يوميات حاج إلى بيت الله الحرام (9)

يوميات حاج إلى بيت الله الحرام..أيام معدودة، وينعقد المؤتمر العالمي السنوي في مكة..أقدم مؤتمر إنساني، وأوسعه تمثيلاً

الأثنين 26 ذو القعدة 1437

التجردُ من (الأنا)؛ من الشخصية والخصوصية والانتماء العائلي، والدرجات العلمية والمراتب الوظيفية؛ أول إجراءات الانخراط في (دورة الحج): فوثائق السفر تؤخذ من الحاج، وتستبدل بها أرقام تكتب على سوار بلاستيكي، يضعه الحاج في يده، يتم التعامل معه على أساسه، إلى أن ينهي دورته ويسترد جوازه.. بذلك يتحول الحاج إلى رقم يُستدل به عليه، وعليه أن ينسى اسمه ومراتبه كلها!!

والتجردُ من اللباس والرياش ومستلزمات الأناقة ثاني الإجراءات، وهو (الإحرام)، فعلى الحاج أن يخلع كل مخيط فيودعه في حقائبه، ويستبدل به إزاراً ورداءً أبيضين، ونعلاً بسيطاً؛ يتوحد بذلك مع سائر إخوانه الحجاج، من كل حدب وصوب وجنس ولون ولسان، فلا فوارق هنا، ولا امتيازات، ولن تميز في الحجيج أميراً من فقير، وسيداً من حقير؛ الكل بين يدي الله، يجأر إليه بدعاء واحد؛ كلهم يطلب المغفرة، ويرجو رحمة ربه، ويعلن عبوديته وخضوعه إليه!!

هكذا، يتجرد الحاج من متاع الحياة الدنيا وزينتها، وكل أسباب التفاخر والتفاوت، فيصبح مؤهلاً لاتباع الدورة التي تأتي أعمالها متلاحقة، وبرامجها مكثفة، يأخذ بعضها برقاب بعض، ويدعم بعضها بعضاً، لتأكيد الوحدة الإنسانية وترسيخ المبادئ السامية التي أرست قواعدها مدرسة الأنبياء، في منهجية موحدة منذ تأسيسها على يد أبي الأنبياء إبراهيم، حتى خاتم الأنبياء سيد المرسلين محمد .

مناسكُ الحج جميعها تؤكد للحاج وحدة الرسالات السماوية؛ السعيُ بين الصفا والمروة، والطواف بالبيت العتيق، واستلام الحجر الأسود، ومقامُ إبراهيم، وحِجر إسماعيل، وعرفة، ومزدلفة، ومِنى، وجمعُ الحصى، ورمي الجمار، وعيد الأضحى الذي يمثل احتفال التخرج لدفعة جديدة من الحجاج حملة الرسالة.. كل أولئك يُذكره بأنبياء الله ورسالاتهم، لا يفرق بين أحد منهم بدءاً بأبيهم إبراهيم وانتهاء بخاتمهم محمد بن عبد الله الذي جمعت رسالته الخاتمة الرسالات كلها، وتوحدت بها الأديان كلها.

 [وللحج مقاصد لو نجتهد لتلبيتها!! ص 16-18]

محمد عدنان سالم

You may also like...

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *