في أهمّية النهضة اللّغوية

هل قَصَد محمد علي في مطلع القرن التاسع عشر عن عمد أم لم يقصد – لست أدري – أن يكون “مأمون زمانه” ؟ ولكن الذي لا مراء فيه أنّه ألزَم الطلبة الذين أوفدهم لدراسة العلوم الحديثة في فرنسا أن يعكفوا، فور عودتهم إلى الوطن، على نقل هذه العلوم إلى العربية، ترجمةً أو تأليفاً؛ ويُقال إنّه حبسهم في القلعة ولم يفرج عنهم إلّا بعد أن فرغوا من عملهم.
لعلّ ذلك كان يصدر عن عقلية التاجر الذي لا يهمّه إلّا النفع المادي. هو في حاجة إلى جهاز حديث قادر على أن يستغلّ له كلّ موارد  البلد، ويغنيه عن استقدام الخبراء الأجانب .. الجهاز البلدي سيكون أرخص عليه من الجهاز الأوروبي المستورَد، وطرد عالمٍ أو نفيه من منصب جليل إلى منصب أحطّ شأناً – كما حدث مع علي مبارك في ما بعد – لن تستتبعه أزمة سياسية أو احتجاج من قنصل عام باسم الامتيازات الأجنبية.

أقام هؤلاء الطلبة أنفسهم “مجمعاً لغوياً”. لم تصدر منهم شكوى، ولم يعلُ لهم صراخ ونواح بأنّ الفصحى جامدة متأخّرة لا تسعفهم، وأنّها عاجزة عن تمثيل هذه العلوم الحديثة. لم يقترحوا أن تكون الترجمة بالعامية تيسيراً لهم و للناس، بل تمسّكوا بالفصحى .. وما أدراك بحالها حينئذ! إنّ نموذجاً من الخطابات الرسمية في ذلك العهد هي اليوم مبعث تندّر وقهقهة –  ولم يطل لهم جدال ونقاش حول المصطلحات: اقتباس أم تعريب، بل حملوا العبء في صمت، شأن الروّاد الأبطال، وأدّوا الأمانة أحسن ما يكون الأداء… مؤلّفاتهم العديدة الصادرة عن مطبعة بولاق في مصر المحميّة موجودة بين أيدينا .. يا له من عمل فذّ خارق! ولكنّه مضى في زمانه، بل إلى يومنا هذا، كأنّه حجر صغير أُلقي في بركة واسعة راكدة فأبَت أن تتموّج، لأنّه كان عمل أفراد في أمّة لا تشملها النهضة بعد.. مؤلّفات كأنما وُضعت منذ مولدها في متحف لا تخرج منه للتداول بين الناس، وبقيت كنوزها لا تُستغل.

وكان من أكبر المصائب أنّ هذه المؤلّفات نُحّيت جانباً حين دبّت النهضة في أوصال الأمة، وأرادت التحرّر و اللحاق بركب الحضارة. وتشقّقت سبل العمل، ولكنّ الجهود المبذولة فيها كانت تدور وتلفّ ثمّ تعود للدوران حول محور أساسي هو محور اللغة. فمن البديهيات المسلّم بها أنّ اللغة هي وعاء الفكر. وأن لا نهضة للفكر إلّا إذا سبقتها، أو على الأقلّ صحبتها، نهضة للّغة، وإلّا تبدّد كلّ تقدّم وبقي شتاتاً لا ينبع من مصدر مترابط واحد، هو ضمير الأمّة، وظلّ العِلم خارج ملك اليد.

وبدا كما لو أنّ رجال هذه النهضة تسلّموا اللغة من يد العصر المملوكي، قفزاً من فوق رؤوس الأبطال الروّاد الذين تحدّثت عنهم.

وأثارت اللغة في ذلك العهد تيّارين متعاكسين: تيار يهاجم الفصحى ويدعو إلى العامّية، فيقوم طالبٌ بجرّ الفصحى إلى مستوى العامة، ويبسّط النحو، ويُسكِّن أواخر الكلمات، مع اقتباس المصطلحات العلمية..إلخ (لطفي السيّد، وقاسم أمين، والدعوة إلى الخطّ اللاتيني هي امتداد لهذه النزعة – عبد العزيز فهمي)؛ وتيار يدعو إلى الحفاظ على الفصحى مع الاعتراف بضرورة تجديدها وتطويعها وفق مطالب العصر الحديث، من دون الإخلال بسليقتها وقواعدها وعبقريّتها .. وتعدّدت الجهود: هذا هو المويلحي يتصدّر حركة بعثٍ للتراث، وهذا هو حسن المرصفي يكتب “الوسيلة الأدبية” منهجاً حديثاً لدراسة البلاغة، وهذا هو حفني ناصف مع زملائه يجدّدون وسائل تعليم اللغة لطلَبة المدارس، وهذا هو محمد فريد ولطفي السيّد (على الرغم من موقفه من الفصحى) يكتبان بأسلوب علمي، محدّد الألفاظ، مجرّد من البهرج والزخرف. وراء هذه الجهود تكمن فكرة الحفاظ على اتّصال الأمّة العربية ووحدتها، ليس لها في مقاومة المتربّص الخارجي سلاح غير سلاح الوحدة هذا.

ولكن كيف يقوم بناء على أرض ملغَّمة؟ كأنّ الاحتلال البريطاني يسعى لأن يجعل من مصر بلداً زراعياً متخلّفاً، تكسوه قشرة خادعة من مظاهر المدنية الغربية. وكأنّ همّ المدارس هو تخريج موظّفين لا قدرة لهم على الاتصال بالعلم أو الثقافة. فلم تثمر الجهود المبذولة في ميدان اللغة كلّ الثمار المرجوَّة منها. لم ينقل العِلم إلى العربية، لأنّه كان خارج ملك اليد، وبقيت مشكلات اللغة معلّقة في الهواء، تشغل بعض الأفراد من دون أن تمسّ ضمير الأمّة.

وفي ثورة 1919 غلب الاهتمام بالأدب على الاهتمام باللغة، إذ كان المطلب حينئذ هو خلق أدب مصري يعبّر عن مصر التي اهتدت إلى نفسها. وظنّ أنصار هذا الأدب المصري أنّهم من خلال إنتاجهم الأدبي سينجحون في تطويع اللغة لمطالب العصر… نيّتهم طيّبة ومنهجهم سليم، ولكن الخبرة بأسرار اللغة كانت تعوزهم. وينبغي الاعتراف بأنّ نزعتهم إلى خلق أدب مصري لم تدفعهم إلى مناصرة العامية ضدّ الفصحى، كأنّما في ضمير الأمّة ناقوس يدّق منذراً بالخطر كلّما أوشكت الخطى أن تحيد عن الطريق القويم.

والآن بعد أن تحوّلت مصر وعالمها العربي، في ظلّ التطوّر المتنامي وفي ظلّ العولمة،  حيث العلم ملك اليد، فلا مفرّ من أن يُفتح من جديد ملفّ اللغة، إذ لا نهضة للفكر إلّا إذا صحبتها نهضة للغة .. حقّاً لقد نشطت حركة الترجمة، وتأصّلت في بلادنا علوم وفنون كانت من قبل مستورَدة ، ويحاول الأدب أن ينفذ إلى المجال الدولي؛ لكنّنا نمرّ في أعقاب فترة تَخلَّف فيها، لأمرٍ ما، تدريس الفصحى في معاهد العلم، وساد شعور بأنّ المستوى اللغوي قد هبط، في الوقت الذي أتاحت فيه وسائل الإعلام الحديثة  للعاميّة مجالاً وسطوة لم تحلم بهما من قبل. وزاد من غلوائها أن اعتنقها أدباء يتمتّعون بموهبة فنّية أصلية ، هُم – ألسنة الشعب – مصدرها الخطر الأكبر على الفصحى.

إنّ هذا الجوّ بخيره وشرّه يحتّم أن نجعل من مشكلات اللغة قضية ملتهبة، لا قضية مستكينة مزمنة قابلة للتأجيل من دور إلى دور.

ولعلّ مصر وعالمها العربي لم تعرف نهضة فكرية كالتي تعرفها اليوم …. وهذه النهضة الفكرية يتحتّم أن تصاحبها نهضة لغوية مماثلة، من أجل أن نجني الثمار أولاً، ثمّ نسير حثيثاً بعد ذلك في طريق التقدّم نحو الأهداف العليا.

ينبغي أن نمهّد لهذه النهضة اللغوية بوضع خطّة علمية تقوم أولاً بمسح تاريخي شامل لجميع الجهود المبذولة لتطويع اللغة الفصحى لمطالب العصر الحديث، فنستخرج المصطلحات التي اهتدت إليها بعثات محمد علي ونرتّبها، ونعرف ماذا فعلت إسرائيل مثلاً لتطويع العبرية، وماذا فعل الأتراك حين أقاموا تدريسهم العلوم الحديثة بالتركية على مصطلحات مقتبَسة من العربية، وأن نضع لإحياء التراث منهجاً يكون الهدف الواضح منه هو خدمة اللغة قبل أيّ شيء آخر، فالمادة العلمية في هذا التراث لعلّها لم تعد ذات نفع لنا.

وما أكثر المطالب التي ستواجهنا .. مطالب تتعلّق بالنحو والصرف، والإملاء، والخطّ، والطباعة، مطلب المصطلحات وتوحيدها في الأمّة العربيّة كلّها، مطلب ترجمة العلوم والفنون الحديثة ووضع دوائر المعارف والمعاجم، مطلب جَمْع التراث وإحيائه، مطلب تجديد شباب هذه اللغة بتطعيم دراستها بعلوم أوروبية حديثة شقّت ميادين جديدة في دراسات اللغة والأصوات.

إنّ النهضة الفكرية، التي هي عماد هذا التحوّل العظيم في مجتمعاتنا، تحتّم أن نُثير هذه المشكلات كقضية ملتهبة لا تحتمل التأجيل، وأن نهجم عليها بشجاعة وتفاؤل: فقد لانت الفصحى كثيراً لمطالب العصر، وضاقت الهوّة بينها وبين العامية نتيجة ارتفاع المستوى الحضاري للشعوب.

د. عبدالعظيم محمود حنفي

كاتب وباحث من مصر

You may also like...

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *