القراءة.. هي المفتاح!!

القراءة أولاً.. قبل أن (نقرأ)؛ لن نستطيع أن نتذوق حرية، ولا نمارس ديمقراطية، ولا نقيم وحدة، ولا نبني اقتصاداً!!
إن على شبابنا أن يسألوا أنفسهم: هل هم على بصيرة من المبادئ والأفكار والمناهج التي تحيط بهم؟ وهل فكروا في الوسائل التي تمكنهم من كسر احتكار المعرفة وفكِّ قيود التبعية، واختراق حواجز الإعاقة، وفتح ثقوب في الجدار القائم في وجه الشروق، تتسرب منه أشعة النور؟
وفي محيط أمتهم وحاضرهم وماضيهم ومستقبلهم، ومن أجل تأكيد هويتهم، وتحقيق ذاتهم، واستعادة شخصيتهم، هل يملكون القدرة على استيعاب تراثهم، وإدراك واقعهم، كي يتمكنوا من تفكيك هذا التراث بموضوعية، مستخدمين وسائل المعرفة العصرية ومناهج البحث المتطورة، حتى يعيدوا تركيبه بما يصلح لجيلهم ومستقبلهم؟ وهل هم على علم بمكونات ثقافتهم من لغة وشعر وأدب وفلسفة وفقه وتاريخ وعلوم، حتى يضيفوا إليها ما ينميها من أجل أبنائهم وأحفادهم؟
وهل هم على معرفة بما يحرك العصر من علاقات متشابكة بين عوالم السياسة والاقتصاد والاجتماع، ومنجزات التقنية وأنظمة التواصل والإعلام والمعلومات؟
أم إنهم اكتفوا بما حصلوه من معلومات ترضي طموحهم وتتيح لهم نجاحاً ظاهرياً في نطاق تخصصهم المهني، ثم راحوا يعالجون مشكلات أمتهم بكثير من السطحية، والطفولية، والجهالة، فخاضوا غمار واقعهم المتأزم المتصارع المائج بالتيارات والعواصف والأحزان بلا وعي ولا معرفة، وانجرفوا – وغالباً عن إخلاص وحسن نية – في مستنقعات الطائفية والعرقية والإقليمية والشللية، ودخلوا في دوامة العنف والعنف المضاد، فأثلجوا صدور أعدائهم، ومنحوهم فرصة الاستمتاع بالتفرج عليهم، وهم يتقاتلون ويذبح بعضهم بعضاً، كما يستمتعون بمشاهدة صراع الديكة، أو مصارعة الثيران.
وما هكذا تورد الإبل.. ولا هكذا تنعتق الأمم من إسار تخلفها وهوانها، وتنهض من كبوتها وعثارها.. إنما يكون الانعتاق والنهوض بتنكب طريق الشعوذة والخرافات والاتكالية، إلى طريق العقل والمعرفة لسنن الكون وتغيير الأنفس والمجتمعات.. بالكفِّ عن إعمال اليد كالأطفال، والإقبال على إعمال الفكر والرأي شأن الرجال من المصلحين والأنبياء.. بالتحرر من عقدة العنف واللعب بالنار.. بالخروج من عالم الأشياء والأوثان، والدخول بجدية وحزم إلى (عالم الأفكار).
ستقول لي: عالم الأفكار رحب وفسيح ومتجدد، فإذا ولجتُه فماذا أقرأ؟
وأبادر إلى القول: اقرأ ما تشاء؛ فأنا أومن بحرية القراءة، وحرية الاختيار، وأمقت كل أشكال الوصاية والحجر والرقابة على الأفكار، وأرى في فرض القيود على القراءة سدّاً يحول بين الإنسان والإبداع، وحاجزاً يعوقه عن التقدم، ويحرمه من الاطلاع على تجارب الآخرين، ويحدُّ من إمكاناته للتغيير والتطوير والاجتهاد وتجاوز الخطأ. بل إني لأشعر بأن أنظمة المنع والقمع والأحادية الفكرية مناقضة للفطرة الإنسانية، لا تلبث هذه الفطرة أن تتغلب عليها، مثل سيل عرم تتجمع مياهه خلف سد، تبحث عن ثقوب ومنافذ لها عبره لإفراغ طاقتها، فإن لم تجد فإما أن تعلوه وتتابع مسيرتها، وإما أن تجرفه بثقلها فتدكه دكّاً، وتمضي في سبيلها..
[ محمد عدنان سالم: القراءة أولاً- دار الفكر- ص79-81]

You may also like...

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *