ثقافة المؤامرة

يركز بعض المفكرين على العوامل الخارجية (المؤامرة)، التي توصد كل الأبواب في وجه العالم الإسلامي، تروم إبقاءه حبيس تخلفه، تسد عليه كل المنافذ، تكتم عليه أنفاسه، تقيده، تحتل أرضه، تستغل ثرواته، تستنفد طاقاته، تشل حركته، تطيل أمد غيبوبته، تتركه رهين عجزه، بلا حول ولا قوة.
وعلى الرغم من أن فصل العالم العربي عن محيطه الإسلامي الكبير؛ تحت شعار (القومية)، ومن ثم تفتيت العالم العربي الواحد ذاته؛ إلى دويلات ذات حدود مصطنعة مسطَّرة، تحت شعار (الوطنية).. قد تم تحت أوهام (التحرر، والاستقلال، والنهضة) التي انخدعنا بها، ولم تكن سوى مخدِّر، يسهِّل توزيعنا على الدول الاستعمارية الكبرى، بموجب معاهدة سايكس بيكو من جهة، ويمهد لتغيير هوية فلسطين العربية، وتهويدها، وإقامة دولة إسرائيل على أرضها بموجب وعد بلفور من جهة ثانية!!
أليس كل هذا مؤامرةً كبرى بامتياز؟! أليس الاستعمار الغربي شيطان العصر؟! أليست المؤامرة وسيلة الشيطان الكبرى لإغواء الإنسان بالمضي قدماً في الطريق المؤدي لهلاكه؟! (وَقَالَ الشَّيْطَانُ لَمَّا قُضِيَ الأَمْرُ إِنَّ اللّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدتُّكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُم مِّن سُلْطَانٍ إِلاَّ أَن دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي فَلاَ تَلُومُونِي وَلُومُواْ أَنفُسَكُم ) [إبراهيم 14/ 22].
هل المشكلة في ممارسة الشيطان وظيفته في الإغواء، أم هي في غفلة الإنسان عنها وانخداعه بها؟!
أؤكد أن وعي الإنسان – مبكراً أو متأخراً- بالمؤامرة؛ كفيل بتفكيك خيوطها، وتجنب آثارها المدمرة.
وعلى الرغم من أهمية العوامل الخارجية، وأثرها المدمر على مشاريع التنمية الذاتية في عصر العولمة، الذي تتهاوى فيه الحواجز، وتتكسر الحدود والقيود، وتنتقص السيادة الوطنية لدرجة يصعب معها على بلدٍ أو أمة أن تغلق عليها أبوابها، في محاولةٍ لإصلاح بيتها الداخلي بعيداً عن أعين الرقباء..
على الرغم من ذلك كله، فإني أرى أن سيطرةَ الشعور بقوة هذه العوامل الخارجية على أمة من الأمم، غاية ما يرومه عدوها منها؛ فهو الكفيل بشل فعاليتها، وتكبيل أيديها، وإشعارها بالعجز المطلق عن المواجهة، وعن التصرف الذاتي المستقل، وتسليم مفاتح الحل لمشكلاتها إلى الخارج الذي يكيد لها.
إنني – على الرغم من كل الضغوط الخارجية –أرى أن جوهر المشكلات كامن في الذات، وأن مفاتح الحل في يديها، وأن تحصين الذات وتقوية مناعتها في مواجهة الـــــمشكلات لا يأتيانها من الخــــــــــارج و (إِنَّ اللّهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنْفُسِهِمْ [ الرعد 12/11] وإن الاستعمار لا يتمكن من بلد إلا في المرحلة التي تكون لديه قابلية للاستعمار ناجمة عن غفلته وتخلفه (أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُم مُّصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُم مِّثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَـذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِندِ أَنْفُسِكُمْ [آل عمران 3/165].

You may also like...

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *