقيقنا الأميرة ديوبانت على رأس بعثة من بنات أشراف الإنكليز، لتتشرف بلثم أهداب العرش، والتماس العطف لتكون مع زميلاتها موضع عناية عظمتكم، وفي حماية الحاشية الكريمة، والحدب من قبل اللَّواتي سيقمن على تعليمهن، وقد أرفقت الأميرة الصغيرة بهديَّة متواضعة لمقامكم الجليل، أرجو التَّكرُّم بقبولها، مع التعظيم والحبِّ الخالص من خادمكم المطيع.                                          جورج م.إ(1)

– ومن المؤكد أيضاً أن عامل الأفول الحضاري، وانسحابنا من دورة الحضارة الإنسانية منذ سقوط غرناطة، وانحسار عطائنا الفكري الذي صاحبه، كان عاملاً رئيسياً من عوامل عزوفنا القرائي. لكن ذلك وحده لا يكفي لتفسير العجز النهضوي الذي طال أمده وحال بيننا وبين استئناف دورة حضارية جديدة تستحثنا لملء الفراغ، بعد ظهور أعراض الشيخوخة على الحضارة الغربية، التي أخلت منطلقاتها المادية بتوازنها، فراحت تتخبط في فلسفات ما بعد الحداثة بعد ما سئمت حداثتها.

لقد شهدت مطالع القرن العشرين محاولات نهضويةً عربيةً جادة، كافحت الأمية وأججت حركة الإبداع والقراءة، وكنا جيل أواسط القرن الماضي، نعشق القراءة؛ نلوب لمطالعة الصحف، ولمتابعة إنتاج الرواد: جبران، ونعيمة، والمازني، وطه حسين، والعقاد، والرافعي، والمنفلوطي؛ نوفر لاقتناء كتبهم من (خرجياتنا) ومن أجور المواصلات.. وكانت لنا في مدارسنا حصص للمطالعة خارج المنهاج الدراسي، وللتلخيص والإنشاء، وكانت المكتبات ودور النشر تستقبل باستمرار قارئاً نهماً يبحث عن جديد..

ما الذي أجهض هذه الجهود النهضوية، وذهب بهذا الزخم القرائي، ليجعلنا نتردى في أمية لاحقة، دونها أمية الحرف؟!

إن كل التعلات السطحية؛ من غلاء سعر الكتاب، وضيق ذات اليد، وضيق الوقت، ومزاحمة وسائل الإعلام والاتصال الحديثة؛ لا تكفي لتفسير حالة العزوف القرائي والنضوب الإبداعي الذي حل بنا، فمخترعو التلفاز والحواسب والإنترنت لم تتراخ أيديهم عن الكتاب، ولا نزال نراه رفيقاً لهم في حلهم وترحالهم يحيون به كل وقت انتظار ميت.

ربما عمد بعضنا إلى تحميل هزائمنا المتلاحقة أمام إسرائيل وحالة الإحباط واليأس التي ألمت بنا إبان نكسة حزيران 1967 وزر عزوفنا القرائي، لكنني أرى الهزائم نتيجةً لهذا العزوف وليست سبباً فيه، وهو ما فطن إليه دايان حين طمأن قومه –عندما لاموه على نشر خططه- أن العرب لا يقرؤون..

سأعود إلى طرح المشكلة على نحو آخر محدداً إطارها الزمني.

  • فأنا أنتمى إلى جيل الثلث الأوسط من القرن العشرين، وأزعم أن جيلي كان قارئاً نهماً، وما يزال.. وكان يحترم الكتاب والكلمة والحرف إلى درجة القداسة، يضن بالحرف بله الكلمة أن يقع على الأرض، فإن وقع انحنى إليه ورفعه وقبله ليضعه في حرزه.. وكان للكلمة عنده معناها ومغزاها كالقسم، يأبى أن يحنث به، فإن هو فعل فقد احترامه في المجتمع الذي يعد التزام الإنسان بكلمته من مقتضيات الرجولة، ولا يزال أهل دمشق يتناقلون قصة الوالي التركي ناظم باشا الذي يحمل أحد أكبر أحيائها اسمه، عندما راوده صديق له، وكان قد باع بيته بخمسة آلاف، ولم يسجله في السجل العقاري (الطابو) بعد، أن يلغي العقد ليشتريه منه بسبعة آلاف، فكان جوابه: ناظم كلامه طابو..

وكنا نتلقى تعليمنا كله بالعربية الفصحى؛ حتى الفيزياء، والكيمياء والرياضيات.وكانت كلية الطب في جامعة دمشق تدرسه بالفصحى، وقد تعاقب على رئاسة مجمع اللغة العربية بدمشق أكثر من طبيب آخرهم الدكتور مروان المحاسني..

لقد كنا نقرأ قبل أن تكون لدينا وزارات للثقافة ووزارات للإعلام.

  • وهأنذا أرى جيل الثلث الأخير من القرن العشرين، ومطالع الألفية الثالثة، قد هجر الكتاب بعد مغادرته مقاعد الدرس، وبات الكتاب الذي انحصر دوره في نيل الشهادة أبغض شيء إليه، وفقد احترامه له حتى افترشه ليقيه غبار الأرض، وعبر عن كراهيته له بتمزيقه ونثر أوراقه في الشوارع فور خروجه من قاعات الامتحان، وفقدت الكلمة معناها ومدلولها وفعاليتها لديه، فلم تعد كلمات الوحدة والحرية والعدالة والمساواة والأمانة والوفاء تعني له شيئاً، وبفقدان الكلمة فعاليتها حصل الانفصام الكامل بين النظر والعمل، فلم تعد القوانين، ولا خطابات الرؤساء، ولا التوصيات الختامية للمؤتمرات والندوات تحظى بشيء من التطبيق على أرض الواقع.

ونال اللغة العربية ما نالها من التهميش، وأزيحت عن ميادين التعليم، بعدما كانت جامعة دمشق تفاخر بأنها تدرس الطب بها، ورطن الشباب بلغات هجينة، وحملوا على صدورهم وظهورهم عبارات أجنبية غالباً ما لا يفقهون معناها.

كيف حدث ذلك؟

  • هل يمكن أن تكون مناهجنا التعليمية هي السبب؟

لقد ربطت طلابنا بالمقررات الدراسية ومختصراتها، فقتلت لديهم روح البحث وصرفتهم عن المطالعة خارج المنهاج، وكرهت إليهم القراءة والكتاب، حين حصرت هدفهما بالامتحان والشهادة، تنتهي الحاجة إليهما وتبدأ القطيعة معهما بالنجاح في الامتحان وتحصيل الشهادة.

إن مناهج التربية والتعليم؛ هي المسؤولة عن غرس عادة القراءة لدى الإنسان من أجل بناء مجتمع قارئ . وهي القادرة على تكوين القارئ النهم، الذي يعد الكتاب حاجة أساسية لتنمية عقله وفكره، مثلما الرغيف حاجة أساسية لنماء جسده، بل هو يشعر بأن معدته محدودة إذا استقبلت من الرغيف أكثر من حاجتها أصيب بالتخمة، بينما عقله غير محدود يلتهم كل ما يقدم له من زاد المعرفة، ويقول: هل من مزيد؟!

فإن أرادت هذه المناهج أن تستخدم طاقتها في بناء الإنسان القارئ، أقبلت عليه منذ الصغر، توسع مداركه، وتفتح له آفاق المعرفة، وتغريه بها مستغلة ما فطر عليه من حب الاطلاع، والسعادة بالتعرف على المجهول، فتطارحه الأسئلة وتدفعه للتساؤل، ثم تضع بين يديه المراجع والمصادر، وتتركه يواجه تعب الولوج إليها، ويعاني مشقة البحث فيها، وينتابه الإحباط تارة والأمل أخرى، حتى يظفر بما يريد، وتغمره السعادة بما حصل عليه بجهده وتعبه وسهره.. عند ذلك ستقوم بينه وبين الكتاب ألفة ما بعدها ألفة، وسيشعر أن حياته مدينة للكتاب، وأنه لا يستطيع أن يعيش من دون كتاب يصطحبه معه كل حين، يحيي به كل وقت انتظار فيزهق ملله، ويخصه بساعات من وقته يخلو بها معه.

أما إذا أرادت أن تضرب به مثل السوء، وتذهب به خارج دورة الحضارة، فتصرفه عن عادة القراءة، وتبغضه بالكتاب، وتشغله بسفاسف الأمور، فإنها تعمد إلى ربطه بالمقررات، وصرفه عن المراجع، وقتل روح السؤال والتساؤل لديه، وإراحته من عناء التفكير ومشقة البحث، فها هو ذا الكتاب المقرر بين يديه، قد احتوى علم الأولين  والآخرين، وما عليه إلا أن يقرأه آناء الليل وأطراف النهار حتى يحفظ كل حرف فيه، ويصبه في ورقة الامتحان صباً، فينال الشهادة، ثم تنقطع بها صلته بالكتاب، بل يصبح الكتاب أبغض شيء إليه، لأنه كان الضيف الثقيل المفروض عليه، وها قد انتهت حاجته إليه.. أفتراه يبحث عن نظيره ليعكر عليه صفو هدوئه.

والمناهج عندما تمارس هذا الدور، تلغي كل دور لمكتبة المنـزل أو المدرسة، ولحصة المطالعة، ولواجب المطالعة الحرة، ولحلقة البحث، وتصنع من الكتاب أعدى عدو للإنسان.

  • هل تكون الرقابة على الأفكار ومصادرة الرأي سبباً في عزوفنا القرائي؟!

في 22/12/1987 صدق المؤتمر العام للمنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم في دورته التاسعة المنعقدة في تونس على الاتفاقية العربية لتيسير انتقال الإنتاج الثقافي العربي مؤلفة من عشر مواد. ولو سألنا الكتاب عما حدث له منذ اتفاقية عام 1987لتيسير انتقاله بين الدول العربية، لأجابنا، بصوت خافت مبحوح، وقلب كسير مهان:

ما رأيت غير مزيد من التعقيد والقيود، مزيد من الرسوم والأعباء، ونظراً لنفاذ بصيرته التي تهتم بالمسميات قبل الأسماء وبالنتائج قبل المقدمات لم ينخدع بما أعلنته الأنظمة تطبيقاً للاتفاقية، من إعفاء شكلي من الرسوم الجمركية عوضته أضعافاً مضاعفة بما فرضت عليه من رسوم أخرى، أطلقت عليها أسماء شتى، كمن يأخذ بإحدى يديه أضعاف ما أعطاه بالأخرى.

مادة واحدة من الاتفاقية طبقتها الأنظمة بصدق وشفافية عالية هي المادة العاشرة، فمارست حقها المزعوم في الرقابة على الأفكار، والوصاية على الناس، مفترضة قصور عقولهم، وعجزهم عن تمييز النافع من الضار، والخبيث من الطيب، مما يستدعي فرض الحجر عليهم، وحجب الرؤية عن بصائرهم، ومنعهم من الاطلاع على ما تمنعه السلطات، والاقتصار على ما تسمح به، مبدية إشفاقها الحاني عليهم وسهرها على مصالحهم وحرصها على إراحتهم من عناء التفكير.

يقول الكتاب: لقد كنت قبل اتفاقية التيسير أتنقل بين البلدان بكثير من اليسر؛ ما إن أخرج من المطبعة حتى تستقبلني وسائط النقل المختلفة بكل ترحيب لتقلني إلى مختلف الأصقاع؛ تتوقف جميع السلع عند موظفي الجمارك على الحدود، يدققون مستنداتها ويتفحصون شهادات منشئها وفواتيرها، ولا أتوقف.. كنت أشعر بكثير من الاحترام، أجتاز الحدود كمن يحمل جواز سفر دبلوماسياً، ترفع له التحية وتفتح له الأبواب، لا أحتاج إلى إذن بالطبع، ولا إذن بالخروج ولا بالدخول، لا يفصل بين ولادتي ووصولي إلى يد قارئي في أي بلد عربي غير ساعات؛ يتفاوت عددها حسب تباعد المسافات بين القاهرة وبيروت ودمشق وبغداد وعمان والدار البيضاء، ولم أكن أحمِّل القارئ في بلد المقصد عبئاً مالياً يذكر فوق ما يحمله في بلد المولد، إذ لم أكن أطالَب في طريقي إليه بأية رسوم..

إنها الرقابة إذن!!

لم تنج الكلمة من سيف الرقابة المسلَط يوماً.. منذ أيام العرب الأولى في سوق عكاظ، حيث كان الشعراء ينشدون أشعارهم، وكان النقاد لهم بالمرصاد يسلقونهم بألسنة حداد، مروراً بالمتنبي كبير شعراء العصر الإسلامي الذي ألَّفوا في نقده وسرقاته ومشكل شعره كتباً. وانتهاءً بسفّود الرافعي الذي شوى العقاد به على النار، وبرسالة الزيات التي كنا نتتبع عبرها المعارك الأدبية المحتدمة بين كبار الأدباء أواسط القرن الماضي؛ نتفاعل معها ونشارك فيها شجباً وتأييداً.. ثم خبا بعد ذلك كل شيء: هدأت المعارك الأدبية، وخفتت أصوات النقد، وسادت ثقافة البعد الواحد، واللون الواحد؛ لينشأ في ظلهما جيل الاسترخاء الفكري والعزوف القرائي والتواكل.

الرقابة كانت وما تزال حاضرة في كل زمان ومكان، ولكن شتان بين رقابة يديرها المجتمع في العلن وعلى رؤوس الأشهاد، ورقابة تتولاها السلطة في الخفاء داخل الدهاليز المغلقة، وإن بين الرقابتين لبوناً شاسعاً في الشكل والآليات من جهة، وفي المضمون والحصاد من جهة ثانية.

وعلى الرغم من أن رقابة المجتمع تنطلق من الحفاظ على قيمه وتقاليده وأعرافه، مما يعيق عملية التجديد وطرح أفكار جديدة تتجاوز المألوف؛ فإنَّ تجاوزها واختراقها مرهون بقدرة صاحبها على الحوار والإقناع.

أما رقابة السلطة فأحكامها مبرمة قطعية لا تقبل الطعن ولا النقاش. فلنقارن بين الرقابتين:

رقابة السلطة رقابة المجتمع
سرية علنية
أحادية تعددية
سابقة لاحقة
وصائية حرة
معوقة مروجة
مسؤولية الرقيب مسؤولية المؤلف والناشر
محدودة عدد الرقباء بلا حدود
مبرمة قطعية قابلة للحوار
إلزام سلطوي وصائي التزام ذاتي طوعي
وجبة جاهزة منمطة وجبات منوَّعة
تقتل القراءة تعزز القراءة
  • لن أسترسل في عرض النتائج المتباينة لكل من الرقابتين فلديَّ منها الكثير.. يكفي أن أؤكد ما أثبتته التجربة من أن مناهج الوجبات الجاهزة والثقافة الإلزامية المنمّطة ، إنْ في المقررات التعليمية أو في الكتب الثقافية، قد بغضت الكتاب إلى الطالب والقارئ معاً، وأفقدتهما الاحترام والقداسة له، وأسهمت في إنتاج جيل مسطَّح، لم يفلت منه إلا من نأى بنفسه عنها بقدراته الذاتية وعشقه للعلم ونهمه للمطالعة.
  • هل استطعت فيما قدمت أن أشخص أزمة القارئ العربي؛ الذي كفر بالقراءة منذ أن فقدت حريتها، وبالكلمة منطوقة أو مكتوبة منذ أن فقدت معناها وجدواها وقدرتها على الحوار والإقناع؟!
  • هل استطعت فيما قدمت أن أمسك بتلابيب المسؤول الحقيقي عن حالة العزوف القرائي، والتسطح الثقافي، والانسحاب الحضاري، والتلوث اللغوي، وفقدان الهوية والانتماء، والتبرم بالذات، والشعور بالنقص؟!
  • هل سأستطيع أن أوجِّه اللوم إلى قارئ اللون الواحد، والاتجاه الواحد، والرأي الواحد، والثقافة الواحدة، إذ أراه يتثاءب سأماً من التكرار والاجترار، وهو يعلم أن بارقة الحقيقة لا تنقدح إلا بالتعدد والتصادم واحتكاك الأفكار؟!
  • هل سأستطيع توجيه اللوم إلى الأنظمة الأحادية؛ التي تقدمت الصفوف تحت شعارات الثورة وحرق المراحل، لتحقيق تنمية سريعة شاملة، والوقوف في مواجهة المخططات الاستعمارية والصهيونية، فأقصت المجتمع عن دائرة الفعل، وتكفلت له بتوفير كل احتياجاته، بما فيها القراءة، لتريحه من عناء كل تفكير وتدبير؟!

لست أدري!!

لكن سائق تكسي في أحد المعارض العربية للكتاب قال لي: إن السبب في ضعف إقبال الناس على المعرض هو أنكم تأتون لهم بالكتب التي تسمح بها الدولة، وهم يريدون الكتب التي تمنعها الدولة..

فكرت ملياً في حكمة سائق التكسي، وتساءلت:

لماذا يريد الناس ما تمنعهم الحكومات من قراءته؟!

فرأيت أن واقع كل أمة إنما هو حصيلة أفكارها السائدة المسموح بها، فإن هي برمت بواقعها، وتاقت إلى تغييره، فإن خلاصها سيكون بتجاوز المسموح به لأن ﴿اللَّهَ لا يُغَيِّرُ ما بِقَوْمٍ (من أوضار) حَتَّى يُغَيِّرُوا ما بِأَنْفُسِهِمْ (من أفكار) ﴾.

ثم رأيت أن عصر المعرفة وثورتي المعلومات والاتصالات قد أغنانا عن الإخبات لرقابة الحكومات..

فلسوف تنطلق الكلمة حرة عبر الفضائيات والشابكات لا تخاف دركاً ولا تخشى، ولسوف تتعدد الخيارات أمام الإنسان، فلا يكون أسير الرأي الواحد ولا حبيس القوالب المصنعة، وعليه أن يحسن الاختيار.

ولسوف تستعيد الكلمة سحرها وقوتها وفعاليتها ما إن تستعد حريتها..

ولسوف تنسحب الرقابة بكل أشكالها العلنية والسرية مستخزية مكبلة اليدين..

ولسـوف ينـادى على القارئ!! أن ﴿اقْرَأْ كِتابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيباً﴾

[الإسراء 17/14].

(1)  انظر عبد الرحمن الحجي” تاريخ الأندلس” ومحمد عبد الله  عنان “تاريخ الأندلس” والوثيقة محفوظة في مركز جمعة الماجد بدبي.

كتبه : محمد عدنان سالم

07/12/2009

You may also like...

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *