يوم اللغة والجيل الجديد

يوم 18/12 من كل عام، أعلنته اليونيسكو يوماً عالمياً للغة العربية، ربما كان ذلك إدراكاً من المنظمة العالمية للثقافة؛ للمخاطر التي تتهددها، وهي اللغة التي يأتي ترتيبها السادسة؛ بين اللغات المعترف دولياً بأنها الأوسع انتشاراً في العالم.. وقد كان ترتيبها الأولى في العالم؛ ذات يوم غير مغرق في القدم، عندما كانت الحضارة تشع على العالم من الأندلس، وعندما كان المدرِّسون السوريون إلى عهد قريب، يعلمون الرياضيات، والفيزياء، والكيمياء، والهندسة والطب، بالعربية الفصحى، وكان الجندي الســــــــــوري-على اختلاف انتماءاته العــــــــــرقية، شــــــــــــــــركسياً، أو كردياً، أو سريانياً، أو أرمنياً– ولا يزال؛ يسمي أشياءه كلها بالفصحى: الأخمص، والزناد، والجعبة، والنطاق…!!
*****
وها نحن اليوم؛ نرى التلوث اللغوي على أشده:
لافتات لمحلات تجارية ومطاعم، تحيط بمجمع اللغة العربية بدمشق، ليس فيها حرف عربي واحد؛ سوى لافتة المجمع الشاحبة التي كتبت بحروف ذهبية معتقة، تعلوها آية قرآنية (وَهَذا لِسانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ) [النحل: 16/103].
وتقرأ على صدور الشباب وعلى ظهورهم، عبارات أجنبية؛ غافلين عما في بعضها من معان فاضحة، لو وعتها الفتاة لتوارت خجلاً من سوء ما ترمز إليه!!
وتتابع الشباب من أجيال الفيس بوك والتويتر؛ يتبادلون أحاديثهم ( chat ) بلغة هجينة ليست بالفصحى ولا بالعامية، وافقهم عليها بعض المفكرين، فتحدثوا إليهم بها، بذريعة إيصال أفكارهم إليهم، بلغتهم التي يتقنونها!!
ولم تنج الصحافة والتلفزة والخطابة من لوثة العجمة والعامية والتحريف؛ تكاد أخطاء بعض المحاضرين اللغوية؛ تصرفك عن مقاصده، وتحملك على التقزز.
****
أهي حالة الانسحاب الحضاري التي ألمت بنا، فأفسدت لغتنا؟! أم هي العولمة التي اختُزلت إلى الأمركة؟! أم هي الفرانكوفونية كما في الجزائر؟!
أم هي التكنولوجيا التي تخلفنا عن إنتاجها، فأقبلنا على استهلاكها بأسماء منتجها؟! أم هي الدعوات المشبوهة؛ لإحلال العامية مكان الفصحى، بحجة أن اللغة كائن اجتماعي حي؛ يطوره المجتمع حسب احتياجاته؟!
أم هي المؤامرة المدبرة التي تستهدف إضعاف اللغة العربية؛ عبر فصلها عن المقدس، والدعوة إلى تسكين أواخر الكلم، والترويج للعاميات المحلية، واستبدال الحرف اللاتيني بالحرف العربي؟!
****
لست بخائف على العربية، رغم كل هذه التحديات، وأنا ألمح في الأفق جيلاً يتأهب للنهوض بالأمانة؛ مستفيداً من تقنيات العصر، يؤسس في المجتمع: نواديَ للقراءة، ومقاهيَ ثقافية، ومجموعات فكرية، ومواقع للتواصل الاجتماعي.
أتطلع إلى أن تكون الدعوة العملية لرفع التلوث اللغوي، والتحرك إلى مواقعه بالحوار والإقناع والتشجيع، -التي بدأتها بعض الجمعيات الشبابية من فتيات دمشق وفتيانها-خطوة أولى تتلوها خطوات كثيفة، بحجم كثافة التلوث!!
كم سيكون هذا عملاً إيجابياً مثمراً، يؤكد فعاليتنا، وإصرارنا على تجاوز سلبياتنا، وبناء مجتمع حضاري واعٍ جديد؛ يصنع مستقبلنا!!
كم سنكون فخورين بهذا الجيل، وهو يرفع عن كاهلنا نير الهزائم الاجتماعية التي صنعناها بأيدينا!!

You may also like...

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *