حقّ النّقض “الفيتو”

فيتو” هي كلمة لاتينيَّة، معناها لغويّاً (أنا لا أسمح). أمَّا في الواقع، فتدلّ على حقِّ نقض أيِّ قرارٍ أو تشريعٍ مقترح أو إجهاضه وعدم تمريره، وفي مجلس الأمن، يضمن حقّ النَّقض “الفيتو”عدم تمرير أيّ مشروعٍ لا توافق عليه واحدة من الدول الخمس الدّائمة العضويّة، ما يؤدّي إلى منع صدوره.

والدّول الخمس الكبرى المتمتّعة بحقّ الرفض هي: الولايات المتّحدة الأميركيّة، وروسيا، والصين، وبريطانيا، وفرنسا. وجاء النصّ على هذا الحقّ في المادّة السّابعة والعشرين من ميثاق الأمم المتّحدة الّذي أقرّه مؤتمر سان فرانسيسكو العام 1945، وقد اعتبر حقّ النقض هذا بمثابة العمود الفقريّ لقيام الأمم المتحدة بنشاطاتها ومهامها في مجال حفظ السّلم والأمن الدّوليّين، وفي مجال تحقيق التعاون الاقتصاديّ والسّياسيّ والثقافيّ والاجتماعيّ بين الدول الأعضاء في الأمم المتحدة، فقد اعتبرت الدول التي حضرت مؤتمر سان فرانسيسكو، أن تحقيق السلم والأمن الدوليين أمر مرهون بإجماع الدول الخمس الكبرى، وبالتالي، فإنّ السِّلم والأمن الدّوليّين لن يتحقّقا في حال انقسام الدّول الدائمة العضويّة إلى جماعات متصارعة ومتنافسة، ومثل هذا الانقسام يعرقل الأمم المتحدة في تحقيق أهدافها، بل ويعرض النّظام الدّوليّ لمخاطر قيام حرب عالمية ثالثة مدمّرة.

وقد منحت هذه الدول هذه الميزة ـ الفيتو ـ باعتبارها الحلف المنتصر في الحرب العالميّة الثّانية، وهي الدول القادرة على تحقيق السِّلم والأمن الدّوليّين. وقد استخدمت موسكو حقّ الفيتو 120 مرّة، وكانت كلّها تقريباً في عهد الاتحاد السوفياتي، باستثناء مرّتين فقط في عهد الاتحاد الروسي، أمّا الولايات المتحدة الأميركيّة، فاستخدمته 77 مرّة، منها 36 مرّة لحماية الكيان الصّهيونيّ، في حين لجأت بريطانيا إلى حقّ الفيتو 32 مرّة، البعض منه كان استخدامه إلى جانب الولايات المتحدة الأميركية أو فرنسا أو كليهما معاً، بينما انفردت بالباقي دفاعاً عن روديسيا، التي لم يمنعها ذلك من الانهيار وقيام دولة زيمبابوي على أنقاضها. واستخدمت فرنسا حقّ الفيتو 18 مرّة، أمّا الصين، فاستخدمته خمس مرات فقط.

ووقفت واشنطن 36 مرّة في وجه قرارات تنتقد إسرائيل أو تطالبها بالانسحاب من الأراضي الفلسطينية التي احتلتها العام 1967، وبعدها بسبب رفض قاطع لإدانة إسرائيل بسبب حرقها المسجد الأقصى أو اغتيال الشيخ أحمد ياسين، مؤسّس حركة حماس العام 2004.

وفي العام 2011، أفشلت الولايات المتحدة مشروع قرار يدين الاستيطان الصهيوني، رغم موافقة 14 عضواً عليه. وقبل ذلك بربع قرن، لجأت إلى حقّ الفيتو في العام 1976 ضدّ مشروعي قرار كانا يطالبان بحقّ الشعب الفلسطيني في تقرير مصيره.

 والسؤال يبقى: إلى متى سيظلّ حقّ النقض عبارة عن سيف مسلط على حقوق الشعوب المستضعفة؟

وفي سياق متصل، أثار المرجع السيد محمد حسين فضل الله(رض) بعض الملاحظات المثيرة للجدل في نظام الأمم المتّحدة وتطلّعات الشعوب، وهي على الشكل التالي:

“الأولى: موقع الدّول الدائمة العضويّة الَّتي تملك حقّ النقض (الفيتو) لأيّ قرار صادر عن مجلس الأمن التابع للمنظمة، ما يؤدّي إلى تعطيل أيّ حلّ لأية مشكلة سياسية أو أمنية للدول المستضعفة، إذا كان لا يتّفق مع مصالح هذه الدولة الكبرى أو تلك، الأمر الذي يجعل لهذه الدّول ـ بطريقة وأخرى ـ السيطرة على كلّ قضايا العالم المعروضة على مجلس الأمن، ويجعل الحلول المطروحة النابعة من الجدل الدائر بين دول المجلس، جهداً ضائعاً لا طائل منه، ويحوّل الدول الأخرى غير الدائمة العضوية، إلى مجرّد شهود زور، أو مواقع خطابية في التعامل مع قضايا العالم.

أما إذا وقفنا أمام حق النّقض التّعطيليّ الّذي يصادر مواقف الدول الأخرى، فإننا نتساءل: ما هو الحقّ القانوني الإنساني الّذي تملكه هذه الدول، لإلغاء القرار المتّفق عليه بين الأعضاء؟ وهل يلتقي ذلك بالديمقراطيّة؟! إنها الديكتاتوريّة التي يشرّعها قانون الأمم المتحدة بطريقة غير شرعيّة.

أمّا الدّول الدائمة العضويّة، فإنّ خلافاتها السياسيّة في هذه القضايا، تنطلق من مصالحها الخاصّة التي قد تتعارض، فتحاول تعديل القرارات بالطّريقة التي لا تضعها في مواقع الصدام الخطر، وتبقى الوجهة النهائيّة للمسار السّياسيّ في مجلس الأمن خاضعةً لميزان القوى بين الأطراف، فلا معايير للحقّ أو الباطل، ولا للقانون والشّرائع، بل إنّ الإمكانات السياسيّة وعناصر الضغط المتنوّعة الّتي يمتلكها الطرف الأقوى، هي الّتي ترسم المسار السّياسيّ، إمّا بفرض ما يريده القويّ، أو باستخدامه حقّ النقض لإسقاط هذا القرار أو ذاك، وقد لا يملك البعض الآخر ذلك، فيكتفي بأضعف الإيمان، وهو الامتناع عن التصويت…

الثانية: إنّ تعقيدات المصالح في علاقات الدول الكبرى في الأمور الاقتصاديّة والسياسيّة والأمنيّة، مع اختلاف موازين القوى في حجم هذه المصالح بين دولة وأخرى، قد تخلّ بالتوازن في سيطرة دولة عظمى على موقع القرار في دولة أخرى كبرى أقلّ منها في ميزان القدرة، من خلال تعقيد الحاجات المتحرّكة هنا وهناك.

وهذا ما نلاحظه في علاقة الولايات المتّحدة الأميركيّة بالدّول الأوروبيّة، أو بالاتحاد الروسيّ، أو بالصّين، الأمر الذي يترك تأثيره في القرار الذي يمكن أن تضغط به أميركا على بعض هذه الدول، بالضغط على مصالحها المرتبطة بها على الصّعيد الاقتصاديّ أو الأمنيّ، فيتحوّل الوضع إلى خضوع لما تفرضه الدولة العظمى، في عملية ضغط المصالح لا ضغط القوّة القاهرة”.

ويضيف سماحته: “ولذلك، فإنَّ على الشّعوب المستضعفة أن تدرس علاقات هذه الدّول في حركة مصالحها، التي قد تلتقي على مصادرة مصالح هذه الشّعوب، رعايةً لعلاقاتها الاستكباريّة الخاصّة، فلا تجد في مجلس الأمن أيّة حماية لقضاياها، لأنّ قضايا الدول الكبرى في علاقتها بالدّولة العظمى، أو في التسويات المتبادلة بينها، هي التي تفرض طبيعة القرار، الّذي قد يتحوّل إلى قرار يسحق مصالح الشّعوب المستضعفة، بالرّغم من تمثيل بعض دولها في المجلس، وامتلاكها لحق التصويت، ولكن بدون تأثير فاعل، إلا إذا كانت فاعلة في تبعيّتها لأميركا

من مقال نشر في جريدة السّفير اللبنانية، بتاريخ: 7/8/2006

You may also like...

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *