علاقة اللغة بالفكر

طال النقاش فيها زمناً طويلاً مسألة علاقة اللغة بالفكر، خصوصاً بين علماء اللسانيات وعلماء النفس، فضلاً عن علماء التربية وعلماء الاجتماع. وقد ذهب عالم النفس الأميركي، ومؤسّس المدرسة السلوكية، جون واطسن (1878 – 1958) إلى حدّ التوحيد بينهما؛ فهو يرى، مثلاً، أنّ الفكر ليس شيئاً أكثر من الكلام الذي بقي وراء الصوت؛ إنّه كلام تقوله الحنجرة لا الصوت. وعندما نفكّر، فإنّنا نتكلّم فعلاً، على الرغم من أنّ هذا الكلام لا يمكن أن يُسمَع.

 

لقد أثارت نظريات واطسن هذه عدداً من أصحاب الدراسات التجريبية في هذا المجال، بينهم الهندي راجو ب. سينغ، والإيطالي باولو ريندالي، ما برهن على أنّ عملية التفكير مصحوبة فعلاً ببعض حركات اللسان وبعض أجزاء أخرى من الجهاز الصوتي والحنجرة.

وقد اعترض آخرون على واطسن بالقول إنّه، وعلى الرغم من أنّنا نفكّر عادة بواسطة اللغة، فإنّ من الممكن أيضاً أن نفكّر بالصور، من غير أن نعبّر عن التفكير بالكلمات. ولوحظ أيضاً أنّنا نفكّر بشيء، ونقول بغيره، بحيث لا يكون الكلام من وراء الصوت شرطاً أساسياً سابقاً للتجربة في عملية التفكير.

وسواء وحّدنا بين اللغة والفكر أم لم نوحّد، فإنه ليس هنالك أدنى شكّ بأنّ التفكير (في أغلب الحالات) يقتضي استخدام اللغة، وأنّ لطبيعة اللغة أثراً كبيراً في طبيعة التفكير.

من جهته، يرى رائد اللسانيات الأميركي إدوار سابير (1884 – 1939) أنّ أشكال أو صور لغتنا، تُهيّئنا سلفاً لبعض أشكال الملاحظة والتأويل؛ وعلينا أن نتعلّم في عدد كبير من الحالات أن نكافح مقتضيات اللغة. وعندما نستعمل تعبير ” العشب يتموّج بالنسيم”، أو” إنّ الاحتكاك يخفّف حركة النسيم”، فإنّنا نقع في خطأ تشخيص أو ” تجسيد” كلمات ليس لها معنى.

تبدو هذه العملية بوضوح أيضاً في كثير من دراسات عالم النفس السويسري جان بياجيه (1869- 1980) المتّصلة بالعلاقة بين اللغة والفكر عند الطفل. لقد لاحظ بياجيه لدى الأطفال (هو في المناسبة مطوّر نظرية التطوّر المعرفي عند الأطفال، في ما يعرف الآن بـ”علم المعرفة الوراثية”) ميلاً إلى تشخيص أشياء جامدة، والتحدّث عنها، كما لو أنّها أشياء حيّة. وهو يرى أنّ هذا الميل “الإحيائي” ميل عام لدى الأطفال، لا يتغلّبون عليه إلّا بالتدريج، ومع تقدّمٍ في السن. ومع ذلك، فإنّه يقرّ هو نفسه بمسؤولية عاداتنا اللغوية في هذا الموضوع. وإذا قلنا إنّ الشمس ” تشرق” أو ” تغرب”؛ وإذا تساءلنا “ماذا تقول الأمواج الثائرة؟”، أو عندما نقول “هي” حينما يكون المقصود بذلك الباخرة”، فإنّ من الواضح أنّنا نشجّع الأطفال في مجتمعنا على التعبير عن هذا الميل إلى التشخيص.

على مستوى آخر، لاحظت عالمة الاجتماع الأميركية مارغريت ميد (1901 – 1978) أنّ لغة قوم جزيرة المانوس في غينيا الجديدة، تلك اللغة الأقرب إلى المحسوس، ربما كانت، إلى حدٍّ ما، سبب فقدان هذا الميل لدى أطفالهم. ويرى بياجيه أنّ هذا الميل سيظلّ قائماً، حتى ولو لم تشتمل عليه اللغة؛ غير أنّه يقبل بأنّ اللغة تُحدث فيه بعض التأثير.

إنّ وجود مثل هذا الدليل اللغوي تقريباً، هو الذي أدّى بــ”ماكس مللر”، عالم اللغويات الألماني، إلى اعتبار الميثولوجيا، أو الخرافة، “مرضاً لغوياً”؛ فعندما نقول إنّ الشمس ” تحاول” اختراق الغيوم، أو إنّ الرياح “تهزّ” الأشجار، وإنّ الأشجار ” تنحني” تجاه الرياح، فإنّنا نقع في عادات لغوية تُهيّئنا لتشخيص هذه الأشياء الجامدة. وهذا ممّا يؤدّي مباشرة إلى نموّ الأساطير، وإلى قصص “مثل هؤلاء الأشخاص وما بينهم من علاقات شخصية”. إنّ هذه الأساطير والقصص قد عرفت عهدها الذهبي في المغامرات المعقّدة التي تحكي عن “فيبوس آبولون” و”ديانا”، وأشخاص خرافيين آخرين.. وربما كان استخدام التذكير والتأنيث في كثير من اللغات، في الحديث عن أشياء جامدة، وكذلك عن كائنات حيّة من جنس مختلف، قد أسهم في نموّ هذا الميل. إن التمييز في الفرنسية بين “الشمس” (وهي مذكّر) و”القمر” (وهو مؤنّث)، قد يوحي بوجود فرق جنسي بين الشمس والقمر، ويمهّد السبيل لاختراع الأسطورة.

وتؤثّر اللغة في طبيعة الفكر بأشكال مختلفة؛ فمثلاً يلاحظ سايبرى أن مقولات أرسطو وتمييزاته المشابهة الأخرى، التي تلعب دوراً كبيراً في منظومته الفلسفية، لا يمكن أن تُدرس بصورة منفصلة عن خصائص اللغة الإغريقية. ويعلن الفيلسوف الوجودي “موثنر”، ” أنّ أرسطو كان يهب الكلمات إخلاصاً خرافياً. ويقوم منطقه كلّياً على أعراض لغته الأم. ولو أنّه (أي أرسطو) كان يتكلّم الصينية أو غيرها من لغات غير لغته، لكان مرغماً على تبنّي منظومة منطقية مختلفة جداً، أو على الأقلّ، نظرية مختلفة جداً عن نظريته في المقولات”.

أيّهما سبق الآخر إلى الوجود: اللغة أو الفكر؟

لم يتوصّل المختصّون في الموضوع إلى جواب مقنع وشفّاف عن هذا السؤال المهمّ. غير أنه من المعقول جداً أن يكون الاهتمام ببعض المسائل، أو ببعض الأشياء، هو الذي خلق المفردات الضرورية لبحث هذه المسائل أو هذه الأشياء بشكل كامل؛ ولكن من المعقول أيضاً، أنّ الفرد الذي يولد في محيط له ثقافة خاصّة، سيفكّر بالاعتماد على مفردات تتّصل بوسيلة التعبير الشائعة في جماعته، وأنّ طبيعة تفكيره، بالتالي، ستكون متأثّرة بذلك.

أمّا في ما يتعلّق بالثقافة في جملتها؛ فإنّه يبدو بالإمكان، مع ذلك، أن نكتشف شيئاً ما من حياة الفكر في هذا الشعب أو ذاك، من خلال تحليل اللغة التي يستعملها. وقد كتب خبير اللغات الأميركي جون دونلاب يقول: “عندما ندرس بنية اللغة في شعب ما، فإننا ندرس صور وطرائق تفكيره، وعندما ندرس مفرداتها، فإننا نكتشف نماذج تمييزاته”.

غير أنّه يمكننا أن نخلص إلى أنّ اللغة والفكر متّصلان في ما بينهما أوثق اتصال، ويتأثّر كلٌّ منهما بالآخر، وأنّ الوجود البشري ملتحمٌ باللغة. وليس ثمّة إنسان اعتيادي مجرّد من هذه القابلية.

وعلى الرغم من أنّ اللغة لا تتقرّر بالتركيب البيولوجي للإنسان، فإنّها تعتمد عليه، ولا ترتبط الاختلافات في اللغات بالاختلافات الجسمية بين الناس. فكلّ شخص يستطيع أن يتعلّم أيّ لغة كما لو كانت لغته الوطنية أو لغته الأم.

إنّ اللفظة التي ينطق بها الإنسان، هي الواسطة الشاملة الوحيدة للاتصال والتفاهم، وهي نقطة الانتباه الرئيسة في البحوث اللغوية. والكلام متوافر دوماً، لأنّ الجسم البشري هو الذي ينتجه من دون آلة أو أداة؛ ويمكن التدرّج به، من الهمسة الخفيفة إلى الصرخة العنيفة، فيملأ كلّ الفراغ المحيط بالمتكلّم، ويجتاز العقبات، فلا يحتاج إلى خطّ اتصال مباشر مع السامع، ولا يعتمد على الضوء، كما تعتمد الإشارات البصرية؛ ولذلك يمكن استعماله ليلاً أو نهاراً، ويكاد يترك الجسم حرّاً تماماً للقيام بفعاليات أخرى، ولا يحتاج إلاّ لقليل من الجهد.

إنّ اللغة تمنح الإنسان، بالإضافة إلى وراثته البيولوجية، خطّاً آخر للاستمرار، يجعل الثقافة وتراكم المعرفة أمراً ممكناً، فاستعمال الأدوات البسيطة، وحصول سلوك حازم اجتماعياً (وهما الأمران اللذان اعتاد الناس أن يجعلوهما مزيّتين للإنسانية) هما من ناحية تاريخ الجنس، سبقا ظهور الإنسان؛ غير أنّ التعقيد العظيم للتنظيم الاجتماعي للإنسان، والتطوّر الصناعي والتكنولوجي الواسع، يستلزمان وجود اللغة، فالحقّ أنّ اللغة تحدّد ميلاد الإنسان؛ وبهذا المعنى، يمكننا تفسير الألفاظ الاستهلالية لإنجيل القدّيس يوحنا بأنّها تعني: ” في البدء كان الكلمة”.

أمّا عدد اللغات المستعملَة، فهو على كلّ حال شأن غير ثابت، وهو انعكاس للمشكلات اللغوية والاجتماعية المتضمّنة في تبيان حدود اللغة. ففي البلاد الإسكندنافية مثلاً، تُعدّ اللغات الدانمركية والنرويجية والسويدية، على الرغم من أنّها مفهومة بصورة مشتركة، لغات مختلفة بسبب وضعها السياسي؛ في حين أنّ اللغة “اللابية” التي تتضمّن عدداً من المجتمعات اللغوية غير المفهومة بصورة مشتركة، تعدّ واحدة. وقوائم إحصاء اللغات المستعمَلة في العالم، تقدّم لنا عدداً يراوح بين ثلاثة آلاف وأربعة آلاف لغة مستعملة في الكلام؛ وفي بعض أنحاء العالم، أخذ عدد غير قليل من المجتمعات اللغوية الصغيرة بالتلاشي بسرعة. وتستعمل ملايين عدّة من البشر بعض اللغات في الكلام والتحدّث، وبوسعها أن تكون ذات نفع في الاتصال والتفاهم بين الأمم. وهناك مجموعة أخرى من اللغات لا يتكلّم بها إلّا عدد ضئيل من الناس، وقد تكون على شفا الزوال.

وفي كلّ مجتمع لغوي تتميّز اللغة، من حيث اللهجات المحلّية والاجتماعية، وفي الإمكان استخدامها بمختلف الأساليب. ويبدو أنّ لكلّ اللغات إمكانية للتعبير و”للتفكير” بها، لا تعدّ ولا تحصى، ولكنّها ترينا اختلافات، من حيث درجة شمولها الفعلي لمجموع مدى الثقافة البشرية. ويخبرنا بعض علماء الفيلولوجيا الأوائل عن لغات محدودة إلى درجة أنّ الكلام بها، لا يمكن أن يُفهم إلاّ بمصاحبة الإشارات، ولا يتحدّث بها أصحابها إلاّ في أثناء النهار أو بالقرب من نار المخيّم في الليل، غير أنّ الفيلولوجيين المعاصرين، لم يجدوا أثراً لهذه اللغات.

تهاني سنديان

كاتبة من لبنان

مؤسسة الفكر العربي ( افق  )

You may also like...

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *