ثقافة الماضوية

ومن أولويات التغيير الراهن: الخروج من صيغ الماضي التي اصطبغ بها الخطاب الإسلامي، فجعل نماذجه ومثله كلها سالفة، وجعل هذه النماذج أكثر ثقة كلما أوغلت في القدم واقتربت من عصر التنـزيل، وعدَّ ما تحقق في العصر الأول مثلاً أعلى، وغاية تستهدف ويُسعى إليها، وسقفاً تطبيقياً لشريعة الله لا يمكن تجاوزه، ونظر إلى التطبيقات اللاحقة نظرة أدنى، تزداد دونيتها كلما اقتربت من العصر الراهن، مستدلاً على ذلك بقول رسول الله صلى الله عليه وسلم” خير الناس قرني، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم”. من دون إدراكٍ لمفهوم الدورات الحضارية التي تتقلب فيها الأمم.. المفهوم الذي أراد الرسول أن يلفت النظر إليه؛ محذراً أمته من الركون إلى ما أنجزته في الماضي،واجتراره دون عطاء جديد!!
وبحسب هذا الخطاب الماضوي، رسخ في ذهن الإنسان المسلم، أن التاريخ الإنساني يسير منتكصاً على عقبيه، وأن ما تحقق في الماضي هو غاية ما يصبو إليه، ويجعله مثلاً أعلى يطمح للوصول إليه، وأن العلم قد انتهى عند السلف، فلم يتركوا للخلف شيئاً يضيفه عليه، وأن الساعة قد اقتربت، وأن عموم الفساد، وانتشار المعاصي، وشيوع الخطأ والانحراف؛ من علاماتها وأشراطها، وأن آخر الزمان هو أسوأ ما يؤول إليه تاريخ الإنسان، وأن الأجيال القادمة لا خير فيها يرتجى، والخير كله منحصر في الأجيال السابقة؛ ينحسر عنها تدريجاً، فهو لذلك يعيش مشدوداً إلى الماضي يتوجه إليه، يائساً من المستقبل يدير له ظهره..
إن على المفكرين أن يصححوا هذه الثقافة الانتكاسية الراسخة لدى المسلمين، وأن يديروا وجوههم إلى المستقبل، لكي يتيحوا لماضيهم العظيم؛ أن يقوم بدوره؛ ركيزة يرتكزون عليها، وطاقة تدفعهم قدماً إلى الأمام، بدلاً من توظيفهم الراهن له مغناطيساً جاذباً يشدهم إلى الخلف.
لقد فطن الإمام الشوكاني لهذه الظاهرة، فألف كتابه (البدر الطالع بمحاسن من بعد القرن السابع) ليؤكد للمسلمين أن الخير في أمة محمد لا ينقطع، كما ذكر في مقدمته.

You may also like...

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *