ماذا يعني لك رمضان؟

هذا كان عنوان مقالة طُلب مني الحديث حولها في مجلة بنيويورك،وإليكم ترجمة لما كتب:

أنا أترقب قدوم رمضان كما يترقب أحدكم عطلته الصيفية، إذ بعد أحد عشر شهراً من الجري المستمر، والتركيز على الأشياء التي من شأنها أن تقدم الراحة، ولوناً من السعادة في العالم المادي الذي نعيشه؛ أشعر بالتعب، وأكون على أتم استعداد لقضاء إجازة؛ أغني بها روحي بالقرب من الله!!

لقد آن أوان أن أهدأ وأستريح بالقرب من الله، آن الآوان الذي فيه أعيد مراجعة ذاتي وترتيب أولوياتي، وتقييم حصيلة ما قدمت في عامي الماضي، من أجل أن أصحح أخطائي وأكون إنسانةً أفضل !!

أنا -نسبياً – أعتبر جديدة هنا ، ولا أملك التصور  الكافي حول رمضان في أمريكا ، لأنني لم آت إلى أمريكا إلا منذ فترة وجيزة؛ قدمت إليها خلاصاً من الحرب التي خربت بلدي الحبيب سورية، فقد قتل خلال خمسة أعوام مئات الألوف من الأبرياء، وشرد أكثر من تسعة ملايين إنسان ، وقد أكون الأفضل حظاً، فأنا وزوجي نعيش هنا اليوم مع ابننا الحاصل  على الجنسية الأميركية!!

ولكن لا يمكن أن أنسى تلك الأيام الجميلة في دمشق، وتحلُّق أبنائي وأحفادي من حولي على طاولة طعام واحدة، أما اليوم فقد تفرقَت وتشتَّت الأسر بسبب الحرب، وعلى ما يبدو فإن الأيام القادمة لا تحمل صورة مشرقة لبلدي، وهذا ما جعلني وزوجي نتقدم بطلب الإقامة الدائمة، ولم نجد صعوبة في الحصول عليها، وهكذا سارت بنا الأمور !!

قدمت وكلي أمل بالعودة السريعة إلى بلدي، حتى ولو كانت لمجرد زيارة، ولكن مضى على قدومنا ما يقارب أربعة أعوام؛ وأخذ الأمل بالعودة بالتلاشي!!

أنا أكتب من بيتي الجديد في إيرفاين والدموع تملأ عيني، فعلى الرغم من شعوري بالراحة إلا أن بعدي عن أحبائي هو أكثر ما يؤلمني، وكيف لي أن أنسى تلك اللحظات الأثيرة التي كانت تضمني مع أبنائي وأحفادي حول سُفرة رمضانٍ واحدة؟

ما أقسى الحرب !! كم شتتت من أسر وفرقت من شمل عائلات؟! فها نحن قد فرقت بيننا وبين أبنائنا البحار والقارات، وأصبح كل واحد من أبنائي يعيش في مكان؛ واحد من أبنائي يعيش  مع زوجته وأبنائه الثلاثة في دبي ، أما ابني الأصغر فيعيش حالياً مع زوجته وولديه في تركيا!!

كيف لي ان أنسى كل هذا؟! كيف لي أن أنسى رمضان في دمشق؟! وأصواتَ المارة وازدحامهم في الأسواق؟! كيف لي أن أنسى تسارع الناس لدخول منازلهم قبل غروب الشمس استعداداً لتناول وجبة الإفطار؟! كيف لي أن أنسى تلك الأضواء التي تتلألأ تباعاً في مطابخ المنازل المجاورة، ورائحة الطعام الشهي التي تملأ الأجواء؟!

وأجمل ما تحمله ذاكرتي؛ صوت قرع الباب لترى الجارة وقد جاءت تحمل إليك طبقاً شهياً من إعدادها تحرص أن تشاركك فيه!!

وسرعان ما يعم الصمت، وتتوقف الحركة في الشوارع، ليصدح صوت (الأذان) من فوق مئات المنارات في المساجد، كما كان يصدح عبر مئات السنين في مدينة دمشق العريقة؛ معلناً دخول وقت المغرب؛ حيث يحين موعد الإفطار، وتناول الطعام والشراب، وأداءُ الصلاة!!

ومازال الأذان يصدح، وأسأل الله أن يمكنني مرة أخرى من سماعه في دمشق!!

وأنا اليوم في أمريكا؛ ممتنة لوجودي هنا، على الرغم من موجة (إسلام فوبيا) التي أعطت المجال للكثير من السياسيين الأميركيين، ولواحد من مرشحي الرئاسة تحديداً!! لتصوير المسلمين، ومن بينهم اللاجئين السوريين وغيرهم، على أنهم مصدر خطر للبلاد !! ولكن، وعلى الرغم من تلك الصور المغلوطة التي حاولوا نشرها، ألمس فعلاً اللحمة الاجتماعية الكائنة بين سكان (أورانج كاونتي)؛ فالمساجد هنا، تفتح أبوابها للمصلين والصائمين، وتدعوهم يومياً للاجتماع حول موائد الإفطار!! أناسٌ من بلاد شتى؛ يتقابلون دون سابق معرفة، ويتشاركون الطعام، ويتحلقون بعدها للصلاة!! والجميل في الأمر أن الناس في كل ليلة يتسابقون إلى تقديم الطعام؛ فتارة تنبعث رائحة الطعام العربي في الأجواء، واُخرى رائحة الطعام الهندي، وهكذا دواليك!!

لقد عشت ولمست شخصياً جمالية التنوع في اجتماع المسلمين من كافة الأقطار، والذين يشكلون اليوم المجتمع الأميركي المسلم.. كما إن رمضان فرصة لدعوة أصحاب الديانات الأخرى؛ إلى موائد الإفطار؛ حيث يتم التلاقي والتعارف، وتختفي الأوهام والتوجسات، التي يكنها الواحد عن الآخر!!

وأخيراً قد يتساءل البعض وما الفائدة التي يجنيها المسلم من الامتناع عن الطعام والشراب لساعات طويلة، خاصة في فصل الصيف ؟!

أنا عن نفسي أقول: إن الصوم هو وقت راحة الجسد.. هو وقت زيادة القرب من الله بالتعبد.. كما إنه فرصة للتلاقي والتعاون بين المسلمين، هو وقت خدمة المجتمع، سواء أكان في سورية أم في أمريكا!!

إن قرصة الجوع؛ لابد ستجعل الصائم يدرك أن رمضان ليس شهراً كسائر الأشهر، أنه شهر العبادة؛ الذي يجعلنا كمسلمين نشعر بمعاناة الآخر، ويخرجنا ونحن أكثر طمأنينة وتناغماً وسلاماً!!

وهذا موقع المقالة في المجلة:

http://www.refinery29.com/2016/06/112974/ramadan-muslim-beliefs-syrian-immigrant

كتبه : سحر مهايني

You may also like...

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *