لقاء مع الباحث والمفكر السوري محمد عدنان سالم

gdgdg

واقع العالم الإسلامي اليوم ..وأهمية الحوار في الإسلام

” أول ما ينبغي للمفكر الإسلامي أن يعمل عليه هو كسر الحواجز بين التيارات الفكرية وإشاعة أسلوب الحوار بينها”

“من أولويات الفكر الإسلامي الراهن استشراف المستقبل والخروج من صيغ الماضي التي اصطبغ بها الخطاب الإسلامي”

 دمشق من وحيد تاجا

 واقع العالم الاسلامي اليوم .. و أسباب تخبطه .. واهمية الحوار في الاسلام والعلاقة مع الفكر الاخر..اولويات المفكر الاسلامي وسبل النهوض بالامة .. هذه التساؤلات شكلت اهم المحاور في حوارنا مع  الباحث والمفكر الإسلامي السوري محمد عدنان سالم*

 كيف ترى واقع العالم الإسلامي اليوم..؟

العالم الإسلامي اليوم، تائهاً في بيداء مقفرة مترامية الأطراف، أضاع بوصلته وفقد اتجاهه، تراه يعدو ذات اليمين وذات الشمال زائغ البصر، باحثاً عن مخرج يخرجه من التيه، كلما آنس بصيصاً يضيء من بعيد؛ جرى نحوه يلتمس ضوءهُ ودفئه، حتى إذا جاءه وجده رماداً بلا دفء ولا نور. وكلما لمح سراباً ظنه ماءً يروي ظمأه، حتى إذا جاءه لم يجده شيئاً، وعاد منه أشد ظمأً.. هكذا عاد العالم الإسلامي من كل تجاربه المستعارة صفر اليدين؛ بعد أن أنفق فيهما وقته وماله وطاقته.. لا يقوم من تجربة ]إلا كما يقوم الذي يتخبطه الشيطان من المس[ [ البقرة 2/275].

وهذا الإخفاق المشين الذي حصده العالم الإسلامي من جميع تجاربه النهضوية التي حاول بها محاكاة تجارب الآخرين، بعيداً عن سياقه وثقافته، بالإضافة إلى الانتكاسة الإنسانية التي يعانيها عالم اليوم، جراء التفرد الأميركي بعد انهيار الاتحاد السوفيتي وانتهاء الحرب الباردة؛ هو ما يضع العالم الإسلامي في أحسن فرصه – في نظري- ويدفع بالإسلام إلى الحضور الفاعل، داخلياً على صعيد العالم الإسلامي حلاً لمشكلات تخلفه؛ يستأنف به دوره الحضاري، وخارجياً على المستوى العالمي؛ رسالة إنسانية هادية تعيد للإنسان توازنه الذي أخل به استغراقه في فلسفته المادية، وأحلام التفرد والأحادية التي مازالت تراوده منذ انتهاء الحرب الباردة.

 

وماهي أسباب تخبط العالم الإسلامي برأيك..؟

يركز بعض المفكرين على العوامل الخارجية، التي توصد كل الأبواب في وجه العالم الإسلامي، تروم إبقاءه حبيس تخلفه، تسد عليه كل المنافذ تكتم عليه أنفاسه، تقيده تحتل أرضه، تستغل ثرواته، تستنفد طاقاته، تشل حركته، تطيل أمد غيبوبته، تتركه رهين عجزه، بلا حول ولا قوة.

وعلى الرغم من أهمية هذه العوامل، وأثرها المدمر على مشاريع التنمية الذاتية في عصر العولمة، الذي تتهاوى فيه الحواجز، وتتكسر الحدود والقيود، وتنتقص السيادة الوطنية لدرجة يصعب معها على بلدٍ أو أمة أن تغلق عليها أبوابها، في محاولةٍ لإصلاح بيتها الداخلي بعيداً عن أعين الرقباء..

على الرغم من ذلك، فإني أرى أن سيطرةَ الشعور بقوة هذه العوامل الخارجية على أمة من الأمم، غاية ما يرومه عدوها منها؛ فهو الكفيل بشل فعاليتها، وتكبيل أيديها، وإشعارها بالعجز المطلق عن المواجهة، وعن التصرف الذاتي المستقل، وتسليم مفاتح الحل لمشكلاتها إلى الخارج الذي يكيد لها.

إنني – على الرغم من كل الضغوط الخارجية –أرى أن جوهر المشكلات كامن في الذات، وأن مفاتح الحل في يديها، وأن تحصين الذات وتقوية مناعتها في مواجهة المشكلات لا يأتيانها من الخارج و ]إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم[ [ الرعد 12/11]  وإن الاستعمار لا يتمكن من بلد إلا عندما تكون لديه القابلية الذاتية للاستعمار ]أو لما أصابتكم مصيبة، قد أصبتم مثليها، قلتم أنى هذا؟ قل هو من عند أنفسكم[ [آل عمران 3/165].

فإذا رحنا من هذا المنطلق نبحث عن العوامل الداخلية لتصدع العالم الإسلامي وعجزه النهضوي، على الرغم من كل ما يتمتع به من ثراء مادي ومعنوي، فإني أرى أن الأحادية تأتي في رأس هذه العوامل، وأن سائر العوامل الأخرى تابعة لها أو متفرعة عنها.

فهي الداء الوبيل الذي يقتل روح الإبداع، ويشل حركة النمو لدى كل أمة تصاب به، وهو إنما يعتري الأمم ويتمكن منها إبان سقوطها الحضاري. ذلك أن التعدد والتنوع والتضاد والاختلاف فطرة أقام الله نظام الكون عليها، فلا يصلح نظام الكون إلا بها وكلما تفرد الإنسان، وانعزل عن الآخر، ورفضه، أودى به تفرده وانعزاله إلى العقم فالانقراض.

إن عقداً واحداً من الزمن يبتلى فيه مجتمع ما بالأحادية؛ كفيل بإفراغ هذا المجتمع من كل طاقاته الفكرية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية، مهما كان زاخراً بها إبان ازدهاره الحضاري المفعم بالحيوية والتعدد واختلاف الآراء وتصادمها، فبارقة الحقيقة لا تنبثق إلا من تعدد الآراء والأفكار واحتكاكها وتفاعلها، والأفكار كائنات حية لا تتكاثر وتتوالد إلا بالتعدد والتزاوج، ومن سنن هذا التزاوج أن النسل يتحسن ويشتد عوده كلما أمعن في التنوع والاختلاف، ويسترخي ويعتلُّ حين يكون زواجاً بين الأقارب، أما الاختلاف المثلي على طريقة الزواج المثلي فهو شاذ مناف للفطرة فوق أنه عقيم لا ينجب.

وإن أي ثقافة تنغلق على نفسها، وتجتر ماضيها وتراثها، فإن مآلها العقم فالفناء.

وما هي اهمية الحوار في الاسلام والعلاقة مع الفكر الاخر..؟

يشكل الآخر المختلف ضرورة للنمو والتقدم والارتقاء، على المرء أن يبحث عنه ليكمل به؛ إنه المرآة التي تكشف له عيوبه ونواقصه، ولن يتمكن من اكتشاف ذلك من دونها، فالإنسان مصمم كالمرآة تعكس كل شيء إلا ذاتها، فعيناه لا تلتقطان إلا صور الآخرين، أما وجهه فلا يستطيع أن يراه إلا بعدسات الآخرين وفي أعينهم. هذا عن وجهه أما قفاه فسوف يحتاج نظره إليه إلى مرآتين اثنتين، ولسوف يحتاج إلى عدة مرايا لينظر في سائر جوانبه ومن كل الاتجاهات، ثم إن هذه المرايا ذاتها قد لا تكون صافية وقد يعتريها نوع من الغبش والعتمة والتآكل والانكسار وعيوب أخرى؛ تشوه الصورة وتطمس بعض الحقيقة إن لم تغيبها كلها أو تقلبها رأساً على عقب، فلا بد للإنسان من تعداد المرايا والعدسات، والنظر في سائر الصور الملتقطة له، وتحليلها والمقارنة بينها ليكتشف نفسه، ومن دون ذلك سيبقى النمش على وجهه، والشعث في رأسه، وبقعة زيت على ظهره، ولطخة على مقعدته احتملها من كرسيه، ولو نبه إلى شيء من ذلك لتوارى من القوم ريثما يصلح حاله ويزيل شوائبه ويقوِّم اعوجاجه.

وهكذا يبدو لي التعدد والتنوع هو الأصل في نظام الكون والحياة، والاختلاف والجدل والتضاد ضرورة لتقدم الإنسان على درب الارتقاء الذي خطه الخالق له للخلاص من الفساد وسفك الدماء ]ولو شاء ربك لجعل الناس أمة واحدة ولا يزالون مختلفين، إلا من عصم ربك، ولذلك خلقهم[ [ هود 11 /118] خلقهم بيديه، صناعة يدوية ميز كل نسخة منها ببصمة بنان وعين لا يشاركه فيها أحد، وأطلق له العنان في سباق الحياة ]ليبلوكم أيكم أحسن عملاً[ [ الملك67/ 2] ، ولو شاء لخلقهم صناعة آلية في مصنع ينتج نسخاً متطابقة تسير على نهج واحد لا تريمه؛بإمكانات موحدة، لا تفاوت فيها يفسح المجال للسباق والتنافس.

قد يبلغ الاختلاف بينها درجة الصراع والتنازع المفضي إلى الفشل.. لا حرج، فالتجربة ومعاناة الأشواك تدمي اليدين قبل اقتطاف الورود، ولهيب النار يحرق الأصابع قبل إنضاج الطعام؛ سوف يرده إلى سواء السبيل، ويعلمه التزام طريق الحوار المفضي إلى التكامل والتعارف..

من أجل هذه المعاناة استحق آدم إسجاد الملائكة له، فهو إنما يسلك طريق الخير بمحض اختياره بعد اقتحامه (العقبة)؛ عقبة الإغراءات المتعددة؛ تزينها له أهواء النفس الأمارة بالسوء، ونزغات الشيطان الموكل بإغوائه، وصعوبة العروج إلى السماء إزاء سهولة الإخلاد إلى الأرض..

لقد تصدى لحمل الأمانة فما يزال في كبد وكدح حتى يلاقي ربه متحملا كامل المسؤولية عن اختياره.

إنه يجتهد ويعمل، ويخطئ ويصيب، ويتعثر وينهض، ويغفو ويصحو، ويؤثر الطاعة على الرغم من قدرته على المعصية، خلافاً للملائكة الذين لا يعصون الله ما أمرهم، لأنهم مبرمجون على فعل ما يؤمرون به لا فضل لهم في طاعته لعدم قدرتهم على معصيته.

ومن أجل ترسيخ حق الاختلاف، استوعب اصطفاء الله تعالى عباده المؤمنين؛ على اختلاف سابقتهم وأعمالهم ]ثم أورثنا الكتاب الذين اصطفينا من عبادنا؛ فمنهم ظالم لنفسه، ومنهم مقتصد، ومنهم سابق بالخيرات بإذن الله[ [فاطر 35/32 ] فحتى الظالم لنفسه مشمول باصطفاء الله تعالى له، يجزيه ويكافئه على قدر اجتهاده، ولعلنا لا نجد ديناً أو مذهباً في الدنيا يكافئ على الاجتهاد ولو كان خاطئاً كالإسلام يكافئ المجتهد إن لم يوفق في اجتهاده إلى الصواب مرة، فإن هو أصاب ضاعف له الأجر مرتين.

ومن أجل تأكيد قانون التنوع، عده القرآن الكريم آية من آيات الله مثل خلق السماوات والأرض ]ومن آياته خلق السماوات والأرض واختلاف ألسنتكم وألوانكم[ [ الروم30/22]،  وخلق الناس من ذكر وأنثى وجعلهم شعوباً وقبائل ليتعارفوا، وأقام السباق والتفاضل بينهم على التقوى والعمل الأحسن، ملغياً كل قيمة للفروق القائمة على اختلاف الأجناس والأعراق والألوان والألسن، فلا فضل لعربي على عجمي إلا بالتقوى.

وبعد كل هذا التأكيد على أهمية التنوع والتعدد والاختلاف قانوناً يقوم عليه نظام الكون، وضرورة وجود الآخر المختلف وسيلة للتقدم والارتقاء، كيف يمكن لنا أن ننظر إلى الأحادية إلا أن تكون شذوذاَ وشراً مستطيراً يعيق تقدم الإنسان، ويقتل روح الإبداع والعمل فيه، ويقوده إلى الفساد وسفك الدماء اللذين عهد الله تعالى إليه بمهمة التخلص منهما.

أما أن الأحادية تجر إلى الفساد، فذلك قوله تعالى ]ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لفسدت الأرض [[البقرة 2/251] وقوله تعالى ]ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لهدمت صوامع وبيع وصلوات ومساجد يذكر فيها اسم الله[ [ الحج 22/40] .

وما هي أولويات المفكر الإسلامي.. وكيف يمكن النهوض بالامة الإسلامية..؟

nلعل أول ما ينبغي للمفكر الإسلامي أن يعمل عليه هو كسر الحواجز بين التيارات الفكرية، وانفتاح بعضها على بعض وإشاعة أسلوب الحوار بينها، ونبذ كل ما يعيقه من احتكار للحقيقة، واعتداد بالرأي، ورفض للآخر.

ذلك أن الحوار هو العامل الوحيد في نمو الأفكار وتقدمها؛ من دونه ينضب الإبداع ويصبح الفكر مجرد تكرار واجترار.

وهو – إلى ذلك- سمة حضارية تنمو إبان كل ازدهار حضاري للأمة، وتخبو إبان انكفائها الحضاري وانحدارها.

هكذا نقلت آدابنا عن الإمام الشافعي قوله: ” رأيي صواب يحتمل الخطأ، ورأي غيري خطأ يحتمل الصواب” كما نقلت عن الإمام أبي حنيفة قوله: ” رأيي حسن هو أحسن ما قدرت عليه، فمن جاءني بأحسن منه فهو أولى بالصواب مني”.

وفي إطار ثقافة الحوار هذه كانت مجالس العلم تمور بالمناقشات، وتحتدم بالجدل، وتعلو أصوات الصاحبين أبي يوسف ومحمد بالمخالفة في مجلس أبي حنيفة، تظللها آداب الحوار: من الصدق في البحث عن الحقيقة، وتحري الصواب، وطلب الدليل والبرهان، والتجرد من الهوى والأنانية، واتباع الحق متى بانت حجته، وبمثل هذا الحوار كان لنا تراث فقهي وعلمي غزير، لم نستطع أن ننميه قيد أنملة في غياب الحوار، وشيوع التعصب وإعجاب كل ذي رأي برأيه.

لم يضق القرآن الكريم ذرعاً بأقوال المخالفين، بل نقلها بحذافيرها وكل ما فيها من شطط؛ ومن رفض لأفكاره وكفر بها، ومن ذمٍّ للرسول صلى الله عليه وسلم وشتم له، ومن إنكار وصلف وتعجيز.. نقلها وأمرنا بتلاوتها مع الردود عليها في صلاتنا،كي يعلمنا أسلوب الحوار وآدابه .. ما أظن علمانياً معاصراً سيزيد على قول علماني غابر ]إن هي إلا حياتنا الدنيا نموت ونحيا وما يهلكنا إلا الدهر[ [الجاثية 45/24 ]، وما أظن مغالياً معاصراً في ذم الرسول سيقول أكثر من]ساحر أو مجنون[ [ الذريات51/52 ] فلنتعلم من القرآن العظيم أساليب المخاطبة والحوار : ]ادفع بالتي هي أحسن، فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه ولي حميم[ [فصلت 41/34].

والحوار- بعد- هو التوجه الإنساني القادم في عصر المعرفة الذي نستشرفه،ولا تغرنك ردود القبضة الحديدية، والمطرقة الفولاذية؛ فإنما هي انتكاسة بشرية ورد فعل غريزي كالذي يرد به أي كائن حي يتعرض للخطر، ولا يملك من العقل ما يبحث به عن أسباب هذا الخطر وجذوره.

إن الاتحاد الأوربي يعد خطوة رائدة ومنعطفاً تاريخياً كبيراً في التاريخ الإنساني، مهما حاولت أميركا التهوين من شأنه ونسبة أهله إلى القارة العجوز، فالقارة الغرة المفتونة بحداثتها وقوتها، سقطت في أول امتحان لقيادة العالم بعد انتهاء الحرب الباردة، وأفقدت الإنسانية- بصلفها وغرورها- جل مكتسباتها التي حصدتها عبر القرون.

لكن عجلة التاريخ الإنساني قادرة على تصحيح أخطائها وتجاوز عثراتها، وستظل ماضية في طريقها المرسوم، ولن ترجع إلى وراء.

n ومن ثم الدعوة إلى استعادة الأمة الإسلامية رشدها السياسي الذي فقدته بعد عصر الخلافة الراشدة، والذي ما يزال مستقراً في ضميرها على الرغم من غيابه المتطاول قروناً، بدليل أنها لم تسمِّ خليفةً راشداً بعد الخلفاء الأربعة، وإن ألحقت عمر بن عبد العزيز بهم لسيره على نهجهم.

إن الرشد السياسي المبكر الذي كان بداية تاريخنا الحضاري، لهو أنصع نموذج لما دعي بعدُ بالديمقراطية؛ تمثله أصدق تمثيل قولة الخليفة الأول أبي بكر في بيانه السياسي عند توليته الخلافة: ” إني قد وليت عليكم ولست بخيركم. أطيعوني ما أطعت الله فيكم، فإن عصيت فلا طاعة لي عليكم. إن أحسنت فأعينوني، وإن أسأت فقوموني. الضعيف فيكم قوي عندي حتى أرجع عليه حقه، والقوي فيكم ضعيف حتى آخذ الحق منه”. وقد فرضوا له مرتباً لا يتجاوز ثلاث مئة دينار وشاة، لإغنائه عن النـزول إلى السوق ليتجر فيه ويكسب رزق عياله.

إنه نموذج فذ غير مسبوق، وما أظن الديمقراطيات المعاصرة قد أدركته في تحقيق رضا الناس بالحاكم عند توليته، والتزامه بالدستور الذي ارتضاه الناس خلال حكمه، وإقرار مبدأ العدل والمساواة بين الناس، وحق الأمة في محاسبة الحاكم، وفصل ذمته المالية عن الذمة المالية للأمة وخزينة الدولة.

لقد فقدت الأمة رشدها منذ أن أخذت بسنة التوريث، ومبدأ الغلبة والأمر الواقع، وعجزت أن تمسك به قروناً متطاولة، لأنها لم تستطع أن تميز بين الرشد والغي. فالغي هو المصطلح والسلوك المقابل للرشد، واستبدال الغي السابق بغيٍّ جديد لا يمكن أن يأتي برشد ]قد تبين الرشد من الغي فمن يكفر بالطاغوت ويؤمن بالله فقد استمسك بالعروة الوثقى لا انفصام لها[ [ البقرة 2/256 ].

وإن من أولويات الفكر الإسلامي اليوم البحث عن سبل الخروج من الغي الذي طال أمد تمرغ الأمة فيه، وعن عوائق التحول الذاتي إلى الرشد، لإسقاط ذرائع المتربصين بها من الخارج من جهة ، ولتحقيق نبوءة الرسول صلى الله عليه وسلم في الحديث المشهور الذي يبشر فيه بعودة الأمة إلى خلافة راشدة على منهج النبوة، بعد تمرغها في مراحل متعاقبة من الملك العضوض، والملك الجبرية.

وربما أراح المفكرين الإسلاميين من هذا العبء أحد حكام المسلمين، في لحظة صفاء وشفافية وإخلاص نية؛ يعيد فيها أمر الأمة إليها، فتكون سنة؛ له أجرها وأجر من يعمل بها إلى يوم القيامة، وتكون لحظة تاريخية كبيرة؛ تعيد للأمة رشدها الذي ضيعته أربعة عشر قرناً.

وعلى الأمة أن تغتنم مثل هذه الفرصة- إن سنحت- وألا تضيعها كما فعلت إبان لحظة معاوية بن يزيد بن معاوية، وتجربة عمر بن عبد العزيز التي لم تستطع أن تحافظ عليها، ومبادرة سوار الذهب التي زهدت بها ورمتها عرض الحائط.

n ومن أولويات الفكر الإسلامي الراهن: استشراف المستقبل، والخروج من صيغ الماضي التي اصطبغ بها الخطاب الإسلامي، فجعل نماذجه ومثله كلها سالفة، وجعل هذه النماذج أكثر ثقة كلما أوغلت في القدم واقتربت من عصر التنـزيل، وعدَّ ما تحقق في العصر الأول مثلاً أعلى، وغاية تستهدف ويُسعى إليها، وسقفاً تطبيقياً لشريعة الله لا يمكن تجاوزه، ونظر إلى التطبيقات اللاحقة نظرة أدنى، تزداد دونيتها كلما اقتربت من العصر الراهن، مستدلاً على ذلك بقول رسول الله صلى الله عليه وسلم” خير الناس قرني، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم”.

وبحسب هذا الخطاب الماضوي، رسخ في ذهن الإنسان المسلم، أن التاريخ الإنساني يسير منتكصاً على عقبيه، وأن ما تحقق في الماضي هو غاية ما يصبو إليه ويجعله مثلاً أعلى يطمح للوصول إليه، وأن العلم قد انتهى عند السلف، فلم يتركوا للخلف شيئاً يضيفه عليه وأن الساعة قد اقتربت، وأن عموم الفساد وانتشار المعاصي وشيوع الخطأ والانحراف من علاماتها وأشراطها، وأن آخر الزمان هو أسوأ ما يؤول إليه تاريخ الإنسان، وأن الأجيال القادمة لا خير فيها يرتجى، والخير كله منحصر في الأجيال السابقة ينحسر عنها تدريجاً، فهو لذلك يعيش مشدوداً إلى الماضي يتوجه إليه، يائساً من المستقبل يدير له ظهره..

إن على المفكرين الإسلاميين أن يصححوا هذه الثقافة الانتكاسية الراسخة لدى المسلمين، وأن يديروا وجوههم إلى المستقبل، لكي يتيحوا لماضيهم العظيم أن يقوم بدوره ركيزة يرتكزون عليها، وطاقة تدفعهم قدماً إلى الأمام، بدلاً من توظيفهم الراهن لها جاذباً يشدهم للخلف.

لقد فطن الإمام الشوكاني لهذه الظاهرة، فألف كتابه (البدر الطالع بمحاسن من بعد القرن السابع) ليؤكد للمسلمين أن الخير في أمة محمد لا ينقطع، كما ذكر في مقدمته.

ولقد أعانتنا نظرية ابن خلدون في تداول الدول بين الأجيال على فهم حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم سالف الذكر؛ فجيل يصعد بها إلى الذروة وآخر ينهل من خيرها، وثالث يهبط بها للحضيض.

ثم جاءت فكرة دورة الحضارة عند مالك بن نبي، لتمضي بنا خطوات في فهم الحديث الشريف، الذي وضعه المسلمون في غير موضعه وفهموه على غير وجهه. حين نظر إلى الحضارة بوصفها المحصلة بين الواجب الذي هو عطاء محض، والحق الذي هو أخذ محض، فالجيل الذي يبني الحضارة، إنما هو جيل الواجب، يعلو بناء الحضارة على يديه بقدر ما يؤدي من الواجبات وينسى من الحقوق، ثم يأتي من بعده جيل ما يزال مذخوراً بطاقة الواجب، لكنه يستخدم حقه في استثمار تركة الآباء فيحافظ على مسيرة الحضارة بقدر ما يوازن بين عطائه وأخذه، ثم يخلف من بعدهما خلف ينسى الواجبات ولا يعرف غير الحقوق، فيهبط خط حضارته البياني إلى الحضيض، وفي بلد كل من فيه يطالب بالحقوق من ذا الذي يعطي هذه الحقوق ولمن؟

لكن مالك بن نبي يرى الحضارة عالمية مستمرة متنامية لا تسترخي أيدي أمة عن حمل رايتها حتى تتلقفها أمة أخرى أكثر شباباً وحيوية.. ثم إن غياب شمسها عن أمة لا يعني غياباً إلى الأبد، فقد تشرق شمس الحضارة عليها ثانية بعد عمليات تصفية و تنقية وترقية؛ تعيد إليها زخمها الحضاري من جديد، مثل جزيء الماء الذي فقد قدرته على توليد الطاقة بعد بلوغه قعر الشلال، فهو يحتاج إلى عملية تبخير تخلصه من شوائبه وترتقي به، ثم عملية تقطير تعيده إلى دورة جديدة معطاءة.

 

*نشر في جريدة ” الوطن ” العمانية في 29/6/2016

الرابط : http://epaper.alwatan.com/index/download-publication/id/1297

صفحة 8

You may also like...

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *