خلود الفكر في ضوء العلوم الاجتماعيّة

يتحدّث عامّة الناس وخاصّتهم عن قدرة المفكّرين العظام على تحدّي رحيلهم الجسدي من هذا العالم والبقاء بينهم حاضرين أحياء بفكرهم. وبلا ريب، فحديثهم ذو مصداقية عالية. ومع ذلك، فالمقولة تحتاج إلى أدلّة وحجج دامغة تمدّنا بفهمٍ وتفسيرٍ موضوعيّين ومجسَّمَين حول أسباب تأهّل الفكر البشري للبقاء طويلاً أو خالداً بعد اندثار جسد صاحبه. فالموضوع يتطلّب كشف الحجاب عن الأمر حتّى يُوضعَ حدّ للغموض والالتباس.

نودّ تشريح معالم هذا الموضوع بواسطة منظور العلوم الاجتماعية. نستعمل إطاراً فكريّاً جديداً لرفع تحدّيات صعوبة الظفر بفهمٍ وتفسيرٍ شفّافَيْن وربما مقنعَيْن للأسباب التي تجعل كبار المفكّرين لا يرحلون من الدنيا بسبب الموت المحتوم. نستعمل هنا نظريّتنا  للرموز الثقافيّة لمحاولة كسب الرهان.

الرموز الثقافيّة كبيئة لنشأة الفكر

تؤهّل العناصر المكوِّنة لمنظومة الرموز الثقافية (اللغة، والفكر، والدين، والمعرفة/ العلم، والقِيم، والأعراف الثقافيّة…) الإنسانَ لإنشاء الفكر بالطُّرق التالية:

  1. تأتي اللغة في الطليعة في هذا الأمر. لقد أكّدت البحوث المعاصرة على العلاقة القويّة السببيّة بين اللغة والفكر، والتي تتلخّص في القول : ينعدم التفكير والفكر من دون اللغة. هذا على المستوى النظري. أمّا على المستوى العملي، فالإنسان يعبّر عن فكره بواسطة استعماله اللغة في شكليها الشَّفوي والمكتوب. وممّا لا شكّ فيه، أنّ إنشاء الفكر والتعبير عنه في لغة مكتوبة يرشّحه أكثر من نظيره الشَّفوي إلى الاستمرار والدوام وحتّى إلى الخلود على مرّ العصور.
  2. يمثّل ميدان المعرفة والعلم، كعنصرَين في تعريفنا لمنظومة الرموز الثقافية، عاملاً مهمّاً لنشأة الفكر الإنساني ونضجه. وهذا ما يشهد عليه العصر الحديث على الخصوص.
  3. أثبت الدين عبر كلّ الحضارات البشرية أنّه عنصر فعّال في إنشاء الفكر الإنساني. ففكر الحضارة العربية الإسلامية متأثّر بقوّة بثقافة الدين الإسلامي.
  4. أمّا عالم القيم والأعراف الثقافية، فقد أنتج فكراً واسعاً في علمَي الأنثروبولوجيا والاجتماع على الخصوص.
  5. والفكر بكلّ أنواعه، كعنصر من منظومة الرموز الثقافية، قد يقود إلى ظاهرة الفكر حول الفكر. فكم من كُتب فكرية مثلاً أُلِّفت حول الفكر العمراني في مقدّمة ابن خلدون منذ القرن الثالث عشر؟

وهكذا يتّضح أنّ العناصر الرئيسية لمنظومة الرموز الثقافية تلعب دوراً بارزاً في إنشاء الفكر الإنساني بأصنافه المتعدّدة. فهي، إذن، بيئة صالحة ليس لميلاد الفكر فقط، وإنّما لنموّه ونضجه واستمراره حيّاً أيضاً لزمنٍ قصير أو طويل قد يصل إلى كسب رهان الخلود عبر الزمان والمكان.

تجاوز طبيعة الفكر منطق المادّيات

عند التعمّق في طبيعة الرموز الثقافية يتبيّن لنا أنّها تتّسم بلمسات متعالية transcendental تجعلها تختلف عن صفات مكوّنات الجسم البشري وعالم المادّة. ولشرح ذلك نقتصر على ذ كر سمة رئيسية لها تساعد على فهم ترشّح الفكر البشري للبقاء الطويل أو للخلود وتفسير ذلك. وتتمثّل هذه السمة في ما نسمّيه “خلوّ الرموز الثقافية من الوزن والحجم” بالمعنى المادي للأشياء. فكلّ العناصر المادّية لها وزن وحجم مهما كان صِغَر حجمها وتفاهة وزنها. وهذا ما لا نجده في عناصر منظومة الرموز الثقافية البشرية كاللغة والفكر والدين. ومن ثمّ، يمكن القول إنّ الرموز الثقافية هي ذلك الجانب الروحي من الإنسان كما تحدّث عنه الفلاسفة والرسالات الدينية عبر العصور باعتبار أنّ طبيعة الروحانيات ليست من جنس طبيعة المادّيات.

ومن منطلق تشخيصنا لازدواجية هويّة الإنسان كجسد ورموز ثقافية (جانب مادي/ ذي وزن وحجم وجانب غير مادي/ لا وزن ولا حجم له) تأتي مشروعية ضرورة إفساح المجال في البحث العلمي لتجاوز المنطق المادي لفهم الظواهر وتفسيرها. فالمفكّرون بشر أصحاب هويّة مزدوجة. والجسد هو الجانب المادي من الإنسان، والرموز الثقافية هي الجانب غير المادي منه. وباعتبار أنّ الفكر هو جزء في منظومة الرموز الثقافية، فإنّه مرشَّح لكي لا يخضع للمنطق المادي الذي يتأثّر به حتمياً جسم الإنسان، والمتمثّل في الفناء والتلاشي بعد الموت المحتوم. وبعبارة أخرى، الفكر كعنصر رئيسي في الرموز الثقافية مؤهّل بكلّ مشروعية لتجاوز عوائق المنطق المادي والبقاء طويلاً أو الخلود بعد الفناء الحتمي لأجساد المفكّرين.

علاقة اللغة بإنشاء الفكر وتخليده

هناك اتّفاق بين علماء الاجتماع والأنثروبولوجيا الذين اهتمّوا أكثر من غيرهم بدراسة عالم الرموز الثقافية، على أنّ اللغة، في شكلَيها المنطوق والمكتوب، هي أهمّ تلك الرموز الثقافية كلّها لأنّه من دون حضورها لا يمكن أن تقوم بقيّة الرموز الثقافية. ومن ثمّ، جاءت مقولتنا لتَعتبر اللغة أمّ الرموز الثقافية كلّها. أمّا الجانب المباشر، فيتمثّل في أنّ اللغة هي الوسيلة الأساسية التي يعبّر بها الإنسان عن فكره أو يكتبه بها. إذن، فالعلاقة بين الفكر واللغة هي حقيقة واضحة المعالم. واللغة لها قدرة كبيرة على تخليد ما يُكتَب بها. فاللغات المكتوبة بالتحديد تُمكّن المجموعات البشرية من تسجيل ذاكراتها الجماعية والمحافظة عليها إلى أجل غير مسمّى يشبه طول بقاء الكائنات الميتافيزيقية / المتعالية وخلودها. فممّا لا شكّ فيه أنّ الشخصيات التي كُتب لفكرها البقاء الطويل أو الخلود على مرّ العصور أخذت القلم وعبّرت عن فكرها في لغة أو لغات متعدّدة. ومن ثمّ، فاستعمال اللغة هو شرط ضروري لكتابة الفكر واحتضانه إلى أجل غير مسمّى. فالعلاقة، إذن، بين اللغة والفكر علاقة عضوية وحميمة إلى أقصى درجة.

طبيعة الفكر ترشّحه للبقاء

يتّصف العمل الفكري بالاستقلالية عن صاحبه بمجرّد ميلاده، بينما لا يتمتّع العمل الجسدي بذلك. فمهارة محمد علي كلاي في الملاكمة، مثلاً، لا يمكن أن تكون مستقلّة عنه. تجسُّدها وبقاؤها يتوقّفان بالكامل عليه كبطل للملاكمة في فترة محدودة من حياته.  يجوز تفسير هذا الفرق بطبيعة قطبَيْ ازدواجية الإنسان المتمثّلة في الجسد والرموز الثقافية. فاختلافهما على مستوى حضور أو غياب الاستقلالية المشار إليها يأتي من انتمائهما إلى قطبَيْن مختلفَيْن من هويّة الإنسان. فالعمل الفكري ينتسب إلى الرموز الثقافية/ القطب غير المادي، والعمل الجسدي ينتمي إلى الجسد/القطب المادي. تسمح هذه الرؤية المبنيَّة على عالم الرموز الثقافية بتفسير تمتّع الفكر البشري ليس بكثير من الاستقلالية فقط عن صاحبه، وإنّما أيضاً بقدرته على البقاء حيّاً حتّى إن لم يدوّنه صاحبه في نصّ مكتوب. إنّ الفكر اللغوي للعالم فردينان دي سوسيرFerdinand De Saussure  مثال على ذلك. فهو لم يقم بكتابة فكره المشهور في مؤلّفه المعروف (درس في علم اللسانيات العام Cours de linguistique générale) بل تكفّل طلبته بعد وفاته في عام 1913 بجمع فكر محاضراته اللسانية وإصدارها في كتاب أصبح مرجعاً رئيسياً في اللغة واللسانيات. وهكذا يتجلّى أنّ العوامل الثلاثة المذكورة: مساعدة اللغة على تخليد الفكر، وانتماء الفكر إلى عالم الروحانيات، وتأهّل طبيعة الفكر للاستقلال عن صاحبه والبقاء بعده، تعمل كلّها لصالح بقاء الفكر طويلاً أو خالداً بعد وفاة صاحبه.

البُعد الميتافيزيقي للفكر

إنّ وجوب حضور اللغة كوسيلة لإنشاء الفكر عند الإنسان ليست الوظيفة الوحيدة التي تقدّمها اللغة لفكر المفكّرين؛ بل إنّ للّغة المكتوبة على الخصوص دوراً حاسماً في تمكين الفكر من تجاوز فترة حياة مؤلّفه بعقود أو قرون أو حتّى إلى أجل غير مسمّى بعد وفاته. يضفي هذا الدور على الفكر البشري ما نسمّيه بعداً ميتافيزيقياً، بمعنى أنّه يمكّن الفكر من البقاء على الرّغم من رحيل صاحبه جسدياً. إنّ ملامح اللمسات الميتافيزيقية في الأنساق اللغوية لا تحتاج إلى عناء لإثباتها. فالمعطيات الميدانية تؤكّد قدرة اللغة على تخليد الأفراد والجماعات بواسطة الرموز  الثقافية عبر الزمان والمكان. فعلى المستوى الجماعي تمكّن اللغة المكتوبة على الخصوص المجموعات البشرية من تسجيل ذاكرتها الجماعية والمحافظة عليها وتخليدها، وذلك بعد زوال وجودها الجسدي وعلى الرّغم من إمكانية تغييرها للمكان وعيش أجيالها اللاحقة في عصور مختلفة. فمحافظة لغة الضّاد محافظة كاملة على النصّ القرآني خير مثال على مقدرة اللغة التخليدية بالنسبة إلى  حماية الذاكرة الجماعية والتراث الثقافي لبني البشر من واقع الفناء المتأثّر بالتأكيد بعوامل الزمن والبيئة والوجود الجسمي المادّي للمجموعات والمجتمعات والحضارات البشرية ذاتها. وينطبق الأمر كذلك على الأفراد. فالكتّاب العباقرة في كلّ الحضارات وعبر العصور المتلاحقة ما كانوا ليستطيعوا تخليد أفكارهم ونظريّاتهم بالكامل لولا توفّر اللغة المكتوبة المتطوّرة على الخصوص في ثقافاتهم. فأفلاطون وأرسطو وأخناتون والمعرّي وابن خلدون وابن رشد وروسو وماركس… ما كان لأفكارهم أن تصمد أمام عواصف الزمن لقرون طويلة وربما إلى أجل غير مسمّى لو أنّها لم تُحفظ في لغاتٍ مكتوبة.

مشروعيّة خلود الفكر البشري

وهكذا، فالتشخيص العقلي، كما رأينا، يؤكّد أنّ طبيعة الإنسان مزدوجة: جسد ورموز ثقافية. فالجسد معرّض لحتميّة الفناء، بينما منظومة الرموز الثقافية مرشَّحة بقوّة للبقاء الطويل أو للخلود بسبب طبيعتها غير المادية / المتعالية والميتافيزيقيّة. ومن هنا، تأتي مشروعيّة استعمال الناس، من الخاصّة والعامّة، كلمة الخلود لكي يصفوا بها فكر أو حكمة هذا الفيلسوف، أو ذلك المفكّر الكبير، ورجل الدين، والعالم الشهير، الذين ظلّت أفكارهم ونظريّاتهم وحكمهم وقوانين اكتشافاتهم تُردّدها الأجيال المتعاقبة وتستعملها عبر العصور. فمسألة خلود الفكر الإنساني تثير بالطبع سؤالاً معرفيّاً لا ينبغي الهروب منه ولا محاولة الإجابة عنه بكثير من الغموض الذي يضرّ في نهاية المطاف بعمليتَيْ الفهم والتفسير، ومن ثمّ بكسب رهان التقدّم في ميادين المعرفة والعلم. نعتقد أنّ الإطار النظري لمفهوم الرموز الثقافية المطروح هنا يساعد كثيراً على وضع حدّ للغموض في الفهم والتفسير ومنه القدرة الكافية على التعرّف إلى أسباب طول بقاء أو خلود الأفكار والحكم والنظريات والمفاهيم والقوانين العلمية عبر الزمان والمكان.

http://ofoq.arabthought.org/?p=2523

كاتب المقالة: د.محمود الذوّادي
المصدر: مجلة ” افق “

You may also like...

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *