يوميات حاج إلى بيت الله الحرام (2)

يوميات حاج إلى بيت الله الحرام

أيام معدودة، وينعقد المؤتمر العالمي السنوي في مكة

أقدم مؤتمر إنساني، وأوسعه تمثيلاً

الاثنين 19 ذو القعدة 1437

ما الذي أخرج الحج عن مقاصده العليا؟!

أهو التدبير الخارجي وخطة الغرب المحكمة؟!

أم هو الوهن الذي أصاب المسلمين فباتوا يتمسكون بالشكل ويغفلون عن المضمون؟

أم هما العاملان الخارجي والداخلي معاً قد تضافرا على إفراغ الحج من مضامينه، وعزله عن مقاصده؟؟

يبدو أن الاحتمال الأخير هو الأوفر حظاً في تفسير جميع ما يحيق بالمسلمين من ويلات، فلا بدَّ- عندما يفقد أي مجتمع فاعليته فيصبح منفعلاً بالأحداث بدلاً من أن يكون فاعلاً فيها – أن يكون هو الطرف المهزوم في مواجهته مع مجتمع مذخور بالفعالية؛ يضع أهدافه التي يروم تحقيقها على المدى البعيد، ويرسم خططه التنفيذية لبلوغها على مراحل، لا يبدأ مرحلة جديدة ما لم يتأكد من نجاحه في إنجاز سابقتها..

fikr-haj-2016

وفي ضوء هذا الاحتمال الأخير يمكن تفسير سائر الظواهر التي غالباً ما يكون المسلمون الطرف الخاسر فيها؛ من إفراغ الحج من مضامينه، إلى تدمير الأسرة، إلى هجنة اللسان، إلى تمزيق الكيان، وإذكاء مشاعر النقص والدونية، وقبول الغزو والاحتلال والاستيطان!!

فعزو ذلك كله إلى العامل الخارجي وحده، وهو هنا العدو المستعمر المتربِّص يجعلنا أسرى نظرية المؤامرة؛ نعلق كل مآسينا وهزائمنا على مشجب الاستعمار؛ نبرئ بذلك ذواتنا، ونعفي أنفسنا من كل مسؤولية، مقتنعين أن لا حول لنا ولا حيلة َ إزاء ما نتعرض له من عدوان، سوى أن نلعن الاستعمار والشيطان، ونستعين عليهما بالله تعالى، نكل إليه مهمة كفايتنا شر الأعداء.

لكن الله تعالى سرعان ما يرد المسؤولية إلينا {أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ } [آل عمران: 3/165] .

وردُّ ذلك كله إلى العامل الذاتي وحده، يوقعنا في مغبة جلد الذات، وما يترتب عليها من اليأس والإحباط وسيطرة مشاعر النقص والعجز والكلالة، وتكتيف اليدين، وطأطأة الرأس لتلقي المزيد من الضربات. بينما إدراك العامليْن الخارجي والداخلي معاً، سوف يؤهلنا لخوض المعركة، على بصيرة وبينة، تتيح لنا مواجهة الخطط المدبرة بخطط مدبرة أخرى لمواجهتها وإحباطها أو تفادي آثارها.

إن علينا أن ندرك تماماً أن ردود الأفعال الآنية العشوائية لا يمكن أن تقف في مواجهة الخطط المدبرة المحكمة، بل إن هذه الخطط سوف تتجاهلها، واثقة من أنها زوبعة في فنجان ما تلبث أن تهدأ، لتواصل الخطة التنفيذ على أرض الواقع في خطوات مدروسة.

وذلك هو ما أطلق عليه مالك بن نبي مصطلح القابلية للاستعمار التي تنجم عن انعدام الفاعلية المساوية لانعدام الوزن، فالفعل ينبغي أن يقابله الفعل المدروس، وليس رد الفعل الغريزي الآني.

[وللحج مقاصد لو نجتهد لتلبيتها!! ص 72-75]

 

 

You may also like...

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *