لقاء مع محمد عدنان سالم “أعطني المجتمع القارئ لأعطيك مفاتيح التقدم “

ما هي الأسباب الرئيسية الكامنة وراء أزمة صناعة النشر في العالم ؟ كيف يمكن أن يدخل الكتاب في قائمة الاحتياجات اليومية للإنسان ؟ وهل تراجع الكتاب الورقي فعلا أمام شاشات الحواسب ؟ ثم ما هي حدود المكتبة الإسلامية ؟ وهل يخلق الكتاب الإسلامي حالة صدام مع الثقافة السائدة ؟ هذه التساؤلات شكلت أهم المحاور في لقائنا مع الأستاذ عدنان سالم صاحب ومؤسس دار الفكر في سوريا ونائب رئيس اتحاد الناشرين العرب : 

* تعاني صناعة النشر في سوريا والعالم العربي عموما من مشكلات بنيوية وأخرى طارئة رهينة الظروف القائمة. ترى ما هي الأسباب الرئيسية لهذه المشكلات ؟

** قد تحتاج في البداية الى إثبات دعوى أن صناعة النشر تعاني أزمة. بينما نحن في الوقت ذاته نرى عدد دور النشر, والعاملين في مجال النشر يزداد, وطلبات الترخيص بتأسيس دور للنشر تنهال على الجهات المختصة, ولو بقصد ادخارها ليوم أسود. يتقاعد فيه صاحب الترخيص, أو توصد في وجهه أبواب الرزق. غير إن واقع الحال أن نسبة الذين يمارسون صناعة النشر من هؤلاء المرخص لهم لا تتجاوز الخمس , وأن نسبة الناجحين من هؤلاء الممارسين لا تتجاوز الخمس, وان نسبة الملتزمين بمعايير الجودة ومقتضيات المهنة من هؤلاء الناجحين لا تتجاوز الخمس, وبذلك تكون حصيلة المجتمع أربعة ناشرين جادين من كل ألف مرخص لهم بممارستها .

أراني قد سارعت دون قصد مني الى توجيه الاتهام الى الناشر بوصفه سببا رئيسيا في أزمة صناعة النشر, متجاوزا كل ما يتناوش هذه الصناعة, من معوقات لا تحد من نموها وتقدمها فحسب, بل تأخذ بخناقها حتى لتكاد تنهكها 00 ربما كان ذلك بسبب ميلي الثابت الى اتهام الذات قبل اتهام الآخر, وثقتي أن مفتاح الحل إنما يكون دائما في يد صاحب المشكلة, لا في أيدي الآخرين وذلك انطلاقا من المبدأ القرآني ” قل هو من عند أنفسكم ” ( آل عمران , 3 ). ولا حرج فقد أصبحت هذه الأسباب معروفة لكثرة ما تداولها المعنيون في ندواتهم ومؤتمراتهم ومقالاتهم, دون أن يتمكنوا من كبح جماح شيء منها, قيود الرقابة العشوائية والمتناقضة في الوطن العربي, الرسوم المالية الباهضة المفروضة على الكتاب في حله وترحاله, أجور النقل العالية التي تشل حركته  إحجام المؤسسات الثقافية والعلمية عن التزود بالجديد , تسلط اللصوص على الكتاب الناجح ضمن موافقة اجتماعية لا تبالي أنها تسهم في وأد الإبداع على مذبح استباحة حقوق الملكية الفكرية , قيام وسائل الإعلام المختلفة بدور المنافس للكتاب بدلا من دور المكمل والداعم له , وإهمالها التعريف به ونقده والإعلان عنه ولفت الأنظار إليه, والتحول إلى الأوعية الإلكترونية الجديدة للمعلومات, التي تطرحها تقنيات الاتصال الحديثة, وتطورها بتسارع مذهل.لا أهون من أهمية هذه الأسباب , أتمنى أن يتمكن المشفقون على الكتاب من التخفيف من وطأتها عليه , وأعلق الأمل الكبير على تضامن الناشرين العرب , المتمثل في اتحادهم القادم , الذي يوشك أن يمسك بزمام الحل , من خلال جهوده المشكورة للارتقاء بصناعة النشر , وإرساء القواعد والضوابط والمعايير ونمائها .

* قلت ذات مرة أن بين آمالك, أن يدخل الكتاب في قائمة الاحتياجات اليومية للإنسان . كيف ترى السبيل آلي ذلك ؟

** عندما يصبح الكتاب حاجة يهتم لها رب الأسرة كما يهتم لتوفير الغذاء والكساء والدواء . عندما يدخل الكتاب في قائمة الاحتياجات اليومية التي تعدها ربة المنزل , زادا لعقول أفراد الأسرة , وتنمية لثقافتها , وصقلا لروحها . عندما يكون الكتاب أحد اختيارات الأسرة لإهدائه لصديق في مناسبة عزيزة . عندما يكون الكتاب حديث الشباب في أسمارهم , وهداياهم في أفراحهم . عند ذلك تكون أركان المجتمع القارئ قد ترسخت , وتكون أقدام هذا المجتمع قد بدأت السير على طريق الحضارة , أما السبيل آلي ذلك فدونه ركام من التقليد والتبعية والتخلف والجمود والكلالة والخوف من الإبداع , والعجز عن إنتاج فكر الآباء , والقعود عن إضافة لبنات جديدة آلي بناء المعرفة , والاقتناع بالتكرار والاجترار والاغتذاء بفضلات الموائد , ولا بد من إزالة هذا الركام لتوفير المناخ الملائم لبناء مجتمع قارئ .

* كثير ما يجري الغمز من قناة الناشرين والموزعين أنهم هم الرابحون الوحيدون من صناعة النشر العربية. الى أي مدى توافق على ذلك ؟ وما هي أسباب مثل هذا القول ؟

** يتقلب الكتاب في عدة مراحل, منذ أن ينفصل عن ذهن المؤلف مخطوطا الى أن يصل آلي يد القارئ مطبوعا, عبر سلسلة تضم الطابع والناشر والموزع وصاحب المكتبة , ويختلف حجم المغامرة ليبلغ أدنى درجاته عند الموزع , وأقصاها لدى الناشر . إن اتخذ قرار النشر , على الرغم من تفاوت معايير تقويم الكتاب عند دراسة الجدوى العلمية والاقتصادية , ينطوي على مغامرة كبيرة من الناشر العربي , الذي ينفق الكثير دفعة واحدة لانتاج الكتاب , ثم لا يسترد ما أنفقه إلا منجما مقطرا على دفعات قد تستمر سنوات في مجتمع عازف عن القراءة , مستنكف حتى عن تزويد مكتباته العامة .

لقد سبق لجيل الناشرين الرواد في الشطر الأول من القرن العشرين , أن قالوا تلخيصا لتجربتهم : أن صناعة النشر تحتاج آلي مال قارون , وعمر نوح , وصبر أيوب , 00 وفاتهم أن يضموا إليها خزائن يوسف , لتكديس الكتب فيها أيام القحط الفكري , رجاء أن يمن الله على العقول يوما بغيث ينشطها لالتهام ا تكدس لديها من مخزون ثقافي . إن لم يكن الزمن قد تجاوز هذا المخزون , وأغلب الظن أنه سيكون كذلك في عصر المعلومات , وتسارع حركة الأفكار  وغزارتها 000 وعند ذلك سوف يقلب الناشر كفيه على ما أنفق في تسويد هذه الصفحات , وهي ثاوية في مخازنه , ويقول يا ليتها كانت بيضاء 00 إذن لتمكن من بيعها بربح وفير 00 وهيهات !!

* تتراجع صناعة نشر الكتب في ضوء تطور تقنيات المعلوماتية وانتشارها . كيف تنظر إلى المستقبل ؟

** إن عجلة الحياة لا تعود إلى الوراء , وان الكتاب الورقي مرحلة من مراحل أوعية استيعاب المعلومات , قبله كان الحجر وسعف النخيل وجلد الحيوان , وكانت الذاكرة البشرية .. وما أمتعك في قراءة الحرف المطبوع على الورق بحكم الألفة والنشأة والتربية , سيمتع أحفادك في قراءة الحرف المضاء على الشاشة , حين ينشأون ويترعرعون بين الأزرار والفئران , يحركون هذه ويضغطون على تلك , ولا تحدثني عن تعب عينيك أمام الشاشة , وعن تعذر حملها معك حيث تريد .. فمازال الكتاب الإلكتروني في بداية الطريق , وسرعة التقدم في مجال الثقافة كفيلة بتذليل كل الصعوبات .. والإنسان دائما عدو ما يجهل , وهو بالقدر الذي يمل فيه من الرتابة ويميل إلى التجديد ,يستمسك بقديمه ويخاف من الجديد . ومهما تتشبث الناس بقديمهم , فلن يعدم الجديد ثلة من المغامرين يسبقون إليه , وينعمون بخبراته , إلى أن يقتنع الناس بجدواه وحسناته , وتلك هي فترة التجربة والاختبار التي يتعايش فيها القديم والجديد جنبا إلى جنب , ثم ينسحب القديم من الساحة غير مأسوف عليه . قد تطول مرحلة الانتقال هذه وقد تقصر , وقد يشعر الرواد بنشوة المغامرة حين يضعون أنفسهم في حقل التجربة ومجال الاختبار , وقد يفرح المبطئون بتريثهم حتى تنضج الثمار ويحين قطافها , غير أن قانون الله وسنة الحياة سوف لا تبقي في الأرض إلا ما ينفع الناس . وعلى الناشرين أن يدركوا هذا القانون , فيطوروا أنفسهم , قبل أن يفوتهم ركب التقدم , ويلقي بعتادهم في متاحف المهن المنقرضة للتاريخ والذكرى .

* يتحول الكتاب من الجمهور المحدود إلى الأقلية المتخصصة. ما هو تأثير ذلك على البنية الثقافية للمجتمع ؟

** لابد لأي مجتمع من أرضية ثقافية مشتركة , تشكل اللغة المشتركة التي يتفاهم أفراده بواسطتها , وهذه الأرضية إنما تتكون من آداب هذا المجتمع وتراثه وتقاليده وعاداته ومسلماته التي تطبع سلوكه , وتفرض نفسها على ممارساته , وبموجبها يتصرف المهندس وماسح حذائه التصرف ذاته إزاء أية مشكلة تعترضهما . والكتاب يلبي حاجة الإنسان في طرفيها العام والمتخصص , فإذا فقد الإنسان شعوره بهذه الحاجة , أو أخل بالموازنة بين طرفيها فسيكون العجب العجاب , وأغلب ظني أننا في واقعتا الراهن ننتمي آلي هذه الحالة , فلا نحن نقرا الآداب العامة ولا المعارف المتخصصة , ونحتاج آلي أطباء مهرة لإخراجنا من حمأة الجهل والأمية ووضعنا على مسار التقدم في عصر المعلومات .

* كيف ترى الطريق ليكون من شأن المؤلف العربي أن يعيش من محصلة جهده الفكري ومن مردود كتبه ؟

** لا يستطيع مؤلف أن يعيش من دخل مؤلفاته في مجتمع عازف عن القراءة, ولا يستطيع مجتمع إن يطأ مسار الحضارة دون أن يقرا 00 فالقراءة والحضارة طرفان في معادلة , وبينهما من التلازم والتكامل ما يجعل من هذه المعادلة قانونا لا يحيد : فأمة تقرأ أمة ترقى . وتتردى الأمة في هاوية التخلف , لما عفت عن القراءة تكسد فيها سوق الأفكار بموجب قانون العرض والطلب , وينحسر الإبداع , وتضمر الثقافة , ويتحول الناس عن مطالب المعدة والجسد , وينفضون عن المبدعين في مضمار الآداب والمعرف والعلوم الباقية ليغرقوا في خضم الاستهلاك والعرض الزائل . ويطبع الناشر في الوطن العربي من أكثر عناوينه رواجا ألفي نسخة لمائتي مليون إنسان ينق بلسان عربي مبين , ثم لا يبيعها بشق الأنفس إلا بعد بضع سنين 00 فما الذي يمكن أن يعود على المؤلف من مردود هذا العدد الهزيل ؟ وما الذي يمكن أن يبقى له بعد سطو قراصنة الحق الفكري على إبداعه دون رادع من قانون أو وازع من ضمير اجتماعي يستهجن هذه القرصنة ؟

وتسألني عن الطريق آلي توفير حياة كريمة للمؤلف كي يعيش من دخل عمله الفكري 00 وأقول لك : القراءة أولا أعطني المجتمع القارئ ,لأعطيك كل مفاتيح التقدم والنهوض والعيش الرغيد .

* حض الإسلام على القراءة وطلب العلم والقراءة طريق رئيسي لطلب العلم , هل ترى في واقع العالم الإسلامي ما يؤكد نزعة الجمهور الإسلامي نحو القراءة ؟ وإذا كان الجواب بالنفي الى ماذا تعزي ذلك ؟

** لم تكن أولوية القراءة في الخطاب الإلهي من قبيل المصادفة , إنما هو قانون الخبير العليم : ” اقرأ ” لكي تبني حضارة , واستجاب المسلمون الأوائل لهذا النداء الإلهي , فقرأوا واستوعبوا ونقلوا إليهم علوم الدنيا , وصهروها وعالجوها وأعادوا إنتاجها مطبوعة بشخصيتهم , مصبوغة بفكرهم ومبادئهم , فشادوا بأقصر زمن ,أسرع وقت أعظم حضارة في التاريخ البشري , واستقر هذا النداء في ضمير المسلم , حتى أنه ليعد القراءة وطلب العلم فريضة وواجبا دينيا يؤجر عليه , ويأثم لتركه ,وانخرط كل مسلم في حلقة من حلقات العلم , لا يتخلف عن ذلك تاجر أو صانع أو عامل , أو حاكم أو محكوم . ووفر له التشريع الإلهي كل ما يتطلبه المناخ الفكري من دعوة آلي نبذ التقليد للأباء والرهبان وللسادة الكبراء , وحض على أعمال العقل , ومواصلة الفكر والتدبر والنظر , وحث على حرية الفكر والرأي والتعبير , ونهي فريد عن الإكراه في الدين أو المعتقد , وإعلاء من شأن الاختلاف والتعدد , نعمة أنعم الله بها على عباده , ووسيلة من وسائل النماء والتطور والارتقاء وتوليد الأفكار .

ثم أتى على المسلم حين من الدهر , وأدركه ما أدرك الأمم السالفة من طول الأمد وقسوة القلب , وخبا في ضميره ذلك الوقود الذي كان يؤجج الشعلة , فتحنت أفكاره , وتجمد عطاؤه , وانكفئ على تراث الأجداد يستجديه حلول مشكلاته ,ويستعطفه للرد على تساؤلاته , فيهزأ منه الأجداد : النور في يديك ولا تبصر , والدليل عندك ولا تهتدي , والكنوز أمامك ولا تنتفع بها ! كم أنت وارث سفيه وكسول ! تنتظر وحي السماء وقد انقطع الوحي عند خاتم الرسل , رضيت لنفسك مقام الشحاذ المتسول . ونسيت قول الله تعالى : ” وإن ليس للإنسان إلا ما سعى , وإن سعيه سوف يرى , ثم يجزاه الجزاء الأوفى ” ( سورة النجم ) .

لم لا تنفض عن عينيك غبار النوم ؟! لم لا تشمر عن ساعد الجد ؟ لم لا تطلق عقلك من أسار التقليد والتجميد ؟! ألست تعلم أن السمع والبصر والفؤاد أنعم سيسألك الله على تعطيلها ؟! ألست تعلم أن تكديس العلوم والمعارف من هنا وهناك , لن ينفعك مالم تنظر فيها , وتستخدم عقلك في تحليلها وتركيبها , وتسهم في إعادة إنتاجها ؟! وان مثلك _ إن لم تفعل _ سيكون ” كمثل الحمار يحمل أسفارا ” كما يصفهم القرآن .

* ما هي حدود المكتبة الإسلامية. أي كتب تراها تندرج في هذا الإطار؟

** لكل مقام مقال, ولكل جيل إسهامه في بناء المكتبة الإسلامية, والجيل الذي لا يضيف لبنة إلى هذا البناء, لاقيمة له, وجدير بأن يتجاوزه التاريخ على جيل معطاء .. وتراث الفكر الإسلامي, لم يتكون عند جيل واحد, ولم يتوقف ولم يكف عن العطاء, ولم يتردد جيل من أجيال المسلمين عن إمعان النظر في تراث أسلافه, وتهذيبه, وحذف ما فات أوانه منه, وابراز مناقبه, ونقد مثالبه, وتحليله, والإضافة إليه .. ولم يعمد جيل من أجيال المسلمين إلى تحنيط فكر الأجداد, والطواف حوله تقديسا وإجلالا. هل لهذا الجيل الذي يعيش اليوم عصر المعلومات وثورة الاتصالات أن يقوم بدور فعال في تنمية الفكر الإسلامي, ورفع بنائه في موازاة الأبنية المعرفية الإنسانية التي تناطح السحاب ؟! أم أنه سيكتفي بدور المحنط الكل على مولاه أينما يوجهه لا يأت بخير ؟!

* كتبت ذات مرة عن ” أزمة الإبداع ” كيف تنظر إلى الإبداع في موضوع الكتاب الإسلامي ؟ وما هي جوانب الضعف في الكتاب الإسلامي ؟

** الخطاب الإسلامي اليوم خطاب تاريخي , يستخدم (كان ) ومشتقاتها أكثر مما يستخدم ( سوف ) وصيغ الاستقبال الأخرى في تعابيره , كما يستعمل مصطلحات الماضي في مكاييله وموازينه ومعاييره ونماذجه , ولم يكن الخطاب القرآني كذلك يوم تنزل , ولا أراد له الحق أن يتحنط ويكف عن العطاء بعج عصر التنزيل , فلقد وصفه رسول الله (ص) بأنه ” لا تنقضي عجائبه , ولا يخلق من كثرة الرد “, أي أنه لا يبلى مهما كررت الأجيال تلاوته , لأنه ولود يحمل في أحشائه أجنة لم ترى النور بعد , وهي العجائب التي لا تنقضي , ولا تكف عن رفد الإنسانية بكل جديد مثير لعجبها ودهشتها , وإنارة ظلماتها ’ وحل مشكلاتها المتجددة . ولقد استخدم الخطاب القرآني قصص الأمم الغابرة للاعتبار بها واستنباط القوانين الاجتماعية منها , وترك لنا أن نقيس عليها , وننم حياتنا حسب قوانينها .. وفتح لنا أبواب الأمل مشرعة كلما استفدنا من هذه القوانين وطبقناها . ولقد تنزل القرآن العظيم على الناس بفكر جديد , يقلب حياة الناس رأسا على عقب , وينهي عن المحافظة على القديم تقليدا للأباء , ويدعو إلى التغيير والتجدد , ويحذر من السكون وطول الأمد , فالحياة ماضية بلا توقف , والعلم بحر لا ساحل له ” ولو أن ما في الأرض من شجرة أقلام والبحر يمده من بعده سبعة أبحر ما نفدت كلمات الله ” , ” وقل ربي زدني علما ” .

* إلى أي مدى يمكن القول بأن الكتاب ” التعبوي _ الدعاوى ” الإسلامي ولا سيما السياسي , يشكل جزءا من المكتبة الإسلامية ؟

** أدبيات الفكر الإسلامي المعاصر مقتصرة على العلوم الدينية وما يتفرع عنها من تفسير وحديث وفقه وسيرة وتراجم , ولا تستخدم من فنون التعبير غير المقالة , وقلما تحيد عنه إلى الشعر والقصة والرواية والمسرحية , على الرغم من أن تراثنا العربي الإسلامي زاخر بكتب الأدب والشعر . وإذا كانت وسائل الإعلام الحديثة قد أصبحت الأداة الكبرى لتشكيل الرأي العام , وتوجيه المجتمعات , فإن القصة والرواية والمسرح تعد من لوازمها الرئيسية لتقديم برامجها ومسلسلاتها الهادفة أو الترفيهية .والمكتبة الإسلامية المعاصرة تفتقر إلى النص الأدبي بكل فنونه , لكي تتمكن من الإسهام في مجال الإعلام , وما لم تتدارك هذا النقص , فسيظل الخطاب الإسلامي مقتصرا على منابر الوعظ , مكللا بجفاف النصوص , بعيدا عن تعدد الأساليب , وتنوع الألوان الأدبية التي تتطلبها وسائل الإعلام للتأثير على الناس وجذب انتباههم .

* تكتسب بعض الكتب المتصلة بـ ” الخرافة ” و ” الشعوذة ” نوعا من التأييد والرواج كيف يمكن الوقوف تجاه هذه الظاهرة , وما هو دور الناشر العربي في ذلك ؟

**) أن قراءة واعية للقرآن الكريم تظهر لنا كم كان الإسلام حريصا على تحرير الإنسان من الخرافة والشعوذة , وربطه بأسباب التفكير والعلم والنظر والاعتبار .. فهاهو الخطاب القرآني يبدأ أول ما يبدأ بالأمر بالقراءة والتعلم لتحصيل الكرامة , ثم يشدد تحذيره للإنسان من اتباع غير طريق العلم وتذكيره بمسؤوليته عن وسائل تحصيله التي زود بها ” ولاتقف ما ليس لك به علم, إن السمع والبصر والفؤاد كل أولئك كان عنهم مسؤولا ” فهل للخرافة بعد ذلك أن تدعي أية نسبة للإسلام الذي كرس خطابه لتحرير الإنسان منها ؟! وهل يمكن للخرافة أن تتذرع بالانتساب إلى الإسلام إلا كما يرتدي اللص ثوب الناسك المتعبد ؟! ولن يدحر الخرافة ويطردها من ذاكرة الأجيال سوى الوعي بأصول الإسلام , ونفض ما تراكم عليه من غبار حال دون الانتفاع به , وإزالة ما تغشاه من سحب حجبت نوره عن الأعين . وتلك هي مهمة المفكرين والكتاب من جهة , بأن يواصلوا مسيرة الأجيال السالفة في الكشف عن الأجنة القرآنية الواعدة , في كتاب الله المسطور ” الذي لا تنقضي عجائبه , ولا يخلق من كثرة الرد ” وفي كتاب الله المنظور في آفاق الكون المسخر للإنسان ” سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم حتى يتبين لهم أنه الحق ” وهي في الوقت ذاته مهمة الناشرين من جهة أخرى , بأن لا ينحدروا إلى مستوى الغثاثة وأن يكفوا عن نشر الخرافة والشعوذة من أمثال غرائب العالم وعجائب الدنيا , وأخبار الجان والعفاريت , وأشهر قصص الحب , وأشهر الجرائم , وأشهر الجواسيس , وفضائح العائلات المالكة , والصحون الطائرة , وقراءة الكف والفنجان , وأن يدركوا سمو الرسالة الثقافية التي اضطلعوا بها , فيرتفعوا بمستوى إصداراتهم , ويختاروا لها النافع والمفيد والمبدع .. فان لم يفعلوا , فان وعي القارئ كفيل بان يلفظ المسيء إلى ثقافة الأمة منهم , ويتشبث بالمحسنين .

* كثيرون الذين يقولون أو وضع الكتاب الإسلامي أفضل من غيره في عالم الكتب. هل هناك مشكلات للكتاب الإسلامي ؟ وما هي ؟

** ما يقال عن رواج الكتاب الإسلامي , من بين سائر الكتب , ليس ظاهرة صحية , ولا مرتبطا بصحوة شاملة كما يظن : فهو أولا لا يعدو أن يكون موجة من الموجات القرآنية التي يتقلب الناس بينها , فقد راجت الكتب الماركسية في الخمسينات من هذا القرن , تلتها الكتب القومية والعلمانية في الستينات , ثم كتب القصص والروايات في السبعينات , ثم الكتب الإسلامية في الثمانينات , ولم يستقر ذوق القارئ في التسعينات بعد _ أن وجد القارئ _ . وهو ثانيا _ كما يبدو من نوعية ما يروج منه _ مرتبط بمراكز تعليم أو توجيه تقليدية تعتمد كتبا معينة من التراث , أو بتيارات مذهبية أو فكرية أو حزبية تعتمد كتبا معينة من المؤلفات الحديثة , لا تسمح لأنصارها بمد أعينهم خارجها , فيتقوقع كل حول نفسه , لا يحاول فهم الآخر فضلا عن أن يعترف بوجوده . وترتفع الحواجز , ويذهب كل حزب بما لديهم فرحون . وفي حالة الكتاب التراثي تجد كما معرفيا كبيرا ينقصه التحليل وحذف المكرر وما فات أوانه , واعادة التراكيب والصياغة بما يلائم روح العصر وحاجاته .أما في حالة الكتاب المعاصر فانك تجد التكرار والمحاكاة واستعارة تعابير العصر دون عمق في الفهم . مما يؤكد غياب روح الابتكار في الحالين . ما عدا ومضات فكرية تظهر بين الحين والحين , ثم تضيع في ظلمة التقليد والعجز عن الإبداع . أما الكتاب الإسلامي الذي يتوق العالم كله إليه , فهو الذي يوجه عينا على الماضي ليستند إليه وعينا على المستقبل ليصنعه , ويتحول بخطابه من لغة التاريخ ومصطلحاته إلى لغة الحاضر وتعابيره . ولقد تنزل القرآن الكريم يوم نزل داعيا البشر إلى تحليل فكر الأدباء , ونزع القداسة عنه , والنهي عن تقليده لمجرد مرور الزمن عليه : ” إنا وجدنا آباءنا على أمة , وأنا على أثارهم مقتدون _ قال أولو جئتكم بأهدى مما وجدتم عليه آباءكم ” وتستمر دعوة القرآن العظيم للتجديد في كل عصر وجيل , لكونه الخطاب الشامل المتسامي فوق الزمان والمكان , وعلى كل جيل أن يقرأ القرآن كأنه يتنزل لتوه عليه .

س* أنت اليوم في موقع المسؤولية بين الناشرين العرب بصفتك نائبا لرئيس اتحاد الناشرين العرب . ماهي حدود مسؤوليتكم في موضوع الكتاب العربي , والكتاب الإسلامي على وجه الخصوص ؟

** الاتحاد الواعد للناشرين العرب مطلوب منه إن يسهم بكفاءة في كسر الحواجز بين الاتجاهات الفكرية المتباينة , وتوفير المناخ الملائم للحوار البناء فيما بينها , واستثمار التعدد واختلاف الآراء بوصفه وسيلة للتكامل والتعاون على اكتشاف الحقيقة , بدلا من استخدامه وسيلة للتدابر والتقاطع , فإن الحقيقة لا تنقدح إلا بتصادم الأفكار واحتكاك بعضها ببعض .

اجرى اللقاء : وحيد تاجا

عن الوطن العمانية

 

You may also like...

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *