يوميات حاج إلى بيت الله الحرام (7)

يوميات حاج إلى بيت الله الحرام..أيام معدودة، وينعقد المؤتمر العالمي السنوي في مكة..أقدم مؤتمر إنساني، وأوسعه تمثيلاً

السبت 24 ذو القعدة 1437

 (دورة الحج) – كما يحلو لي أن أسميها- دورة تدريبية صارمة، ذات برامج تثقيفية وتربوية تطبيقية مكثفة، تنظمها كل عام مدرسة بيت الله الحرام؛ الذي رفع قواعده أبو الأنبياء إبراهيم وابنه إسماعيل، ثم دعوا الله أن يتقبل منهما، وأن يبعث في ذريتهما رسولاً منهم يعلمهم الكتاب والحكمة ويزكيهم، فكان ذلك البيتُ أول بيت وضع للناس (مُبَارَكًا وَهُدىً لِلْعَالَمِينَ ¾ فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ مَقَامُ إِبْرَاهِيمَ وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِناً) [آل عمران: 3/96-97].

والميْدان الذي تقام فيه أنشطة هذه الدورة هو الوادي الذي أسكن فيه إبراهيم من ذريته مبتهلاً إلى الله أن يجعله مهوى أفئدة الناس، فكان دعاؤه أكثر الأدعية الإنسانية بركة، وأطولها عمراً، وأبقاها أثراً، فما تزال أفئدة الناس تهوي إلى البيت الحرام، ووفودُهم تتكاثر عاماً بعد عام؛ حتى ضاق بهم الوادي ذرعاً، وألجأ إدارات الحجّ إلى التشدد في طلبات الالتحاق بدوراته السنوية، للحد من تكرارها، وإفساح المجال لحجاج جدد، لم يسبق لهم أداؤها..

ذلك أن اتباع (دورة الحج) إلزامي، فهو فريضة على كل مسلم مستطيع؛ تسقط عن المسلم إذا أداها مرةً في العمر، ولا يُقبل فيها البدل إلا لعذر شرعي.. وإنما كانت كذلك لما تنطوي عليه من معان سامية ودروس بالغة، لا يمكن تبليغها إلا بالرحلة إليها، ولما تتضمنه من شعائر لا بد من ممارستها، فهي رحلة العمر التي يتوِّج بها المسلم وعيه الاجتماعي؛ من خلال عبادات تتدرج به من صلاة الجماعة، إلى صيام وزكاة، إلى حجٍّ يخرج به بعيداً عن أهله ومجتمعه الصغير، إلى مجتمع عالمي كبير، يجتمع فيه المسلمون على صعيد واحد، ليستيقنوا وحدة أصلهم على اختلاف ألسنتهم وألوانهم “كلكم لآدم وآدم من تراب، لا فضل لعربي على عجمي ولا لأبيض على أسود إلا بالتقوى “. وليتعارفوا على اختلاف شعوبهم وقبائلهم (وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ) [الحجرات: 49/13] .

وحين يعود المسلم من رحلة الحج إلى بلده، فإن المجتمع يمنحه شهادة تقديرية عظيمة، ويضفي عليه لقب (حاج) في احتفال كبير؛ تضاء له الأنوار وتنصب الزينات وتقدم الهدايا، وهو درجة أخلاقية تختلف عن الدرجات العلمية، فهي ترتب عليه في المجتمع من الواجبات، أكثر مما تمنحه من الحقوق، فقد أصبح حاجاً لا يليق به أن يكذب، أو يغش، أو يخلف الوعد، أو ينقض العهد، أو يأتي المنكر، أو يسيء إلى أحد، أو يُرى حيث نهاه الله أن يكون!!

 [وللحج مقاصد لو نجتهد لتلبيتها!! ص 7-11]

محمد عدنان سالم

You may also like...

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *