وقف التدخين خطوة استراتيجية على طريق النهوض

كلنا مدخن!!
من كان منا يتعاطى التدخين، بأي نوع من أنواعه؛ ومن كان منا مدخناً سلبياً، يتلقاه منفوثاً من رئة ملوثة به؛ في مطعم أو مركبة أو مكتب أو مقر عمل، أو حتى في شارع، أو من زائر له في بيته.. لا يفلت أحد منا من جائحة التدخين بوجهيها المباشر أو السلبي!!
كلنا آثم ومسؤول عن استمرار عادة ضارة استحكمت بالبشرية أكثر من 500 عام؛ يصدق فينا قولُ الله تعالى (كانُوا لا يَتَناهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ) [المائدة 5/79]، وتجاهلُنا لقول الرسول صلى الله عليه وسلم: ” انصر أخاك ظالماً أو مظلوماً” قال رجل: أنصره مظلوماً، أرأيت إن كان ظالماً كيف أنصره؟ قال: “تمنعه من الظلم فإن ذلك نصره” [رواه البخاري: رياض الصالحين 237].
والمدخن جامع للحالين معاً، فهو ظالم لنفسه وظالم للآخرين، ومنعه من الظلم تكليف شرعي نحن مأمورون به..
رب قائل يقول: أين نحن من قضية التدخين، ونحن نعاني ما نعانيه من مشكلات التشرد والتشرذم، والاقتتال والاعتقال، والتعطل والتبطل، وانسداد الأفق وغياب الرؤية؟!
وأقول: إن تغييب المجتمع عن دائرة الفعل، وإشغاله في صراع داخلي غير متكافئ يشل حركته وفعاليته؛ هو غاية ما يرومه العدو المتربص، بعد أن اطمأن إلى تدجينه، وإخفات صوته، وحصر تطلعاته في البحث عن لقمة عيشه؛ وأصبحت الفرصة مهيأة لإقحامه في المرحلة الثالثة المخطط لها بإحكام: وهي مرحلة التمزيق العرقي والطائفي والمذهبي؛ المنفلت بلا قيم تضبطه، ولا مواطنة تربطه، ولا حدود فاصلة تميزه.. وذلك بعد اطمئنانه إلى نجاح خططه في التمزيق السياسي، وإقامة كيانات وهمية مصطنعة، سُطرت الحدود الفاصلة بينها بالمسطرة؛ تمهيداً لاقتسامها في تركة الرجل المريض، وتوزيعها على القوى الاستعمارية المتربصة، في المرحلة الأولى، وإقصاء المجتمعات الخارجة لتوها من الاستعمار؛ مفعمة بالأمل والطاقة وإرادة التقدم والتحضر في المرحلة الثانية..
وأقول أخيراً إن استرداد المجتمع فعاليته لا يمكن أن يتم بالقفز المباشر إليها، فسياسة حرق المراحل، هي إحدى مخططات العدو لإضعافنا وإحباطنا، وهي صورة من صور العمل العشوائي الانفعالي بعيداً عن العمل الاستراتيجي الممنهج.. وطريق العودة إلى نقطة الانطلاق لا بد أن يمر عكسياً على كل المحطات التي مر بها في طريق القدوم..
فلئن بدأنا طريقنا أمةً عربيةً إلى ما نحن فيه بالتمزق السياسي في المرحلة الأولى، ثم بإقصاء المجتمعات عن دائرة الفعل في المرحلة الثانية، ثم بالانخراط في مشروع التمزق الاجتماعي الطائفي المدمر في المرحلة الثالثة، فلا بد لنا من البدء بإحباط مشروع تمزيقنا الاجتماعي أولاً، والخروج منه بنسيج اجتماعي أشد تماسكاً وترفعاً عن المكاسب الأنانية في المحطة الأولى، وباستعادة المجتمع فعاليته في المحطة الثانية، لكي تستعيد الأمة العربية والإسلامية وحدتها وشخصيتها، وقدرتها الذاتية، وإرادتها، وكل ما فقدته إبان ضعفها وانكفائها الحضاري في المرحلة الثالثة..
ومشروع وقف التدخين، هو بمثابة المنزلة بين المنزلتين؛ يسهم في تمتين اللحمة الاجتماعية وإعادة الثقة بين أفراد المجتمع الواحد من جهة ، ويخطو بالمجتمع خطوة على طريق استعادة فعاليته من جهة ثانية.
وهو- في الوقت ذاته- هدف صعب بعيد المنال؛ يتطلب تحقيقُه تضافر جهود جبارة، تعمل منفردة كلاً بما يستطيعه، وتعمل مجتمعة من خلال مؤسسات اجتماعية تخطط وتنفذ، وتقيس نجاحاتها وإخفاقاتها، لا تكلُّ حتى تبلغ هدفها المنشود: مجتمع بلا تدخين؛ مؤهل لمتابعة خطواته ونجاحاته على طريق النهوض!!

You may also like...

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *