رمضان شعيرة اجتماعية

محمد عدنان سالم*

رمضان على الرغم من كونه عبادة فردية يحصد الإنسان ثمرة أدائها على وجهها أو تقصيره فيها في الدار الآخرة، فإن المجتمع هو الذي يحصد ثمراتها؛ صفاءً نفسياً وتكافلاً اجتماعياً في الحياة الدنيا.

ورمضان على الرغم من كونه سجلاً تاريخياً حافلاً بالانتصارات والإنجازات الحضارية للأمة، فإن أهم مضامينه أنه ]شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن[ ، والقرآن اسم مشتق من القراءة، والقراءة كانت أول أمر إلهي توجه به القرآن إلى الأمة البكر التي كانت غافية على جنبات الصحراء، فاختارها الله لحمل رسالته الإنسانية إلى العالم بأسره ]اقرأ باسم ربك الذي خلق[ . يؤكد بذلك أولوية القراءة في تكوين الإنسان فرداً وأمة ومجتمعاً إنسانياً، وأنها مفتاح كل تقدم يمكن أن يحققه الإنسان على طريق كدحه إلى الله، وكفاحه لاكتشاف الحقيقة، واستعادة المعلومات والأسماء التي كان قد أضاعها في السماء.

أكاد لا أجد ديانة أو حضارة أعطت القراءة هذه الأولوية وهذه القدسية كالحضارة العربية الإسلامية؛ التي يمكن أن نسميها بجدارة أمة ]اقرأ[، ونسمي حضارتها حضارة ]اقرأ[ تسمو وتزدهر كلما تشبثت بالقراءة وتخبو وتتخلف كلما أهملتها..

فمع كل تحول حضاري، تتبدل القيم، وتختل الموازين وتتغير احتياجات الإنسان، وتتغير معها الأذواق وأنماط السلوك والمعيشة ويتبدل ترتيب الأولويات، وعلى رأس هذه الاحتياجات للإنسان تأتي احتياجات معدته واحتياجات عقله، لتكوِّن ثنائية جدلية، فلا تعلو إحداهما إلا على حساب الأخرى، إذ البطنة تذهب الفطنة.

ففي مجتمع متقدم نرى همة الإنسان تنصرف إلى غذاء عقله قبل غذاء جسده، ونراه في المطارات وعلى أبواب محطات القطارات يتزود بكتاب يقضي معه ساعاتِ رحلته وأوقاتَ انتظاره قبل أن يتزود بطعامه وشرابه، وقلما ترى في المجتمعات المتقدمة إنساناً من دون أن يتأبط كتاباً، أو يحمله في حقيبته، ليستمتع بقراءته كلما  سنحت له فرصة ، فالكتاب حاضر دائماً في ذهنه، ليكون حقاً خير جليس له ومؤنس.

أما في مجتمعات التخلف، فإن مطالب الجسد تطغى على مطالب العقل، ويحل النهم إلى الطعام محل النهم إلى القراءة ، وتروج أسواق المطاعم والمشارب، ويزدحم الناس حولها ويتكدسون فيها، وتُقفر المكتبات إلا من عشاق القراءة وقليل ما هم، وتعجز المناهج التربوية عن أداء وظائفها، فإذا برمضان- الذي كان تخففُ الإنسان من مطالب جسده، من أول مقاصده، ليصفو ذهنه، ويتفرغ لتلبية حاجات عقله بالقراءة- يصبح موسماً يتضاعف فيه استهلاك المواد الغذائية ويُستعد له قبل أشهر من قدومه، وتُملأ فيه البطون وتخمل الأذهان.. وإذا برمضان مثل سائر العبادات ينفصم عن مقاصده، ويُفرَّغ من مضامينه، ليصبح شكلاً بلا معنى، وطقساً بلا روح ولا هدف.

إن معدة الإنسان وعاء محدود إذا زُود بأكثر من حاجته أصيب بالتخمة، ويكفي الإنسان من الطعام ما يقيم صلبه، أما عقله فوعاء غير محدود كلما غذوته بالمعارف ازداد نهماً إليها..

ونحن – على مستوى العصر- نجتاز أخطر مرحلة من مراحل التطور الإنساني، تنعطف فيه البشرية من عصر اقتصاد الصناعة إلى عصر اقتصاد المعرفة، والكتاب هو وعاء المعرفة، ودور النشر إلى جانب الجامعات ومراكز الأبحاث هي المصانع المؤهلة لقيادة العصر القادم من دون أن يكون لها مداخن شاهقة، تنفث الدخان وتلوث البيئة.

ونحن أخيراً، نشهد إرهاصات تداول حضاري؛ بدت فيه أعراض الشيخوخة واضحة على الحضارة الغربية التي قادت العصر الصناعي بمهارة وصلت بها إلى ذروة التكنولوجيا، لكنها في الوقت ذاته قد وصلت بها إلى الطريق المسدود. فلئن استطاعت منطلقاتها المادية أن تمد عصر المعرفة القادم بأدواته، فإن خواءها الروحي لن يؤهلها لإدارته وقيادته، بما يتطلبه ذلك من أخلاقيات تعيد للبيئة توازنها، وللقيم الإنسانية العليا مكانتها، ولمبادئ الحق والعدل والمساواة فعاليتها؛ دون أثرة ولا تمييز بين البشر بسبب اللون أو العرق أو الجنس أو اللسان أو الدين.

مثلما بدت الحاجة – في عصر المعرفة القادم- ملحة لاستدعاء الحضارة العربية الإسلامية – بما تملكه من مخزون فكري وأخلاقي متوازن فريد-، ودعوتها للاستيقاظ من غفوتها، واسترداد عافيتها، والاستعداد لملء الفراغ الحضاري الوشيك، بعد ما أدركت  الإنسانية ما ألحقته الحضارة الغربية بالبيئة من أضرار، فاستنفدت – بأنانيتها وأثرتها- طاقات الأرض التي ادخرتها في باطنها ملايين السنين، لصالح أجيال معدودة عاشت الفورة الصناعية في القرن العشرين، وحمَّلت أجيال البشرية القادمة أعباء البحث عن طاقات بديلة، وعن سبل إصلاح الخلل البيئي الذي يوشك أن يدمر الأرض وينهي الحياة البشرية عليها.

You may also like...

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *