نحن ورمضان

نكاد نقضي أسبوعنا الأول من أطول أيام الصوم، في دورة رمضانية تبلغ ذروتها في هذا الشهر حزيران، لتأخذ في التقاصر في أخريات أيامه، فلا تعود إليه بهذا الطول إلا بعد 33 عاماً ..كأني بها ستتوجه بدورتها القادمة إلى جيل جديد، تخفف عنه ساعات صومه عاماً بعد عام، حتى لتكاد تتلاشى في أواسطها، عندما تنعقد له في شهر كانون الأول من عام 2031، ثم تبدأ بالتصاعد ثانية، لتجعله في يقظة دائمة، يبحث عن مقاصد هذه الدورة العجيبة، والأهداف التي تتطلع للوصول إليها!!

فهل لنا؛ نحن الجيل الذي يختتم بصومه هذا العام، دورة رمضانية تكتمل، أن نتأمل حصاد تجربتنا، لتكون عبرة لجيل الدورة القادمة؟!

وشأن كل دورة تدريبية، لا بد أن يخرج منها: (ظالِمٌ لِنَفْسِهِ) جاع وعطش ولم ينتفع من دورته بشيء.. و( مُقْتَصِدٌ) أدى فـــــــــــــرائضـــــــــــــها شـــــــــــكلاً، ولم يكــــــلف نفســه الغـــــــــوص في مقاصـــــدها.. و(سابِقٌ بِالْخَيْراتِ) حاز درجاتها العالية، واقتطف ثمرات جهده؛ نفساً مطمئنة واثقة راضية في حياتها (الدنيا)، ومَرضِيَّة في (الآخرة)، فلينظر كل منا نحن الصائمين، في أي زمرة سيضع نفسه؟!

ولعل من أول الظواهر المخالفة للمقاصد الرمضانية: ظاهرة الاستهلاك المتزايد في رمضان الذي يفترض فيه الانكماش إلى الثلثين على الأقل، نظراً للاكتفاء فيه بوجبتين بدلاً من الثلاث، ولكون التخفف من إتخام المعدة بالطعام، أهم أهداف الصيام؛ لإطلاق طاقات الصائم الذهنية نحو التفكر والتدبر!!

ومن هذه الظواهر السلبية؛ جعل رمضان فرصة للولائم يدعى إليها الأهل والأصدقاء، فتعطلهم عن صلاة العشاء والتراويح في المساجد، التي هي الفرصة الأهم للتلاقي؛ في جو مفعم بالروحانية ومشاعر الألفة والجماعة!!

ومن أسوإ هذه الظواهر السلبية؛ الانشغال بمتابعة المسلسلات التلفزيونية الهابطة، ليتحول رمضان إلى موسم لعرضها؛ يتسابق منتجوها عامهم كله من رمضان إلى رمضان، أيهم يقدم مسلسلاً كاملاً في ثلاثين حلقة؛ يكون أكثر جذباً للصائم، وصرفاً له عن مقاصد صومه؛ يحوِّلها من طاعة تصفو بها نفسه، إلى معصيةٍ تشحنها بالهواجس الشيطانية، وبالأفكار المنحرفة.. ولو أن صائمي رمضان قاطعوا هذه المسلسلات، وأنكروها، لتحولت إلى بضاعة كاسدة، وكفَّ تجار الفن الهابط عن إنتاجها!!

***

يقابل هذه الظواهر، وعلى النقبض منها تماماً، ظواهر إيجابية تتنامى في مجتمعاتنا، جراء المحن والشدائد التي تعصف بها:

جمعيات تعمل أشهراً قبل رمضان: بحثاً عن جائع تطعمه، وعارٍ تكسوه، وملهوف تنجده، ومشرد تؤويه، ومكلوم تواسيه!!

مصلون يبحثون في رمضان عن مسجد، يحسن إمامُه قراءته للقرآن، فيُمتعك بلذة الخشوع بين يدي الله، ويوزع أجزاء القرآن الثلاثين على ليالي رمضان، تختتم معه القرآن صلاةً في الليل؛ لتسترجع فيها تلاوتك تدبراً في النهار..

ما أجمل رواد هذه المساجد يتسابقون إليها في سكون الليل زرافات ووحداناً، رجالاً وركباناً، فتياناً وفتيات متلفعات بأغطيتهن البيضاء كملائكة السماء، تتلألأ بهم جميعاً ليالي رمضان!!

صائمون يُعِدون لرمضان الفكرِ عُدَّته: كتباً يقضون معها بضع ساعات من يوم صومهم، يستغلون لها صفاء ذهنهم، ويلبون بها نداء (اقرأ) الذي هو فاتحة رمضان وعصارته (شَهْرُ رَمَضانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ) [البقرة 2/185].

فلنقرأ القرآن في شهره قراءة مختلفة: نختار لها تفسيراً وجيزاً على هامشه يفسر لنا غوامضه، نخرج بها عن قراءتنا المألوفة له؛ تبركاً من دون تدبر، ونُخرج بها قلوبنا من أقفالها استجابة لنداء (أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفالُها) [محمد: 47/24 ].

فليتخذ كل منا لنفسه المرتبة التي تليق بشهر رمضان، وتلبي مقاصده التي وُجد من أجلها (هُدَىً لِلنّاسِ وَبَيِّناتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقانِ) [البقرة 2/185].

محمد عدنان سالم

You may also like...

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *