المسلمون في المهاجر من التكتيك والانفعال ، إلى الاستراتيجية الفاعلة

للمسلمين في أميركا تجمعات كبرى في بعض مدنها مثل ديترويت ، أقاموا فيها منظماتٍ هامة مثل سنا ، لعبت دوراً كبيراً في تجميعهم ، وتقديمهم للمجتمع الأميركي !!

لكن هذا الدور ؛ ما يزال انطوائياً على الذات ومعالجة مشكلاتها !! دفاعياً يرد على الشبهات والإشكالات المتناثرة ؛ حول قضايا جزئية ما تزال تثار دون كلل ولا حسم ؛ لا يتجاوزها إلى طرح الإسلام ، بمبادئه الكبرى ، وبوصفه الدين الخاتم ، الجامع لكل ما سبقه من الديانات ، معترفاً بها جميعاً ، ومتعايشاً معها جميعاً !!

وعلى الرغم من التنظيم الحضاري الدقيق لهذه المنظمات ، والنشاط الملحوظ لها ؛ فإنها ما تزال محدودة ؛ لا تغطي  الولايات المتحدة بأكملها ، ولا تمثل كافة المسلمين ، بكل أطيافهم وانتماءاتهم وجنسياتهم الأصلية ؛ بغض النظر عن مدى التزامهم الديني ، ولا ترقى إلى مستوى اللوبي الإسرائيلي ، الذي أمسك بتلابيب السياسة الأميركية ، حتى لم يعد أحد من الساسة الأميركيين يجرؤ على الكلام ، فقد ” أقام اليهود الأميركيون منظومة  مؤثرة من المنظمات للتأثير في السياسة الخارجية الأميركية ؛ منها الإيباك التي تعد من أكثرها قوة، وأوسعها شهرة ، لتكون في المرتبة الثانية في مصافِّ القوى في واشنطن ” [ اللوبي الإسرائيلي : جون ميرشايمر وستيفن وولت- دار الفكر ، ص 26] .

لم يستطع المستوى الحالي للمنظمات الإسلامية ؛ أن يحقق للمسلمين حضوراً فاعلاً في الولايات المتحدة الأميركية ؛ لا على المستوى الاجتماعي ، ولا على المستوى السياسي ، وظل الوجود الإسلامي فيها غريباً ؛ غير معترفٍ به ، يبحث له عن موطئ قدم ، يفلح بالعثور عليه حيناً ، ويخفق في كثير من الأحيان .. كلما هبت عاصفة هوجاء ؛ كان مشجباً جاهزاً لتعليقها عليه ، وكان مضطراً للتنصل منها ، والاعتذار عنها ، بله إدانتها ، ليظل دائماً في موقف الدفاع عن النفس ، كجسم غريب !!

إن هذا الوضع الحالي للمسلمين في أميركا ؛ يمكن إدراجه في زمرة التكتيك الانفعالي لمواجهة الحالات الطارئة ، ولا يرقى إلى مستوى التخطيط الاستراتيجي بعيد المدى ، الذي يستهدف جعل الإسلام والمسلمين مكوناً أساسياً من مكونات النسيج الاجتماعي والسياســــي الأميركي ؛ هو الأجدر به من المسيحية واليهودية معاً ، لكونهما ديانتان موجهتان في الأصل إلى بني إســــــــــــرائيل  وحدهم ، والإســــــــــلام هو الــــــدين الوحيد الذي نادى نبيـــــــــــه (يا أَيُّها النّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعاً) [الأعراف:7/158] ، ويحمــــــد معتنقُه الله (رَبِّ الْعالَمِينَ) [ الفاتحة: 1/2] مئات المرات طوال يومه، في صلواته وأدعيته وتحياته المتبادلة مع الآخرين !!

وهو الدين الوحيد الذي اعترف بكل ما سبقه من الأديان السماوية ؛ يأمر أتباعه من المسلمين : (قُولُوا آمَنّا بِاللَّهِ وَما أُنْزِلَ إِلَيْنا وَما أُنْزِلَ إِلَى إِبْراهِيمَ وَإِسْماعِيلَ وَإِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ وَالأَسْباطِ وَما أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَما أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ) [ البقرة: 2/136] فكان بذلك السلة الجامعة لكل الأديان السماوية !!

وهو الدين الوحيد الذي يملك كتابه المنزل من عند الله ؛ موثقاً عصياً على التحريف ، لم يتبدل  منه حرف على مدى القرون المتطاولة ،  ولن يتبدل حتى قيام الساعة، يتلى حق تلاوته ؛ بلغة واحدة ، ولهجة واحدة ، في كل بقاع الأرض.. بينما تتعدد التوراة والأناجيل  وتختلف باختلاف رواتها ؛ من القديسين الذين كتبوها بعد وفاة أنبيائهم بعشرات السنين ، ونسبوها لأنفسهم !!

وهو الدين الوحيد الذي لم يحتكر الجنة لأتباعه وحدهم ، على الرغم من بيانه لفساد اعتقاداتهم ، بل فتح أبوابها لهم ؛ مشروطة بشرطي الإيمان بالله والعمل الصالح : (إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هادُوا وَالصّابِئُونَ وَالنَّصارَى مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَعَمِلَ صالِحاً فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ) [ المائدة: 5/69].

ومع هذه الخطة الاستراتيجية المنشودة ؛ لن يكون ثمة مكان للتقوقع  المذهبي والطائفي والعرقي والوطني ؛ لكل فرقةٍ مســــــــــجد وإمام وخطاب مختلف.. ولكلٍّ قمرٌ يصوم على ولادته القيصــــرية ، ليجعل المسلمين في ذروة التخلف ، في عصر العلم وارتياد الفضاء ، والهبوط على سطح القمر !!

لقد آن أوان التخطيط الاستراتيجي الشامل ، وبدأت تباشيره تظهر للعيان ، في تجربة نموذجية ، انطلقت في ولاية آلاباما ، وجمعت أبناء الأديان السماوية الثلاثة في ندوة شهرية يتداولونها، ويتناولون في كل منها موضوعاً محدداً، يقدم كل منهم رؤية دينه فيها، ليظهر تميز الإسلام واضحاً بوصفه الدين الخاتم ، وليمارس الجيل الأميركي المســــــلم الجديد نشاطه بفعالية ؛ تؤكد حضوره ، وتشعره بمسؤوليته عن حمل الرسالة المنوطة به !!

كتبه : محمد عدنان سالم

22/06/2016

You may also like...

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *