“لقاء مع فضيلة الشيخ وهبة الزحيلي حول حج المرأة وعمرتها”

أكد الدكتور وهبة الزحيلي  رئيس قسم الفقه الإسلامي ومذاهب بجامعة دمشق أن الحج كما هو معلوم أحد أركان الإسلام الخمسة ،للرجل والمرأة ،بشرط توافر الاستطاعة البدنية والمالية والأمنية،وأضاف في لقائه مع ” الوطن العمانية” : يزداد على المرأة أنه لايجب عليها الحج أو العمرة إلا بتوافر محرم قريب كالأب والابن والأخ والصهر والعم ، والزوج ، وأجاز الشافعية أن تحج حجة الفريضة أو العمرة المفروضة مع نسوة ثقات، أو مع امرأة ثقة على الصحيح، والأصح:أنه لا يشترط وجود محرم أو زوج لأحدهن وذلك لأن سفر المرأة وحدها حرام، وإن كانت في قافلة أو مع جماعة، لخوف استمالتها وخديعتها، ولخبر الصحيحين:((لا تسافر المرأة يومين إلا مع زوجها أو ذومحرم)) وفي راوية فيهما: ((لا تسافر المرأة إلا مع ذي محرم))أي لمسافة القصر 86 أو89 كم، ولم يشترطوا في الزوج والمحرم كونهما ثقتين، كما اشترطوا في ((نسوة ثقات))، ولا يكتفي بالصبي ،إذ لا يحصل لها معه الأمن على نفسها إلا في مراهق ذي وجاهة، بحيث يحصل معه الأمن، لاحترامه.

وحول شروط وآداب حج المرأة  قال الشيخ الزحيلي:” ذكر الإمام النووي في كتابه ((منسك النساء)) شرائط وآداب حج المرأة أو عمرتها، منها أن تبدأ بالتوبة، واستحلال من بينها وبينه تعلق ، أي معاملة في شيء أو مصاحبة ,  بأن تستسمح منه أو منها ،واسترضاء الذي تؤمر بإرضائه ،وطلب الدعاء ممن يرجى إجابة دعائه، وتكتب وصيتها إن كان لها ما توصي فيه , وتحرص على كون نفقتها حلالاً طيباً ,وتترك الترف والزينة في سفرها , وتترك الشبع المفرط , وتلتزم بحسن الخلق وترك المخاصمة و صيانة لسانها عن كل مذموم , وتظهر الجرأة و قوة الشخصية ,  فلا تخضع ولا تلين بالقول أو الخطاب مع الآخرين  , وتكبر و تلبي و تسبح في الأماكن المرتفعة والوديان و نحوه مع خفض صوتها .

وبعد وصولها إلى الميقات أو أرادت الإحرام يقول الشيخ الزحيلي: “إذا وصلت إلى الميقات أو أرادت الإحرام استحب لها أن تغتسل ولو كانت حائضا أو عجوزا أو شابة، مزوجة أو غيرها فان تعذر لها الغسل تيممت في الوجه و اليدين.

ويستحب للمرأة قبل الإحرام التطيب في بدنها وخضاب يديها بحناء وتقلم أظافرها و تزيل شعر الإبط و نحوه  قبل الإحرام ,  ويكره لها في الإحرام لبس الثوب المصبوغ ,  فإذا اغتسلت و تنظفت , صلت ركعتين ولو في الطائرة أو في السيارة تقرء فيهما ((الكافرون و الإخلاص)) .فإذا أرادت السير أحرمت مستقبلة القبلة, ثم تلبي خافضة صوتها وتكرر التلبية كالرجل في المناسبات قائلة:((لبيك اللهم لبيك لبيك لا شريك لك لبيك إن الحمد لك و الملك لا شريك لك)) وتكثر التلبية في كل حال، ولو حال الحيض،  وتسمع نفسها فقط، وإذا لم تلبي في جميع حجها أو عمرتها  فاتتها الفضيلة وصح حجها، وتنوي الدخول في الحج أو في العمرة أو تقرن بينهما بالقلب، ولا يجب التلفظ باللسان فان تلفظت كان حسنا.

وعن المحرمات أثناء الإحرام يقول فضيلة الشيخ الزحيلي: يحرم على المرأة أثناء الإحرام استعمال الطيب والدهن المطيب في البدن والثوب والطعام والشراب و دهن شعر الرأس بكل دهن. ويحرم الاكتحال بما في الطيب، ويحرم دواء العرق الذي فيه طيب،ويحرم الجماع والقبلة واللمس بشهوة، ويحرم عليها النظر إلى الأجانب في الطواف و في الوقوف بعرفة و المزدلفة وغيرهما، وفي الطريق وفي سائر الأوقات إلا لحاجة كالبيع و الشراء والمداواة و نحوها،  ويحرم عليها الصيد كما يحرم على الرجال.

ويجوز لها غسل رأسها بما ينظفه كالصابون دون نتف شيء من شعرها, والأولى ترك الغسل، و يجوز لها دخول الحمام والفصد والحجامة إذا لم تقطع شعرا، ويجوز حك الرأس بأظفارها بحيث لا تقطع شعرا، والمستحب تركه فلو حكت فنتفت شعرة، لزمتها فدية، ويجوز لها تنقية القمل من رأسها وبدنها وثيابه وقتله،  ولا فدية عليها.

وعن حالة الحائض و النفساء يقول د. الزحيلي: يصح من الحائض و النفساء جميع أعمال الحج إلا الطواف و ركعتيه , لكن إذا حاضت المرأة ولا يمكنها التأخر بمكة حتى تطهر لا ارتباطها مع جماعة يريدون سفرا , فلها فعل الطواف مع إحكام الربط وتذبح بدنه (جمل أو ناقة) في رأي الحنيفة, وشاة في رأي شيخ الإسلام ابن تيميه. .

وعن الوضع بعد الإحرام يقول الشيخ الزحيلي:” تبقى المرأة بعد الإحرام لابسة ثيابها المعتادة، ولا يحرم عليها من اللباس إلا شيئان: أحدهما: القفاز في يديها.  والآخر: يحرم ستر وجهها بكل ساتر. ولها أن تسدل على وجهها ثوبا متجافيا عن وجهها بعود ونحوه بحيث لا يمس البشرة . وان احتاجت إلى ستر وجهها لمرض و نحوه ,  سترته بما يمس بشرتها ولزمتها الفدية (ذبح شاة) .

ويلفت فضيلة الشيخ الزحيلي انه يستحب للمرأة عند إرادة دخول مكة أن تدعوا عند دخول الحرم وعند رؤية الكعبة، ما أمكنها من أمور الآخرة و الدنيا. وتستحضر عند رؤية الكعبة ما أمكنها من الخشوع والخضوع و الأدب وان كانت جميلة يستحب لها آن تطوف بالنهار ولكن بالليل في وقت قلة الناس وتبعد عن مواضع الرجال وتحرص على السلامة من أن تفتن أو تفتن غيرها .

وإذا طافت لم ترمل((لم تسرع بالمشي)) بل تمشي على عادتها، وتصون يديها و رجليها عن مواضع الرجال لئلا ينتقص وضوءها، ولا تلمس الحجر الأسود ولا تقبله، إلا  بالليل عند خلوة ما أمكنها، وكذلك تفعل في السعي ليلا إن كانت جميلة، و تمشي في السعي دون هرولة في جميع المسافات بخلاف الرجل ويصح سعيها مجنبة و محدثة و حائضا، ويصح وقوفها بعرفات حائضا ويستحب أن تغتسل للوقوف، ولو كانت حائضا، و تحذر في الوقوف عن النظر للأجانب وعن الكلام القبيح وعن كل شيء مذموم، و يستحب لها إحياء ليلة المزدلفة بصلاة وقرآن و ذكر، ويحصل الإحياء بأكثر الليل، ولا شرط في كله، ولا يسن للمرأة أن ترقى على الصفا و المروة، ويستحب لها إذا رمت حجر العقبة أو غيره أن لا ترفع صوتها ويديها. وإذا عجزت عن الرمي بسبب الازدحام وكلت غيرها، منعا من الاختلاط الشديد الحاصل في الرمي، وتقصر من شعرها من جميع جوانبه قدر أنملة عند التحلل من حج أو عمرة , وتحذر في الطواف وغيره من كشف شيء من شعرها أو قدميها ,  ويستحب لها أن تستنيب في ذبح هديها و أضحيتها , وتحترز عن المزاحمة في كل مناسك الحج , وينبغي لها تعجيل طواف الإفاضة يوم النحر ,  مخافة الحيض و غيرها , وإذا تناولت دواء لمنع الحيض فجائز ولا تأخذ شيئا من حرم مكة و المدينة ,  ولها اصطحاب ماء زمزم وكسوة الحرام .

وعن سبب تأجيل معظم النساء الحج حتى سن متأخرة يقول الشيخ الزحيلي: الأمر خطأ واضح وينافي القاعدة الشرعية “حجو قبل أن لاتحجو”، وينافي عقيدتنا وإيماننا بان العمر محدود والآجل معروف لا يزيد ولا ينقص فلا يستطيع إنسان في هذا العالم أن يضمن عمره إلى وقت الشيخوخة، فهم يؤجلون في هذا ظنا منهم انهم في أخر العمر يكونون قد كفروا عن خطاياهم أملا بالحديث الشريف “أن الحج المبرور ليس له جزاء إلا الجنة ” يعني ليغسل ذنوبهم طوال الحياة ، هذا هو منشأ التصور عند العوام ولكنه منافي القواعد الشرعية.

أما لماذا يعطي الرجل الأولوية لنفسه في الحج قبل زوجته فيقول فضيلة الشيخ الزحيلي: هذه الأولوية لأنه هو المالك، ولا يلزم الزوج شرعا بإحجاج زوجته، وهو عندما يقوم بإحجاجها فهذا تبرع و تطوع منه فيبدأ بنفسه لأنه هو المخاطب بأداء فريضة الحج والعمرة وإذا كان لديه دخلا إضافيا عندها اغلب الناس يتبرعون ويتطوعون باحجاج زوجاتهم معهم.

وعن سبب كون النساء اكثر حجا من الرجال يقول الشيخ الزحيلي:” يتفق هذا مع طبيعة المرأة وأنها دائما تؤسر اللطف والرقة والخوف من الله جل جلاله، في حين أن طبع الرجل يتسم بالقسوة وبشيء من الشدة، ولذلك فان طبيعة المرأة أميل دائما إلى الالتزام بالأحكام الشرعية من صلاة وصيام وحج وزكاة لان عاطفتها ارق من عاطفة الرجل ، وبناء على ذلك يكون خوفها من الله عز وجل اكثر. فضلا عن كون الرجل مشغول دائما بجمع المال وتكريس حياته لان يكون متميزا بين أفراد المجتمع في المنصب والجاه والثروة وغير ذلك، أما المرأة فهي تعيش في ظل الرجل وبمجرد أن تملك أو يوافق زوجها على ان تحج نراها تبادر فورا لأداء الفريضة، بمعنى ان المرأة ليست مشغولة بهذه المشاغل الدنيوية والاعتبارات لان لها ظلا معينا تقف عنده أما مطامح الرجل فتكون كثيرة، ومن هنا كانت الرغبة والميل للإكثار من أداء الطاعات من حج أو غيره عند النساء اكثر منه عند الرجال،  وكل هذا عند المستقيمين، أما بعض النسوة اللواتي يتبرجن ويرتكبن المخالفات فـ هؤلاء في الحقيقة ابعد عن الطاعات والرجال ربما يكونون افضل حالا منهم اذا بقوا على هذا النحو من الانحراف.

المصدر: 
جريدة الوطن العمانية

You may also like...

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *