لماذا لا تكلّمني بالعربيّة؟

لطالما كانت اللغة العربية فخر العرب والمسلمين. أليست هي لغة القرآن وقد اختارها الله عزّ وجلّ لتبليغ رسالته السماوية على لسان نبيّه المصطفى محمد؟ أليست هي، وعلى نحو معيّن، مقدّسة قداسة الإسلام عينه، الأمر الذي أسهم في جعلها مكرَّسة في مختلف دساتير الدول العربية؟ فلماذا يا تُرى يُهان المدافعون عنها اليوم؟ ثمّة بروفيسور جزائري يُدعى جمال ضوّ كلّفته المدافعة عن اللغة العربية الطرد من طائرة تابعة للخطوط الجوّية الجزائرية بعدما اتّهمه قائدها بتشكيل خطر على سلامتها. فهل أصبحت اللغة العربية، لهذه الدرجة، مصدر إشكال لمَن يدافع عنها؟

في فيديو مطوّل – تداولته مختلف الوسائل الإعلامية العربية ومواقع التواصل الاجتماعي- شرح البروفيسور الجزائري جمال ضوّ مجريات الواقعة التي أحدثت ضجّة إعلامية واستنكاراً شعبياً واسعاً في الجزائر، أواخر أغسطس(آب) الماضي. فبعد مشاركته في ندوة جريدة “الشروق” حول “واقع اللغة العربية في المدرسة”، والتي نُظّمت في الجزائر العاصمة، استعدّ البروفيسور للعودة إلى مسقط رأسه، مدينة وادي سوف. وهو على متن طائرة تابعة لشركة الخطوط الجوّية الجزائرية، جاءته مضيفة، وبِلغة فرنسية محضة، طلبت منه أن يُغيّر مكانه، فلم يرَ أيّ إشكال في ذلك، فلبّى الطلب بكلّ بساطة. الإشكال الوحيد الذي انزعج منه الرجل، عدم مخاطبة المضيفة له بلغته الأم (العربية) ولا حتّى العامّية. وتفادياً لإحراجها أمام الركّاب، سلّمها قصاصة ورق صغيرة كتب فيها: ” تكلّمينني بالفرنسية، هذه ليست لغتي… يمكنك أن تتحدّثي بالعربية.. عليك الاختيار”. هنا بدأت الإهانة…
وكأنّ الأمر يتعلّق باكتشافٍ إرهابيّ على متن الطائرة، أخذت المضيفة الورقة إلى قمرة القيادة، وبعد عشر دقائق، صعد شرطيّان إلى متن الطائرة وطالبا البروفيسور ضوّ بالنزول ليتحدّثا إليه، فتعجّب الرجل من الأمر رافضاً طلبهما، بحكم أنّه لم يرتكب أيّة مخالفة. وبعد إصرار الشرطة، نزل جمال ضوّ لمتابعة الأمر معهما.

على الأرض، التقى البروفيسور بقائد الطائرة الذي قال له حرفياً إنه يرفض الإقلاع بالطائرة وهو فيها، لأنّه يشكّل “خطراً على سلامتها”، فردّ عليه جمال ضوّ بأن الطائرة ليست ملكه الشخصي حتّى يتصرّف كما يشاء، ومن دون أيّ مبرّر مقنع. وعلى الرغم من محاولة الشرطة، لمدّة 20 دقيقة، حلّ هذه المشكلة بطريقة سلميّة، أصرّ قائد الطائرة على موقفه. ولأنّه سيّد الموقف – كما برّرت الشرطة ذلك للبروفيسور – صعد القائد بمفرده إلى الطائرة لتحلّق من دون الرجل المدافع عن اللغة العربية.
ولأنّه لم يتقبّل الإهانة، قرّر البروفيسور رفع دعوى قضائية ضدّ قائد الطائرة نتيجة قراره التعسّفي – على حدّ قوله- وضدّ مسؤولي شركة الطيران. لا لشيء إلّا لاسترجاع كرامته وإيصال صوته المدافع عن اللغة العربية إلى أعلى المستويات.

المُهان برتبة بروفيسور
في مختلف الجامعات الغربية – الأميركية والفرنسية والإيطالية – جال الرجل النابغة باحثاً في حقل الفيزياء النظرية ليرتقي بعد سنوات من البحث والعمل إلى رتبة عالم فيزياء. تفتّحه على العالم الآخر بقارّاته الخمس، أكسبه إتقان العديد من اللغات الأجنبية، أهمّها الإنجليزية والفرنسية والإيطالية وحتّى العبرية. وعلى الرغم من ثرائه اللغوي واحتكاكه بالعديد من الشخصيات العلمية الأجنبية، إلّا أنّ ذلك لم يمنعه من التشبّث بلغته الأم “العربية”.
وعلى الرغم من عمله في مختلف الجامعات الغربية والعربية، آخرها جامعة الرياض في المملكة العربية السعودية، قرّر البروفيسور جمال ضوّ أن يضع ثقله المعرفي في خدمة أبناء وطنه، فاختار مسقط رأسه مدينة وادي سوف، حيث عُيّن في جامعتها، رئيساً لمجلسها العلمي، بحكم سيرته العلمية التي تجاوزت الحدود الجغرافية لوطنه الجزائر.

حادثة مماثلة لكن من دون عواقب
في مقال نشرته جريدة “أخبار اليوم”(28 /1/ 2015) وعلى موقع القدس العربي، حمل عنوان: “حذار… سأحدّثك بالعربية”، روت الإعلامية والكاتبة الفلسطينية ديمة خطيب قصّة انزعاجها من مخاطبة إحدى المضيفات لها بلغة أجنبية. ففي رحلة على متن خطوطٍ جوّية عربية، بين مدينتين عربيّتين، تقول الكاتبة إنّ مضيفةَ طائرة حدّثتها بإنجليزية “بشعة” – على حدّ قولها- فأجابتها بالعربية وسألتها:” لماذا لا تحدّثينني بالعربية؟” ضحكت المضيفة وواصلت كلامها بالإنجليزية، ما أثار غضب ديمة فقرّرت أن تجيبها بالعربية الفصحى. عندها سألتها المضيفة، وهي تتكلّم ببطء، “من أين أنتِ؟” فقالت ديمة: “أنا عربية طبعاً!” فقالت: ” فكّرتك أجنبية لأنّ عربيّتك فصحى”. تعجّبت ديمة من هذا الردّ وقالت في قرارة نفسها إنّ” التحدّث بالإنجليزية – في رأس تلك المضيفة- يعني أنّني عربية، و التحدّث بالفصحى يعني أنّني أجنبية!”

توقّفت ديمة عن مساءلة المضيفة لإدراكها أنّ هذه المشكلة – عدم التكلّم بالعربية- لا تقتصر على تلك المضيفة فحسب، وإنما هي تطال شريحة كبيرة من العرب الذين يتفادون التحدّث بلغتهم الأمّ. وهكذا، راحت الكاتبة في مقالها تسترجع ذكريات الماضي واعترفت حينها أنّها كانت من قبل لا تتكلّم العربية المحض وإنما كانت تتعمّد هي وباقي الأشخاص الذين كانت تخاطبهم على المزج بين لغات عدّة، ولاسيّما الإنجليزية والفرنسية، لأنّ ذلك كان يُشعرهم بأنّهم مثقّفون وأكثر تحضّراً من غيرهم، على حدّ قولها. “عقدة نقص بلا شكّ!”، بهذا فسّرت ديمة خطيب، في مقالها، هذه الظاهرة المتداوَلة بكثرة في المجتمع العربي.

العربيّة بين الاعتزاز والتجاهل
تكمن أهمّية لغة الضاد في كونها إحدى أكثر اللغات انتشاراً في العالم. فهي تُتداوَل يوميّاً، من قِبل أكثر من400 مليون نسمة في الوطن العربي، وفي العديد من الدول الآسيوية والأفريقية. وهي لغة القرآن والوحي بمعتَقَد أكثر من مليار مسلم في العالم. ونظراً لقيمتها الدينية والاجتماعية، اتُّخِذت العربية لغةً رسمية في كلّ الدول العربية وبعض الدول غير العربية كالتشاد وأريتيريا والكيان الإسرائيلي. دولياً، هي إحدى اللغات الرسمية الستّ في منظّمة الأمم المتّحدة، حيث تمّ اعتمادها سنة 1974 لغةً رسمية(سمير أبو عفسي، تاريخ وتطوّر اللغة العربية).

تُعرَّف العربية منذ القدم بأنّها لغة الضاد. ذلك أنّ هذا الحرف تختصّ به العربيّة دون غيرها من اللغات، ما جعل المتنبّي يقول:

” وبهم فخر كلّ مَن نطق الضاد        وعوذ الجاني وغوث الطريد”

أجمع اللغويّون على تصنيف اللغة العربية من ضمن أسرة اللغات السامية، في حين تعدّدت الآراء حول أصل العربية. هناك مَن يرى أنها أقدم من العرب أنفسهم، حيث يسود اعتقاد أنها لغة آدم في الجنّة. وهناك مَن يعتبرها مجرّد لهجة شِيع تداولها في شبه الجزيرة العربية، ثمّ تطوّر استعمالها مع الوقت حتّى صارت لغة بحدّ ذاتها، أي صار لها صرفها ونحوها وقواعدها بعامّة. ومنهم مَن يرى أنّها لغة قوم قريش، حيث كان الرسول الكريم، صلّى الله عليه وسلّم، يعيش بينهم، لدى نزول الوحي القرآني عليه باللغة التي كان يفهمها ويتداولها، فصارت للعربية أهمّيتها وذاع صيتها بين القبائل والمسلمين، في الجزيرة العربيّة والعالم.

مهما يكن من أمر، فالعربية موجودة منذ الأمد البعيد، مهما تعدّدت لهجاتها واستعمالاتها بين شعوب المنطقة العربية. والحقيقة التي لا يُنكرها أحد، أنّ العربية لم تكن مجرّد لغة الشعر والأدب، التي ملأت مدوّنات المتحكّمين في آدابها ومناهجها، وإنما كانت أيضاً حاملة للدين والفكر والعلم. كيف لا وهي لسان حال العلماء القدامى الذين رفعوا قيمتها عالياً بجهودهم وابتكاراتهم العلمية العديدة التي كانت تُسجَّل عبرها. ومن أمثال هؤلاء العلماء رائد الطبّ ابن سينا، ومن بعده الرازي، والحارث بن كلدة، وابن البيطار، رائد علم الصيدلة، والخوارزمي، مؤسِّس علم الجبر، وجابر ابن حيّان، رائد علوم الكيمياء، الذي ألّف نحو 500 مصنَّف علمي تطبيقي، فضلاً عن ابن الهيثم الذي أفنى حياته في دراسة الرياضيات وعلم الفلك والفلسفة(خير الدين الزركلي، “الأعلام”).

ومع الفتوحات الإسلامية، ووصول لغة الضاد إلى أقصى البقاع، عُرفت بين شعوب العالم آنذاك، على أنّها لغة فكر وفلسفة وعلم وتقدّم. نتيجة لذلك اضطر العديد من روّاد العلم، من غير العرب، إلى تعلّمها والاهتمام بها والارتقاء عبرها في معارج التطوّر الفكري والعلمي في ذلك الزمن.

لكن مع الأسف إنّ حال العربية اليوم لا تُحسد عليه، وإنّ مرحلة الانتعاش والاعتزاز التي عرفتها سابقاً، لم تدم طويلاً، فسرعان ما عرفت ركوداً وخمولاً، امتدّ لسنوات عديدة، خصوصاً بعد رحيل العلماء العرب الذين لم يتركوا خلفاء لهم ليدافعوا عنها ويدفعوا بشعلتها التي أضاءت لقرون عدّة حضارة المنطقة.

لعلّ هذا ما يفسّر ركود اللغة العربية وتجاهلها بين العرب أنفسهم، إذ لم تعد لغة العصر المتداوَلة بين شعوب العالم، فهي ليست لغة العلم والتكنولوجيا اليوم، وإنما هي مجرّد لغة دين وأدب وشعر كما يزعم كثيرون.

مهما يكن من أمر، فإنّ تقدّم أيّ لغة يُقاس بتقدّم الوسط الذي تنتمي إليه علمياً وفكرياً وسياسياً وحضارياً، وما على العرب اليوم إلّا مواكبة التقدّم العلمي والتكنولوجي والمعرفي بعامّة، حتّى يعيدوا لوجودهم أولاً وللغتهم ثانياً المكانة التي كانوا وكانت عليها.

جازية بايو

* إعلامية وباحثة في كلّية علوم الإعلام والاتصال- الجزائر

مجلة ” افق “

You may also like...

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *