الإعلام الإسلامي

الإعلام الإسلامي ليس نسيج وحده، ولا يمكن أن يكون كذلك . إنما هو ، كالإعلام العربي، يعمل وفق المنظومة الفكرية والثقافية للمجتمع في المرحلة الحضارية التي يجتازها، والتي تختلف سماتها وتتفاوت مخرجاتها بين حالي الصعود أو الأفول الحضاري. ففي مرحلة النهوض تكون الأهداف واضحة للمجتمع ماثلة أمام عينيه، وتكون شبكة علاقاته الاجتماعية متينة متراصة غير قابلة للاختراق، وتكون خطواته مدروسة واعية؛ متوازنة وفاعلة ومخططة. أما في مرحلة الانحسار والأفول الحضاري؛ فتكون أهداف المجتمع غائمة، وشبكة علاقاته مفككة تنـزع إلى التفرد والتشرذم، وتصرفاته ردات فعل آنية عشوائية يعوزها التخطيط والتركيز والمثابرة ووضوح الرؤية.

فالإعلام الإسلامي، شأن كل الفعاليات الاجتماعية الأخرى، محكوم بمقتضيات مرحلته الحضارية الراهنة، تقوم له محاولات متفرقة هنا وهناك؛ غالباً ما تكون مشحونة بدوافع  صادقة متطلعة إلى سد ثغرةٍ باتت تشكل أهمية كبرى في عالم اليوم الذي يعيش ثورتي المعلومات والاتصالات، اللتين غمرتا العالم بطوفان إعلامي ومعْلوماتي مذهل، عبر الفضائيات والشبكات الرقمية والحواسب ووسائل الاتصال  المحمولة؛ تكسرت بها الحواجز، وزالت الحدود، وتقاربت المسافات، وتحطمت القواقع، وانهارت الجدران، واختلطت الثقافات، وتعذر الانغلاق على الذات. واحتل فيه الإعلام مركزاً تفوق به على السلاح في حلبة الصراع، حتى قال عنه الإعلامي الكبير الراحل مصطفى العقاد: أعطوني الفضائية التي أريد وخذوا مقابلها ما شئتم من العتاد العسكري.

ترى ما شكل الإعلام الذي كان مصطفى العقاد يريده ويتطلع إليه؟! وهل استطاع الإعلام الإسلامي أن يحقق طرفاً منه، أو يمتلك بعض شروطه؟!

من المؤكد أن الجواب عن السؤال الأخير سيكون بالنفي، لأن هذا الإعلام لم يحقق الكثير من التأثير في المجال الداخلي، فضلاً عن أن يكون له في الخارج أثر يذكر.

ذلك أن الإعلام الإسلامي- على تنوعه، وكما يبدو لي- كان مثله كمثل مريض دخل إلى صيدلية وراح يستحوذ منها على حبة من هنا وشربة من هناك كي يعالج مرضاً يعانيه من دون أن يشخص المرض ويتعرف على مسبباته. وهذا فضلاً عن أن الأدوية  التي استخدمها بحد ذاتها ليست من صنعه.

وأغلب ظني أن نجاح العقاد الإعلامي كان بسبب فهمه لطبيعة العمل الإعلامي ولأدواته ومحركاته ومستلزماته.

لقد عجز الإعلام الإسلامي (الهادف) عن تحقيق ما يطمح إليه وما يرتجى منه من التغيير في مجتمع تتناوشه المؤثرات الإعلامية من كل صوب ، بينما استطاع الإعلام الهابط أن يتسلل إلى المجتمع الإسلامي لينخر في جسده ويخترقه بحجة  الإمتاع والترفيه  العارض البريء بداية، ثم استطاع شيئاً فشيئاً أن يستأثر بوقت المشاهد ويصرفه عن الإعلام الجاد الهادف، لما ركب في طبع الإنسان من ميل إلى الراحة والهبوط، يزينه له هوى النفس ونزغات الشياطين.

ولن يقوى على مغالبة هذا الميل إعلام يستهدف السمو بإنسان القرن الحادي والعشرين، وانتشاله من براثن الشياطين- سواءً أكانوا شياطين الجنس والمتعة أو شياطين السياسة والتضليل الإعلامي- بآليات القرون الخوالي التي تعتمد الكلمة المنطوقة أو المكتوبة مجردةً من كل الوسائط المؤثرة الأخرى.

ولئن استخدم الإعلام الإسلامي الراهن الأدوات الإعلامية التي لم يصنعها، فإنه ما يزال يعمل بآلياته وخطابه القديم الذي لم يستطع  أن يطوره لمواجهة المستجدات.

لست بذلك أتجاهل الجهود الكبيرة –المخلصة منها أو التي خلطت عملاً صالحاً وآخر سيئاً- والتي بذلت لتأسيس إعلام إسلامي جاد، كما إني لا أنكر كفاية القائمين على هذا الإعلام، بقدر ما أشفق عليهم وأرثي لحالهم، فهم يعملون في أجواء ومناخات غير مواتية، وفي ظل ثقافة ترسخت لديها كراهية الفن وكل ما يمت إليه من أدوات، وما يتولد عنه من مستجدات، مستمدة كراهيتها من فتاوى شرعية تلوذ بظواهر النصوص  ولا تعبأ بمقاصدها، وتحافظ على بقاء المعلول، حتى بعد زوال علته سداً للذرائع، ولا تكف عن الإلزام به إلا تحت ضغط شيوعه في المجتمع متحدياً الفتاوى، فعند ذلك تتراخى ألسنتهم شيئاً فشيئاً عن النهي عنه، بذريعة عموم البلوى، ثم لا تلبث أن تتبناه، تلوب له بين دفاترها عن نص يبيحه إن لم تجد ما يحث عليه ويوجبه.

كل الذين عاشوا أواسط القرن العشرين يدركون كم من الوقت استغرق دخول الراديو إلى البيوت، ومن بعده التليفزيون، ولاقطات الفضائيات، تحت وطأة فتاوى التحريم، وبعضهم يعرف كيف قاطع أحدُهم أخاه، وكان من أجلة العلماء، ربع قرن من الزمان لأنه تولى برنامجاً تليفزيونياً تربوياً،كان له أكبر الأثر في توعية الناس بدينهم.

ولا يزال بعض من يعتقد حرمة الصورة حياً؛ يفتي بحرمتها، ويمتنع عن ارتكاب إثمها، وينهى الناس عنها في عصر الشاشة والأقمار الصناعية والهواتف المحمولة التي تلتقط  صورته ناطقةً أثناء إلقائه الدرس في حرمتها من دون أن يشعر.

ولقد ظلت كليات الفنون الجميلة التي تزود أجهزة الإعلام الحديث بالموارد البشرية اللازمة لها، ردحاً من الزمن محرمة على شباب الإسلام وفتياته؛ يرمى من يتجرأ على الانتساب إليها بالمروق والفسوق.

وما حديث الفنانات التائبات والفنانين التائبين عنا ببعيد، فقد تاب عدد من هؤلاء، وبدلاً من أن يمدوا الإعلام الإسلامي بخبراتهم التي هو أحوج ما يكون إليها، انسحبوا من الميدان  نهائياً، وما أجمل وأجدى لو أن توبتهم كانت في الفن بديلاً عن توبتهم من الفن.. إذن لأمدوا الإعلام الإسلامي بخبرات فنية يتحرق شوقاً إليها، ولكانت توبتهم نصوحاً يؤجرون عليها أعظم الأجر.

ولعل أفضل ما يرد به على الهجمات الإعلامية الغربية الموجهة ضد الإسلام ورموزه  وتعاليمه، مزيد من الوعي بأهمية الإعلام، ومزيد من استكمال عدته وإتقانه، ومزيد من الإسراع باجتهاد فقهي واعٍ ومسؤول ؛ يضع الأمور في نصابها، ويعالج المشكلات التي يطرحها الإعلام على ضوء فقه المقاصد، وتغير الأحكام بتغير الأزمان، وفرضيته إعداد القوة المستطاعة. ويقتلع من ضمير المسلم ما استقر فيه من رفضٍ مطلق للفن ليستبدل به رفضاً للفن الهابط وتشبثاً بالفن الذي يرتقي بالنفوس إلى معارج الكمال.

إن هذا الاجتهاد الفقهي الواعي لن يقوى عليه غير أولي العزم والبصيرة من العلماء الذين يعون مشكلات عصرهم ومن بينها مشكلات الصوت والصورة والآلة الموسيقية والسماع والأغنية والتمثيل والمسرح وغيرها من إشكالات الإعلام الذي بات أقوى أسلحة العصر التي تستحوذ على النفوس فتأسرها أو تستسلم لها عن بعد.

إن مشكلتنا مع الغرب لا تكمن فيما بات تيقيؤه – في سكرته- من إساءات موجهة إلى ديننا وقيمنا، فهو أضعف وأدنى في ميزان القيم من أن ينال منا، إلا ما يمكن أن يناله المفلس من المليء. وما صيحاته التي يطلقها إلا لهوسات مريض يحتضر.. لكنه الإعلام الذي يمتلكه عابراً للقارات بقوة واحترافية عالية، ونفتقده ونتعامل معه بهشاشة  وعجز وقيود لم نفلح في الفكاك منها.

لقد وصلت المنطلقات المادية بالحضارة الغربية إلى طريق مسدود، ففي الوقت الذي بلغ فيه الغرب ذروة التكنولوجيا، هبط في ميزان القيم والأخلاق إلى الحضيض.

وفي عصر المعرفة الذي تتحول البشرية اليوم إليه بتسارع مذهل؛ سوف تتغير معايير تقدم الأمم وتفوقها، فلا تقاس بمقدار ما تملكه من ثروة المال وقوة السلاح، بل بما تملكه من وفرة في المعلومات وقوة في الأفكار. وإن مخزوننا الفكري الكامن، وقيمنا الإنسانية العليا لهي الأرجح في موازين عصر المعرفة. والفرصة متاحة لنا في عصر المعرفة الوشيك إذا عرفنا كيف نمتح مخزوننا الفكري الوفير ، وكيف نبلغه بإعلام متطور ومؤثر.

محمد عدنان سالم

 

You may also like...

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *