الازدواجية اللغوية والتخلف النفساني

“التقدّم” و”التخلّف” مفردتان متداولتان على نطاق واسع في الحديث عن مجتمعات المعمورة في القرن العشرين. وعلى هذا الأساس، جاء تقسيم العالم إلى فئات ومجموعات تتفاوت تبعاً لقرب كل منها أو بعده عن معنى هذين المصطلحين. فما هو المعنى الذي تنطوي عليه كل من هاتين المفردتين؟ وهل تقسيم العالم إلى عوالم مختلفة، استناداً إلى التقدم والتخلف، يعكس الحالة الفعلية التي تعيشها مجتمعات هذه العوالم؟

يقسم الأكاديميون والدبلوماسيون المشتغلون في العلم السياسي العالم إلى عوالم يُطلِقون عليها تسميات مستمدَّة من معنى التقدم والتخلف: فهناك مجموعة “العالم الأول” التي تشمل أساساً المجتمعات الغربية الصناعية واليابان. وهناك مصطلح “العالم الثاني”، الذي كان يُطلق على المجتمعات الاشتراكية الغربية، بقيادة الاتحاد السوفياتي. أما “العالم الثالث”، فهومصطلح أطلقه العالم الفرنسي ألفريد سوفي  على المجتمعات المتخلفة، والتي تُسمّى أحياناً بالنامية. ومؤخَّراً  أضاف المختصّون في قضايا التنمية والتخلّف إلى تلك المجموعات مجموعات أخرى سُمّيت بالعالم الرابع أو الخامس تبعاً لمدى تدهور مستوى العيش وانخفاض مستوى الدخل القومي، ومدى تدهور الأوضاع ومرافق الحياة عموماً فيها. وغالباً ما تُسمّي الأمم المتّحدة هذه الفئة الجديدة من شعوب العالم بالمجتمعات الأكثر فقراً التي يوجد معظمها في القارة السمراء. ويكاد مصطلح “تخلّف” يعني دائماً – عند الأكاديميين، وحتى عند الناس العاديين – التخلّف الاقتصادي والاجتماعي والصحّي والديمغرافي، أي التخلّف الذي يمكن قياسه بسهولة بمؤشرات كمّية. أما مظاهر التخلّف الأخرى، مثل التخلّف على المستوى الثقافي والنفسي لشعوب العالم الثالث فنكاد لانسمع عنها شيئاً في البحوث الأكاديمية على الأقل. وهذا ما يدفعني إلى تسميته بـ”التخلّف الآخر”، أي التخلّف الثقافي- النفسي بوصفه أحد جوانب التخلّف في مجتمعات العالم الثالث، لأن التخلّف في نظري، هو ظاهرة متعدّدة الرؤوس منها المادي ومنها غير المادي.

يمسّ “التخلّف الآخر” معالم الشخصية البشرية، إذ إن مكوّنات هذه الأخيرة هي إلى حدّ كبير عناصر ثقافية نفسية. فواضح أن أي فهم لعملية التنمية في المجتمعات النامية يبقى قاصراً إن هو لم يأخذ بالحسبان ملامح “التخلّف الآخر” وانعكاساتها على قضايا التنمية. فالشخصية المتخلّفة ثقافياً ونفسياً يغلب عليها عامل عدم الثقة بالنفس واحتقار الذات. ومن ثم، تضعف لديها الدوافع للإنجاز والتغلّب على صعاب التنمية. وهكذا فالخروج من التخلّف، بمعناه العام، لا بدّ أن يشمل التخلّص أيضاً من عيوب “التخلّف الآخر” وعقده.

من هذا المنطلق حاولتُ أن أجعل من مفهوم “التخلّف الآخر” مفهوماً محسوساً يصلح استعماله في البحث في المجتمعات العربية، كما في مجتمعات العالم الثالث المعاصرة. وتبلورت صياغتي  الملموسة والمجسَّمة “للتخلّف الآخر” من خلال تجلّيه في مستويين: التخلّف الثقافي، والتخلّف النفسي:

1- يتجلّى التخلّف الثقافي في تراجع استعمال لغة المجتمع الوطنية، وذلك لانتشار استعمال لغة أجنبية محلها في كثير من الميادين، وبخاصة العصرية منها؛ إذ تشكّل منافسة اللغة الفرنسية للغة العربية، وإقصاؤها من الاستعمال في مجتمعات المغرب العربي، على سبيل المثال، أو إقصاء الإنكليزية للغة الضاد من الحضور في المجتمعات العربية الخليجية، تشكّل عيِّنات شاهدةً على ظاهرة التخلف اللغوي في تلك المجتمعات العربية.

2- ويتجلّى التخلّف الثقافي في ما يمكن تسميته بالزاد المعرفي الذاتي (في العلوم الدقيقة والعلوم الإنسانية والاجتماعية على السواء) لمجتمعات الوطن العربي ومجتمعات العالم الثالث. ففي العصر الحديث أصبحت هذه المجتمعات تعتمد إلى حدّ كبير على الزاد المعرفي الغربي في كل هذه العلوم. وعلى سبيل المثال كذلك، يُهمَّش فكرُ ابن خلدون العمراني في أقسام علم الاجتماع، في الجامعات العربية، فيتخرج الطلبة العرب جاهلين كثيراً بالريادة المعرفية لصاحب المقدمة في علم العمران/الاجتماع. ومن ثمّ، تسود تلك الأقسام ما سمّاها عالمُ الاجتماع الماليزي فريد العطاس ظاهرة التبعية الأكاديمية السوسيولوجية الغربية بين الأساتذة والطلبة، المتخصّصين في علم الاجتماع، في الأقطار العربية.

3- أما الصنف الثالث من التخلّف الثقافي، فيتمثل في ما تعرضت له قيم مجتمعات العالم النامي كنتيجة لاحتكاكها في العصر الحديث بالغرب الغالب، المستعمر، والمهيمن، ما سمح بانتشار قيمه، وبخاصة قيم التحديث والعصرية، بين الشعوب المغلوبة. فكانت نتيجة ذلك، أن تلاشت بعض القيم التقليدية من جهة أولى، ودخلت، من جهة ثانية، بعض القيم في صراع مع القيم الغربية الغازية. ومن هنا جاء تصوّري للتخلّف كعملية تهميش وإقصاء حتى للقيم الأصيلة (الذاتية) والحمّالة لبشائر نهضة تلك المجتمعات.

باختصار، تمثل هذه الأصناف الثلاثة للتخلّف الثقافي، في نهاية المطاف، تخلّفاً لهذه العناصر الثلاثة (اللغة، والمعرفة الثقافية والعلمية، والقيم الثقافية) التي تمثّل رصيداً ثقافياً بالِغ الأهمية في منظومات ثقافات مجتمعات العالم الثالث.

يُحدِث التخلّف الثقافي، في مظاهره الثلاثة الآنفة الذكر، ظاهرةً يمكن تسميتها بالتخلّف النفسي الذي يتجلّى في شكليْن:

1- ظاهرة الشعور بمركب النقص لدى شعوب العالم الثالث إزاء المجتمعات الغربية. ويرجع هذا الأساس وفقاً للتحليل الفكري إلى تأثيرات ملمحيْ (1و2) من التخلّف الثقافي المشار إليهما سابقاً.

2- إن النوع الثالث “3” من التخلّف الثقافي (التخلّف على مستوى القيم) المذكور آنفاً يمكن أن يؤدّي في مجتمعات الوطن العربي والعالم الثالث إلى ما أطلق عليه علماء الاجتماع المعاصرون بالشخصية المضطربة (disorganized personality) التي يمكن أن تبدو عليها أعراض نفسية مرضية.

إن هذه الملامح الثلاثة للتخلّف الثقافي تحدث بدورها ظاهرة ما أطلق عليه  بالتخلّف النفسي. ويأخذ هذا الأخير شكلين:

ـ ظاهرة الشعور بمركب النقص لدى شعوب العالم الثالث إزاء المجتمعات الغربية. كما يظهر ذلك في بعض السلوكيات اللغوية، في بعض المجتمعات العربية،  إزاء استعمال اللغة العربية. فعلى سبيل المثال، لا تستعمل الأغلبية الساحقة من التونسيات والتونسيين حروفاً عربية لكتابة صكوكها المصرفية (البنكية) لشعورها خطأ أن كتابة هذه الأخيرة باللغة العربية رمز للتخلف.

ـ يمكن أن يؤدّي التخلّف الثقافي (التخلّف على مستوى القيم) في مجتمعات الوطن العربي والعالم الثالث إلى ما أطلق عليه علماء الاجتماع المعاصرون بالشخصية المضطربة (Disorganized Personality) التي يمكن أن تبدو عليها أعراض نفسية مرضية كما يشير الجدول التالي:

التخلّف الثقافي ـ النفسي (التخلّف الآخر)
(أ)

ملامح التخلّف الثقافي

التخلّف اللغوي

التخلّف المعرفي- الثقافي

الشعور بمركب النقص

إزاء الغالب (الغرب)

(ب)

ملامح التخلّف النفسي

التخلّف على مستوى القيم الشخصية المضطربة

 

الازدواجية اللغوية

ما معنى الازدواجية اللغوية؟ ببساطة يعني مصطلح الازدواجية اللغوية معرفة الشخص أو المجتمع للغتين: اللغة الأم (الوطنية) ولغة أجنبية. ويُنتظر في الظروف العادية أن يكون للغة الأم/الوطنية المكانة الأولى في قلوب وعقول واستعمالات مواطني المجتمع. فهذا الصنف من الازدواجية اللغوية يجعل الناس ومجتمعهم يغارون على لغتهم ويتحمسون للدفاع عن لغتهم فيلوم بعضهم البعض حتى على ندرة عدم احترام البعض منهم للغة الأم (وبخاصة في أماكن العمل والمنتديات الاجتماعية وما إلى ذلك… ونود تسمية هذا النوع من الازدواجية اللغوية بالازدواجية اللغوية اللوامة. فهذه الأخيرة تحرص كل الحرص، وبحماس كبير، على المحافظة على مناعة اللغة الأم/الوطنية وتطورها ونموها متخذة من أجل  ذلك كل السبل اللازمة، من توعية مجتمعية باللغة الوطنية كرمز وطني يفوق في قدسيته علم البلاد، ومن المطالبة بتبنّي  سياسات لغوية تصون اللغة الأم/الوطنية من انتكاس مكانتها نفسياً واجتماعياً إلى المرتبة الثانية أو الثالثة  بين أهلها وذويها.

وفي المقابل، هناك صنف آخر من الازدواجية اللغوية يذهب في الاتجاه المعاكس لما رأيناه في الازدواجية اللغوية اللوامة. نطلق على هذا الصنف الثاني من الازدواجية اللغوية مصطلح الازدواجية اللغوية الأمارة. وهي تلك الازدواجية اللغوية التي لا تكون فيها للغة الأم/الوطنية المكانة الأولى في قلوب وعقول واستعمالات مزدوجات ومزدوجي اللغة. أي أن اللغة الأم/الوطنية لا تحتل المرتبة الأولى عند هؤلاء على المستوى العاطفي والنفسي وعلى المستوى الذهني والفكري وعلى مستوى الممارسة والاستعمال.

خلافاً لما يتَّصف به أصحاب الازدواجية اللغوية اللوامة، فإن أصحاب الازدواجية اللغوية الأمارة تجدهم غير متحمسين كثيراً للذود عن لغتهم الأم/الوطنية، وغير مبالين إزاء عدم استعمالها في شؤونهم الشخصية، وفي ما بينهم في أسرهم واجتماعاتهم ومؤسساتهم، بحيث تصبح عندهم في حالات عديدة لغة ثانية أو ثالثة.

وبدرجات مختلفة يمكن تطبيق هذا المنظورفي المجتمع التونسي المعاصر على خريجي مدارس البعثات الفرنسية في عهدَيْ الاحتلال والاستقلال، والمدرسة الصادقية، وكل المدارس والجامعات التونسية، في فترة ما بعد الاستقلال. ويعود ذلك إلى الانتشار الواسع لظاهرة التخلف الآخر، فالملاحظات الميدانية المتكررة وفي ظروف متنوّعة للسلوكات اللغوية لمعظم الخريجين التونسيين والخريجات التونسيات تفيد، منذ الاستقلال وحتى يومنا هذا، بأن اللغة العربية/الوطنية لا تتمتع  بعفوية وحماس، لديهم ولديهنّ، بالمكانة الأولى على المستويات الثلاثة المذكورة.

مؤسسة الفكر العربي

د. محمود الـــذوادي

You may also like...

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *